العنوان قصة العدد.. كراسة الاعتراف
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979
مشاهدات 80
نشر في العدد 436
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-مارس-1979
أحلام الفتى كطيور حلقت في سماء عريضة ودارت حول النجوم البعيدة، وأخذت منها قبسًا من نور الآمال والأماني، وركضت بها إلى وجه القمر في ليالي السهر وأقامت هناك وبنت لها قصرًا تلوذ إليه كل ليلة وتجول وتصول إلى حين يتحقق المراد.
كان يسهر الفتى مع أحلامه هكذا، يطلقها إلى الفضاء ويتركها تسبح بأجنحة الطير، ولا يدعوها إلى العودة إلا بعد وقت متأخر من الليل. وهمس في أذنه أول حلم داعب خياله همسًا رقيقًا، فرقص فؤاده على أرض الحقيقة، وقال لنفسه إن البداية هي الزواج بفتاة من أسرة ثرية، تعد النقود بأرقام خيالية. ولكنه اصطدم بصخرة مكتوب عليها تاريخ أسرته. ومن بين سطور ذلك التاريخ ما يشير إلى أنه ينحدر من عائلة متوسطة الحال. وأنه إنسان طموح استطاع أن يصعد فوق الصخرة ويتجاوز حدودها ويصل إلى مرتقى طبقة أعلى، إلا أن الصخرة لا تزال موجودة في طريقه وظاهرة في دائرة حياته.
أخذ يفكر في الطرق التي يسلكها ليذهب بعيدًا عن تلك الصخرة، وطفت على وجهه علامات التفكير. ووقع بصره من الفضاء إلى الأرض وزحف بين الحفر. توسل إلى ذكائه أن ينقذه بالحيل. وطرق أبواب الذهن بعنف لعل بابًا يفتح له.
من الخيال إلى الواقع، ومن الأحلام إلى الحقائق، هكذا بدأت رحلة الانطلاق إلى بناء المستقبل، واستقر رأيه أخيرًا على السعي نحو الهدف، ما يمنع أن يركب الخديعة بعض الطريق؟ وبهذا الأسلوب يستطيع أن يتزوج بفتاة غنية لا ترى الصخرة المكتوب عليها ذلك التاريخ الأسود. وبمهارة فائقة أكدت قدرته على التمثيل انتزع إعجاب فتاة سقطت في حبائله. وبنفس المهارة السابقة غطى زمنًا طويلًا صخرة العائلة بوهم بدأ كثوب ناصع البياض خلا من أي شيء يفسد لونه، ومن أي افتراء.
وبعد الشهور الأولى من الزواج السعيد لاحظت الزوجة أن رجلها يميل إلى الجلوس في ضوء القمر، ويحدق في السماء حتى يكاد يقطع صلته بوجودها، ولما سألته عن سبب هذا النظر الممتد إلى بعيد، أخبرها أنه لا يحسن التفكير وهو ينظر إلى الأرض. اعتاد أن يسرح وراء خياله أولًا، ثم يجر نفسه خلف عربة التفكير الثقيلة. وغالبًا ما يصل إلى غايته. فاقترحت عليه أن تقلده، أن تفكر مثله، وتشاركه في رحلته.
وقد حدث هذا وصار الاثنان يفكران معًا، ومدته الزوجة بالمال ودفعته إلى الأمام. وفي الليالي الخالية من وجه القمر كانت تشعل له شمعة وتعلقها في غرفته، وتقول ضاحكة:
- نسهر هنا ونتخيل ونفكر أيضًا.
أعجبه أن زوجته ذات عقل راجح، واكتشف أنها أجمل من صورتها التي رآها عليها قبل الزواج. واهتدى إلى نظرية الاعتدال. لا يكون محلقًا بالخيال، ولا يكون واقفًا عند حدود الواقع.
هذه حياته أصبحت نامية:
بمال وفير، وصار اسمه مرفوعًا كالعلم بين أهل الثقة. واشتهر بين كبار التجار.
ورمت نظرية الاعتدال ظلها على شخصيته كلها، وكره الطرق الملتوية، ونبذ الخديعة التي لجأ إليها من أجل الزواج، إنها النقطة السوداء في صفحة بيضاء. وبات ينظر إلى السماء ويفكر في ماضيه بدلًا من التفكير في المستقبل. وحاولت الزوجة أن تعرف كعادتها ما يفكر فيه، غير أنه كان كتومًا في تلك المرة. فكيف يبوح لها بالسر؟
وكان يجلس تحت الشمعة في غرفته وقد أطرق حزينًا. تجمعت سحب الكآبة وغطت نفسه وزحفت على وجهه. وفقد الرغبة في الطيران بأجنحة الأحلام، حتى ذهنه تجمد وتبلد. وأنكرت زوجته ذلك الحزن المقيم. وفشلت كل محاولة أرادت بها أن تزحزحه من منطقة الصمت العميق.
وانصرفت إلى أولادها تلتمس العزاء إلى أن يخرج زوجها من عزلته. وجدت في ابتسامة الطفلة قطرة ماء تروي ظمأها بعد أن تاهت في صحراء الوحدة، وجنت من صحة ابنها الكبير ثمارًا نضجت على شجرة التعويض.
ودون أن يدري امتدت سحب الحزن وانتقلت إلى وجوه أفراد الأسرة جميعًا، بما فيهم الطفلة الصغيرة التي كانت لا تزال تعتمد على الرضاعة، وتجهل الأمور الشائكة والمشاكل المعقدة.
وكأن جدارًا:
من القطيعة قد قام بين الزوجين. وتعرضت أعمال الرجل إلى تحدي الآخرين المنافسين في السوق. وهبت عاصفة ذرت التراب في عينيه. تنبه على إثرها واقتحم الميدان بعد غياب، بيد أنه ظل أسير الندم. ربطه الماضي في صخرة ظن أنه تحرر منها. صخرة الأسرة المكتوب عليها تاريخ حالتها. ليست أسرة غنية كأسرة الزوجة.
كان جده يعمل:
أجيرًا في حقل من حقول أصحاب الأرض. أما أبوه فكان موظفًا صغيرًا راضيًا بمرتبه الزهيد. تضاعف المرتب بعد ذلك وزادت النفقات، وتفجرت براكين الضيق والنكد.
صبر أبوه على الحرمان ليتعلم الأبناء ويراهم وهم يتسابقون في طريق الفلاح. حين مات الأب كان سعيدًا بما قدمه لهم. لم يره عندما تزوج بفتاة من طبقة الأثرياء. ولم ير تجارته الرابحة وأسرته السابحة في بحر النعيم.
وما فائدة ذلك كله إنه يبحث الآن عن هدوء البال، وعن الطمأنينة الداخلية، وعن العودة إلى الزوجة والأولاد بشخصية قوية عبرت فراسخ الهزيمة النفسية. لم يجد غير الصراحة. وليكن ما يكون. ماذا يحدث لو صارحها بالحقيقة؟
هذه هي الصخرة التي هربت منها. انظري يا زوجتي العزيزة واقرئي تاريخًا أسدلت على سطوره أغطية النسيان.
أنا إنسان من طبقة:
متوسطة، بل من طبقة أقل درجة من المتوسط. أين الشجاعة التي يواجه بها الموقف؟ هذا هو السؤال الأخير.
كان الرجل يسأل وجه القمر في الليالي الطويلة. لم يعد يحلم كما كان يفعل الفتى الذي كان. طارت الأحلام وذهبت وتركته وحيدًا تعيسًا. وكان يجلس الرجل داخل غرفته، وتحت الشمعة المضيئة، لا تنسى الزوجة الوفية أن تشعلها رغم القطيعة القائمة بينهما. تذوب الشمعة ويسيل دمعها وهو غارق بين كفيه، أو راقد على فراش الشرود. وفي حجرة أخرى تضم الزوجة المخلصة أولادها حولها منتظرة لحظة شروق شمس جديدة تسطع فوق الدار وتجدد الحياة وتبدد سحب الكآبة القاتمة.
ولمحت زوجها يمسك القلم ويفرغ شحنة الألم على الورق. وتلهفت على معرفة ما يكتب وتاقت نفسها إلى قراءة كلمات هي مفاتيح السر. وما إن وقعت الكراسة التي يبثها حديثه حتى علمت أن زوجها المسكين يعيش فترة صعبة من عمره تسمى بصحو الضمير.
قد لعبت بها الظنون وصنعت منها كرة تتقاذفها في أرض الضياع. كادت تشك في حبه لها. ومن كأس الشك شربت جرعات عدة مرات، لولا أنها واثقة من نفسها كامرأة تربت في بيت ثابت الأعمدة، راسخ البنيان، لا تقتلعه الرياح، وإن كانت تهب من ناحية العاطفة.
وتصنعت الزوجة أنها لا تعلم شيئًا. ورسمت على وجهها خطوط الجهل بما يجري به قلمه فوق السطور. وكانت تضع الكراسة في مكانها كيلا يفهم أنها اطلعت على ما يدور في باله ويخطر بذهنه. وبدأ الرجل يرجع إليها يومًا بعد يوم كلما توغل في الكتابة والاعتراف بالحقيقة.
وجالسها تحت ضوء القمر، وضاحكها بصوت رنان، وكأن شيئًا لم يكن. واستخدمت سلاح حرصها في الكتمان، وعزفت على أوتار عودته إليها لحن الرضا والقبول.
ألم يقل في كراسته بين السطور إنه ممثل عظيم. أوهمها أنه من أسرة ليست فقيرة؟ وألم يكتب في نفس الكراسة أنها صدقته، وأنها ساذجة؟ لذلك هي تقوم بدورها في التمثيل لعلها تثبت له في المستقبل أنها كانت أكثر منه ذكاء ووفاء.
وفوجئت به يقول:
- آن الوقت لأعترف.
سألته وقد مالت إلى جانب الغباء:
- بم... ولم... وهل أنت تخفي عني شيئًا؟
قال بعد أن تلاشت ابتسامة عريضة كانت على شفتيه:
- كنت أخفي شيئًا... بل أشياء... أما الآن فلا.
ضربت صدرها بيدها، وأحدقت فيه غاضبة، ثم قالت بصوت خفيض يفيض ألمًا:
- هذا أنت... وكنت أظن أنك أوفى الأوفياء.
قال بسرعة وكمن يدافع عن نفسه:
- من ناحية الوفاء... فأنا وفي والحمد لله... ولكن.
قاطعته بلسان حاد:
- أرجوك... اسكت... يبدو أني كنت مخدوعة.
اضطرب في الحال، ولزم السكون كمن غشته المفاجأة، إنه يمقت كلمة الخداع. هي الباب الذي طرقه من قبل. ليته ظل مغلقًا. أوشك أن يغرق في محيط الحيرة والحسرة. لكنها قالت:
- على أي حال... مستعدة أن أسمع... قل بصراحة وبلا خداع في هذه المرة.
قال وهو يمد يده بكراسة كان قد وضعها تحت مقعده:
- اقرئي كتابي.
انفجرت ضاحكة. قال باستغراب:
- أتضحكين مني؟
سدت ينبوع الضحك بفمها، وقالت بعد ذلك:
- لا أكذب عليك... فقد قرأت هذه الكراسة كلمة كلمة... ولم أترك كلمة واحدة.
من خلال دهشته سألها:
- ولماذا أخفيت عني؟
قالت بوضوح وثقة:
- كما أخفيت أنت... واحدة بواحدة... ولأكن صريحة أكثر... أنا أعرف كل شيء عنك... قبل أن تكتب في الكراسة شيئًا... أتذكر يوم طلبت الزواج بي... كنت يومها على علم بما كتبت في الكراسة... وأدركت الحقيقة ووجدت أنك تكذب... وغفرت لك ذلك لأني وجدت فيك طموحًا لم أجده في غيرك... كنت تحلم... وتطير أحلامك إلى بعيد... وكانت أحلامك تسعدني... ومن هنا كنت أشعل لك شمعة في غرفتك لتحلق أحلامك داخل غرفتك وداخلك. وكنت أيضًا...
لوح لها بيده أن تصمت، فبقية الحديث عن الأحلام معروف لديه، والمجهول هو الزوجة وهذا هو ما يريد أن يعرفه فيما بعد.
اعتقد أنه صنع:
مجدًا واسمًا في السوق. والحقيقة ينبغي أن تقال وهي أن التي صنعت ذلك كله هي زوجته. وما كان سيعترف أبدًا لولا سكوت زوجته أيام عذابه من نفسه وعراكه مع ضميره وشجاره مع شخصيته في الأعماق.
تمت