الأحد 15-ديسمبر-1991
سراييفو: مراسل المجتمع
دعائم النظام الدولي الجديد ورموز الهيمنة في العالم تقف اليوم بلا
حراك، تتابع في دهشة فريدة ما كان من قبل مستحيلًا أن يحدث في أوروبا. فإذا هو
اليوم واقع حي وحرب حقيقية تدور رحاها على الأرض الأوروبية، ويكاد لهيبها أن يطال
قنبلة القوميات التي يختزنها البلقان، لتجد القوى العالمية -التي تتردد اليوم في
اتخاذ قرار حاسم- نفسها شريكة كاملة في حرب تعيد ذكريات التاريخ ومآسي الدهر، ولا
يعلم مداها إلا الله.
ولعل الكروات الذين يبدون اليوم ضحية للتطاول الصربي الذي يسير على
النهج الصهيوني في سعيه لصربيا الكبرى التي تقوم على أراضي صربيا وثلث كرواتيا
وغالبية البوسنة والهرسك، لعلهم قد نالوا حظهم تمامًا من الإعلام العالمي
واهتمامه، وبقي المسلمون كالعادة لا حليف لهم ولا ناصر، رغم أن أزمتهم في
يوغوسلافيا في مواجهة الصرب أخطر من شركائهم في الاتحاد القديم الكروات أو
السلوفانيين.
ولأن إشكالية الاتحاد غاية في التعقيد في ظل واقع مليء بسبع عشرة
قومية وأقلية وعدة لغات وثلاثة أديان، فإن أزمة المسلمين اليوغوسلاف تمثل إشكالية
أعقد، تحول دون بسط مفردات واقعهم هكذا سهلًا، إلا ربما إذا أفردنا مناطقهم كلًا
على حدة.
فالبوسنة والهرسك على سبيل المثال، والذي قال الرئيس الكرواتي إثر
سقوط مدينة فوكوفار في أيدي الصرب: "إنه قد حان الآن دورها"، تمثل من
حيث الواقع الجغرافي والاقتصادي والسياسي أعقد جوانب القضية اليوغوسلافية؛ سواء من
حيث محاصرتها جغرافيًّا بالجمهوريات الأخرى الصربية والكرواتية، وانعكاسات ذلك
اقتصاديًّا، خاصة في ظل الإجراء الذي اتخذته صربيا أخيرًا والخاص بمنع كافة أنواع
المواد الغذائية من دخولها إلى البوسنة.
أما سياسيًّا، فشأن البوسنة يُشابه كل يوغوسلافيا. فما أن حانت ساعة
الخلاص من الهم الشيوعي، ولاحت في الأفق نسائم الحرية وتنامت أحلام المسلمين في
صياغة غدٍ أفضل يعيد إليهم ما سلب منهم على مدى العقود الماضية، حتى باغتتهم
الأزمة وكشفت عن عورات كثيرة، ربما يتحمل بعضها إخوانهم في العالم الإسلامي.
فقد بدت الشعوب المسلمة هناك وهي تعاني نقصًا حادًا في الكفاءات
السياسية التي عليها اليوم أن تتولى أمور شعوبها وتنظم حياتها وتسترد حقوقها
المسلوبة، وكان ذلك رد فعل طبيعي لكون المسلمين أكثر الفئات اضطهادًا حتى على
الصعيد السياسي. ورغم ذلك، فسرعان ما تشكلت أحزاب سياسية، تتطلع إلى تمثيل طموحات
المسلمين في جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي، وخاصة في البوسنة التي تشكل فيها حزب
العمل الديمقراطي الذي مُنِعَ من إضافة أي صفة إسلامية علنية إلى اسمه. ورغم أن
الذي يقف على رأسه رجل مناضل ومفكر قضى نصيبه في سجون الشيوعية وله كتاباته
الإسلامية التي زجت به إلى هذه السجون، إلا أنه لا يجد غضاضة في أن يعترف هو ووزير
خارجيته في هذه الجمهورية "بأننا جسد كبير برأس صغير"، في إشارة
واضحة إلى افتقاد الكفاءات السياسية التي لها منطلقاتها الإسلامية والجديرة بقيادة
المسلمين والتعامل مع المعطيات الحالية، سواء على الساحة الداخلية أو الخارجية.
إشكالية الكادر السياسي
وتزداد إشكالية الكادر السياسي المسلم تعقيدًا بتفرده -دون أقرانه
الكروات والسلوفانيين وحتى الصرب- بافتقاده إلى أرض خالصة له تحميه، بمعنى أن
البوسنة والهرسك بالذات تعاني من اختلاط شديد بين شعوبها الثلاثة: الإسلامية
والأرثوذكسية (الصرب) والكاثوليكية (الكروات)، بحيث إنه ليست هناك أراضٍ إسلامية
خالصة وصافية، وإن السكان مختلطون بدرجة عالية مما يجعل نشوب حرب أهلية هناك مأساة
تاريخية، حتى إذا قورنت بما حدث الآن في كرواتيا، ستكون الأخيرة على حد قول أحد
القيادات الإسلامية في البوسنة "أشبه بنزهة". إلا أن عزت
بيغوفيتش، رئيس الجمهورية، يحاول توظيف هذه الورقة بالذات لصالح البوسنة بالتلويح
بنتائج هذه الحرب المدمرة على شعوب البوسنة من كل الأديان. ولذلك أيضًا يحاول
الجيش الصربي (الفيدرالي سابقًا) حماية الجالية الصربية هناك عبر تسليحها سرًّا،
بحيث أصبح ضبط سيارات محملة بالذخائر والأسلحة في طريقها إلى الصربيين أمرًا
اعتياديًّا، ومن خلال مدهم بالوقود اللازم الذي يمكنهم من الحروب خارج المدن
والقرى حال اندلاع الحرب في ظل أزمة شديدة للوقود تجتاح الجمهورية؛ فضلًا عن
يوغوسلافيا كلها.
التحالف مع الكروات
وقد بدا أنه المخرج الوحيد للمسلمين هناك، كما لا يجد الكروات بدًّا
من ذلك بعد المذابح التي وقعت وتقع في حق إخوانهم في كرواتيا على أيدي الصرب، وبعد
فشل المفاوضات بينهم وبين الصرب على اقتسام أراضي المسلمين. وقد تعزز هذا التحالف
في جلسة برلمان البوسنة التي قاطعها نواب الصرب وصوّت فيها المسلمون والكروات
لصالح إعلان سيادة البوسنة والهرسك، وهو ما يعني خطوة قبل إعلان الاستقلال
النهائي. كما تجدر الإشارة إلى أن نواب المسلمين في البرلمان لا يمتلكون الأغلبية
الكافية لتمرير أي قرار يريدون استصداره إلا بالتعاون مع النواب الكروات والعكس
صحيح. وهذا التحالف الذي يقول عنه الشيخ يعقوب سليميسكي رئيس العلماء في
يوغوسلافيا: إنه على الصعيد السياسي فقط ولا ينعكس ثقافيًّا أو اجتماعيًّا، وخاصة
أنه ما زالت حية في ذاكرة المسلمين ما كان يقوم به الكروات أثناء الحرب العالمية
لتأليب الصرب عليهم، حيث كانوا يرتدون الملابس التركية ويهاجمون القرى الصربية،
ويقومون فيها بذبح الناس بالسكين، ويتنادون فيها بأسماء إسلامية، حتى ينسبوا
الأفعال إلى المسلمين الذين يتعرضون لانتهاكات صربية وحشية. ومن ناحية أخرى، فإن
أعمال البطش والإرهاب والقتل والتمثيل التي قام بها الصرب ضد المسلمين ما زالت
ماثلة في الواقع، خاصة أنها ما زالت مستمرة في مناطق المسلمين التي يحتلها الصرب،
مثل إقليم كوسوفو الذي يعيش فيه ما يقرب من مليوني مسلم ألباني يمثلون أكثر من 93%
من عدد سكانه، وقد سُلب منهم حقهم في الحكم الذاتي، ومورست معهم الاعتقالات
والإعدامات في ظل قوانين ونظم احتلال علني من قبل جيش صربي لشعب مسلم. نفس الحال
يتكرر في سنجق، وهي تقع بين ثلاث جمهوريات في صربيا وحلفائها، وكذلك في البوسنة
والهرسك، والتي تعتبر موقعًا حيويًّا وخط التواصل بين عدة بلدان إسلامية، بدءًا من
البوسنة مرورًا بسنجق إلى كوسوفو إلى ألبانيا، ويزيد مسلموها عن 250 ألف نسمة
يتعرضون يوميًّا لظروف الضغط والقهر، وترفض صربيا منحهم حقوقهم في الوقت التي شنت
فيه هذه الحرب المأساوية للدفاع -حسب زعمها- عن حقوق الأقليات الصربية في كرواتيا.
السياسة الخارجية والمسلمون
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد استندت الأطراف المتحاربة إلى
محاور خارجية أيدتها، فوقفت روسيا واليونان وبلغاريا والكيان الصهيوني وراء صربيا،
فيما ساندت ألمانيا والنمسا والمجر وهولندا وإيطاليا الكروات والسلوفانيين، وبقي
المسلمون في البوسنة والهرسك دون ناصر لهم -إلا الله عز وجل- سواء على صعيد الغرب
أو العالم الإسلامي.
وقد قام رئيس البوسنة والهرسك بزيارات إلى تركيا وإيران وليبيا، لكن
يبدو أنها لم تؤتِ ثمارها المرجوة. وقد قام بزيارات إلى الولايات المتحدة
الأمريكية واليونان وألمانيا وإيطاليا، حيث التقى هناك ببابا الفاتيكان. وكان
الهدف الأول من زياراته رد التهمة التي يثيرها أعداؤه، الذين اتهموه بالأصولية
الإسلامية التي تسعى لإنشاء دولة متطرفة إسلامية في أوروبا. وكذلك محاولة طمأنة
الأطراف الدولية إلى حرص المسلمين في البوسنة على كافة الحقوق الوطنية
والديمقراطية لكل الفئات التي تسكن أرض جمهوريته، بغض النظر عن دينهم. كما هدفت هذه
الزيارة إلى محاولة إقناع الأطراف الدولية بإرسال القوات الدولية إلى جمهورية
البوسنة، لمنع اندلاع حرب أهلية هناك، وهو الهدف الذي يبدو أنه قد بات قريب
التحقيق.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: متى يقف العالم الإسلامي
ساكتًا تجاه قضايا أقلياته التي تعيش هنا وهناك؟ ومتى تنشط الفعاليات السياسية
والاقتصادية العربية بالذات لتؤدي دورها تجاه المسلمين في بؤر الأزمات المشتعلة؟
هذا السؤال وذاك نطرحه على مائدة المفاوضات التي تلتقي عليها قيادات
العالم الإسلامي في داكار في مؤتمرهم الإسلامي، إلى أن تحين الإجابة، سيبقى على
المسلمين اليوغوسلاف -للأسف- تدبير أمورهم بأنفسهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل