; قصة قصيرة: الثائر الصغير | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة: الثائر الصغير

الكاتب نواف عبدالرحمن الجديمي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1160

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

عندما أكبر سأثار لأبي.. قالها جلال وعيناه تذرفان الدموع.. ربتت أمُّه على كتفه بحنان، وقالت له: كفاك يا جلال.. لن ترجع الدموع ما أضاع الدهر.. عندها لم تستطع الأم مسك دموعها، فأخرجتها دمعة حارة من مقلتيها.

كانت مدافع الصرب تضرب العاصمة بقذائف ملؤها الحقد على الإسلام والمسلمين.. والناس مختبئون في الملاجئ، وفي زاوية أحد الملاجئ المظلمة جلس جلال - والذي يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما - مع أمه، ينتظرون فرج الله عليهم بوقوف وابل القذائف على مدينة الجحيم التي يسكنون فيها، وفعلًا هدأت أصوات القذائف، وبدأ الناس يحمدون الله على هذا الهدوء النسبي، وعندها وضع جلال رأسه على أمه، وقد حلق طائر الكرى فوق جفنيه، فراح في سبات طويل، وقد ضم بين جنبيه لعبته الصغيرة التي أهداها له أبوه قبل قتله، وقلبًا يتأجج حرقة ولوعة على مصاب أبيه، ونفسًا تواقة للثأر.

كان والد جلال ممن هبَّ في بداية الحرب، وانضم إلى القوات المسلمة المحيطة بسراييفو، وكانت أخباره تأتيهم كل أمد مع أحد المجاهدين العائدين من الجبهة، حتى جاءهم نباً استشهاده بارحة الأولى مع أحد المجاهدين القافلين إلى الدمار إلى الخراب إلى سراييفو.

دخل مسؤول الملجأ فزعًا، وقال: يجب إخلاء المكان بأقصى سرعة؛ لأنه قد أصيب، وهو معرض للسقوط في أي وقت، رعب الناس وتراكضوا نحو الباب وكلهم قد لمَّ حاجياته، وخرجوا متجهين إلى ملجأً آخر أكثر أمنًا،  وفي الطريق وجد جلال سلاحًا مرميًّا على الأرض قرب إحدى الجثث التي قد انتشرت على جانبي الطريق فالتقطه بخفية،  وأخفاه بين ثيابه حتى لا يراه أحد.

دخلت القافلة الفارة من الموت إلى أحد الملاجئ فازداد الزحام، ولكن، لا تخلو لحظات الخوف والفزع من شفقة ورحمة، كما لا تخلو لحظات الرعب والخشية من ومضات إيمان تهزأ بالموت والدمار، فأفسحت كل عائلة لأخرى بجوارها، وكان الشعور بالجسد الواحد في زمن تصفية الأجساد المسلمة.

أسند جلال ظهره على جدار الملجأ وأخرج السلاح من بين ثيابه، وأخذ يمسحُه بثوبه وهو يبتسم فرحا به، ووجد فيه أربع طلقات لم تستعمل بعد ضمِّه إلى صدره ضمة قوية أخرج فيها آهاته وزفراتِه، وخرجت من عينه دمعة حارة، فسقطت على سلاحِه فبرق بريقا وضاء، وكله أمل في أن تحين ساعة الصفر حتى يخرج إلى الدنيا، ويقتل أحد الصرب ثأرا لأبيه.

وفي ليلة غاب عنها القمر، وبعد أن أسدل الليلُ ستاره وأرخى سدوله نام كلُّ من في الملجأ إلا عينان كانتا تلمعان من بعيد،  تنتظر النوم العميق؛ كي يخيم على المكان جلس جلال على فراشه، وقد شد سلاحه في وسطه، ووضع يده عليه، وضغطه بقوة، تلفت يمينًا وشمالاً لا يراه أحد سعل بشدة .آه ما أبرد الليلة! تسلل بهدوء، واتجه نحو أمه فقبَّلها على جبينها، ثم قام يمشي برتابةٍ حتى وصل إلى الباب فتحه بهدوء، فأحدث صريرًا خرق جدار الصمت . وقبل أن يخرج رفع رأسه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ونظر إلى أمه النظرةَ الأخيرة، ثم خرج مسرعًا ، وأسلم رجليه إلى الريح، وهو يقول: لن يفلَّ عزيمتي شيء، لم يحدد وجهته،  لكنه حدد هدفه.

مرت ساعتان وجلال يدور في شوارع سراييفو، وقد احتمى بالجدران خشية أن يصيبه رصاص القناصة؛ حتى اقترب من ساحة الموت، هذه الساحة التي يحيط بها القناصةُ من جميع الجهات . أخرج سلاحه ورفعه إلى فمه، وقبله قبلة تعني له الكثير، أخذ يزحف تارة ويمشي تارة؛ حتى صار قريبًا من الساحة رمق من بعيد أحد جنود الصرب، وقد رفع بندقيته، واشتغل بتنظيفها، فتبسم جلال؛ لقد رأى الهدف، تسلل في جنح الظلام، حتى صار على مقربة من الجندي، وجَّه مسدسه نحو الجندي، وقد أمسكه بكلتا يديه، وأخذ بالعد: واحد، اثنان، ثلاثة وانطلقت رصاصة؛ لكي تخترق ظهر الجندي .. أخذ ينزف بشدة، في هذه اللحظة فزع القناصة من صوت الإطلاق، ليس لسلاح القنص كل هذا الدوي، رآه أحد القناصة من بعيد.

صوب إليه بندقيته، وأطلق رصاصة، اخترقت صدره فخرَّ صريعًا، أشرقت شمس ذلك اليوم وأضاءت بأشعتها الذهبية الأجواء تنبئ بالحياة على أرض الموت، وسمع الناس صباح ذلك اليوم قصة ذلك الثائر الصغير.

الرابط المختصر :