العنوان قصة العدد.. هذه هي الحياة
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1978
مشاهدات 68
نشر في العدد 419
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-نوفمبر-1978
في قلب القاهرة، في حي من الأحياء الشعبية المعطرة بأنفاس الفئة الكادحة من الطبقة العاملة في ذلك الحي القديم يوجد دكان يبيع السجاد وما يشبهه من فصيلة الأغطية والأكسية الخاصة بالأرض- صاحب هذه الدكان شاب صغير ورث كل شيء بعد وفاة أبيه التاجر الكبير. ومن الغريب أن الشاب سمى نفسه باسم الشهرة بدلًا من اسمه المذكور في شهادة الميلاد. علق على واجهة الدكان اسمه الجديد، فكتب بخط عريض محل الحلواني.
سئل ذات يوم:
-لماذا فعلت ذلك.. وللمحل شهرة واسعة منذ أمد بعيد..؟
لم يشأ أن يذكر الحقيقة، وقال:
- شهرة المحل في سمعته.
- كانت سمعته نظيفة.. وكان اسم أبيك كالجنيه الذهب.
ولكن الشاب أدار الحديث إلى حديث آخر لا صلة له بالأول. إنه لا ينكر فضل أبيه عليه، فقد علمه إدارة المحل قبل أن يموت، وكتبه بما فيه باسمه، وكتب البيت باسم زوجته التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى، أمه ومن حسن حظه أن الزوجة الصغيرة الأخيرة لم تنجب.. فقسم الرجل وهو على فراش المرض ما يملك بين ابنه الوحيد وبين زوجته، غير أن الولد لم يعجبه هذا التقسيم، وثار على الزوجة غاضبًا في غياب أبيه. ولما مات أبوه ظل حزينًا بعيدًا عن العيون حتى مرت أيام طويلة مسحت الدموع، وردت النفس إلى طبيعتها، ولم يفتح الدكان طوال فترة الحزن.
وفي اليوم الأول من عهده الجديد أتي معه بخطاط وطلب منه أن يكتب محل الحلواني، ويرفع اسم الأب والعائلة. كان معروفًا بالحلواني منذ صباه. ولا يدري من أين أتاه هذا الاسم. وبعد مرور عام من وفاة الأب، خلع ثوبه التقليدي الذي كان يشبه ثوب أبيه، والذي كان يشبه أثواب أهل البلد، ولبس الزي الحديث القميص والبنطلون، وما يتبع ذلك الزي من تطور وتأنق، وتقدم إلى أحد التجار الكبار طالبًا يد كريمته فرحب الرجل أيما ترحاب، فهو يعرف أصله وفصله.
اقترن الحلواني من كريمة بيت كبير وفاض رزقه، واستقر قلبه في أمان وسعدت نفسه بحياة الزوجية التي وهبته البنات والبنين. ونسي الناس الاسم القديم للمحل، ولا يذكرون إلا اسمه الأخير المشهور في كل حي. ومره قال له ابنه الصبي:
-لا أريد أن أقف معك في المحل.
لم يهتم بما قال، غير أنه سأله:
-أأفهم أنك تختار التعليم؟
-جدي هو الذي اختار لي! دهش الحلواني!، والتفت إلي ابنه باهتمام شديد وقال:
- جدك
- نعم.
-متى قال لك ذلك.. وأين؟ ظن جده الموجود على قيد الحياة وإذ الصبي يقول:
-قال لي ذلك أمس.. وفي الحلم!، أنا لم أر جدي.. إلا أني عرفته فهو يشبه الصورة المعلقة فوق الجدار وهو يشبهك يا أبي..
زادت دهشة الحلواني، وقال:
- جاءك في المنام ليلة أمس!
- هذا ما حدث
واكتشف الحلواني أن ابنه الثاني يميل إلى نفس الاتجاه ويرغب في العلم ويكره التجارة. ثم اكتشف أيضًا أن أولاده يتفوقون في الدرجات العلمية وينفرون من رائحة السجاد والأغطية ويزهدون في الأحياء الشعبية ويتحدثون عن الأحياء الراقية.
وفسرت زوجته ما يسمع وما يرى من الأولاد:
- أنها سنة الحياة يا حلواني قال بغضب:
- يتنكرون لحياة أبيهم..
- لا.. ولكنهم يقبلون على حياتهم هم
- وهذا الدكان. من يستلمه بعدي
- بعد عمر طويل.. يفعل الله ما يشاء..
- ربح التجارة أضعاف أضعاف الوظيفة.. هؤلاء التعساء
- منهم الطبيب.. ومنهم المهندس.
ومنهم المحاسب وكلها أعمال لا بأس بها.. قد قمت بواجبك وأكثر لم تقصر أبدًا.
استسلم الحلواني إلى المقهى، وراح يفكر لم يغير من الدكان شيئًا غير اسمه فقط، مجرد اسم، ربما كانت الأنانية هي الغالبة في ذلك الحين على سلوكه، وعللها بعدم رضاه عن تقسيم أبيه للورث. لم يفعل ما يغضب الأولاد. وها هم يغيرون كل ما حولهم. وبات مصير الدكان في مهب الريح.
قال شريكه في المقهى وهو يشير بذقنه إلى رجل:
- يا حلواني.. هذا الرجل يشتري دكانك بأعلى سعر انتفض ونهض غاضبًا وصاح:
- ومن قال لك إني فكرت في البيع؟
- جذبه من ذراعه قائلًا:
- اجلس يا رجل.
واستطرد بعد أن جلس:
- سمعت من أولادك أنك ستفعل ذلك عاجلًا أو آجلًا.
- لن أفعل ذلك قبل أن أموت
- آسف إن كنت أغضبتك
- إنهم مجانين.. لم أقل ذلك
وفي أيامه الأخيرة، رقد على فراش المرض. وعرف أنه نفس المرض الخطير الذي أصيب به أبوه من قبل، جمع أولاده حوله. ولم يقسم الورث بينهم، يملك الدكان وثلاثة بيوت في الحي، وآلاف من الجنيهات في البنك تر ك كل شيء كما هو، وقال قبل أن يدخل الغيبوبة:
- افعلوا بالدكان ما شئتم..
- قال أكبرهم:-
نحن لا نصلح يا أبي له.. ولو جئنا بأحد يديره لخسر.
هز رأسه، وتذكر اليوم الذي أتى فيه بالخطاط ليغير معالمه، ويبدل اسمه، حتى شكلَه، صنع به ما صنع، حتى ملابسه، ألم يستبدلها بغيرها؟ وأغلق عينيه، وغاب عن الوجود وهزت الدار صيحة أعلنت الخبر المفجع، وسالت الدموع كالأنهار من عيون زوجته وأولاده وبناته وأهل الحي، ولكن الحياة في تلك اللحظة كانت تتجدد دون أن يدري أحد
تمت