العنوان القرآن والأسرة.. الزواج السعيد يمسح الآلام والمتاعب، ويجدد الحياة دومًا
الكاتب الشيخ عبد الله النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1971
مشاهدات 89
نشر في العدد 63
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 08-يونيو-1971
القرآن و.. الأسرة
الزواج السعيد يمسح الآلام والمتاعب، ويجدد الحياة دومًا
بقلم الأستاذ عبد الله النوري
اهتم القرآن بالأسرة فأمر بالزواج؛ لأنه تعاون بين رجل وامرأة في تكوين عائلة، وجعل الزواج نعمة فيها السكون النفسي من الرجل إلى المرأة، ومن المرأة إلى الرجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( سورة الروم : 21)، والسكون ارتياح واطمئنان وثقة وائتلاف وانسجام، ثم صداقة وإفضاء متبادل، والإفضاء تعانق روحين وتفاهم عقلين، والإنسان محتاج دائمًا إلى من يشكو له ويطمئن إليه، محتاج إلى من يتألم لألمه، ويعطف عليه ويقدر شعوره، فلا يخجل من أن يفضي إليه بسره وما يخفيه في صدره.
والإنسان دائمًا في حاجة إلى من يقاسمه همومه ويبادله شعوره، فيخفف عنه لوعته ويعزيه في مصيبته، ويترنم بسعادته، ويفرح لفرحه، ويزيد في سروره.
فلا بد للمتألم أن يشكو ويتأوه، ولا بد للسعيد أن يغني ويترنم، وإلى من يشكو؟ وإلى من يغني؟ إلى الزوج -والزوج يعني الذكر والأنثى- كما بيَّن الله -تعالى- في كتابه العزيز:﴿وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ (سورة النساء: 21).
والمودة محبة يظهر أثرها في التعاون بين الزوجين في تكوين عش الزوجية، والقيام بتربية النسل الذي هو الرحمة، فإن الزوجية لا تكمل إلا بعواطف أمومة وعواطف أبوة، وتعاون الاثنين الأب والأم على تربية الأولاد.
ولما كانت الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء كل مجتمع، عمل الإسلام على أن تكون اللبنة قوية؛ ليكون بناء المجتمع قويًّا متماسكًا، وإلا فسيكون المجتمع مفككًا منهارًا.
والإسلام دائمًا يريد لأمته القوة، وفي القوة هيبة وعزة، لهذا كان المؤمن القوي خيرًا، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ (سورة آل عمران: 139).
والزواج هو نواة الأسرة، يجتمع فيه الرجل والمرأة بعقد شرعي، فيكونان وحدة وهي الأساس لبناء خلية لأسرة تنشئ جيلًا يستقبل الدنيا ليكون أمة أو جيلًا جديدًا.
وعلى الزواج تقوم الحياة بين اثنين رجل وامرأة، على ارتباط ديني وبأمر ديني تعلو بإنسانية الرجل والمرأة عن درك الحيوان، يجد عندها الراحة بعد تعب الحياة، ويجد في البيت معها جنة نعيم بعد جحيم الكد والنصب، وتجد المرأة في رجلها من يكفل لها الرزق، فتعكف على البيت ترعاه وعلى الأولاد تربيهم، ذلك ما يتفق وطبيعة كل واحد منهما وغريزته الفطرية، وصدق الله العظيم القائل: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ (سورة البقرة: 187).، تمازج نفسي واستئناس روحي وراحة قلبية ولذة مباحة، والحمد لله الكريم على نعمه التي لا تحصى.
صفات متى تحققت في أسرة سادها التفاهم وتحققت فيها السعادة، صفات ربطت بين رجل وامرأة برباط إلهي مقدس؛ ليتعاونا على القيام بشئونهما كما تتعاون اليدان والرجلان، فإذا انشل أحدهما اختل نظام الجسم.
وأسرة لا تربطها الصفات هذه أسرة مفككة.
والزواج عقد مقدس وأهميته بما يترتب عليه من آثار، لهذا شرعت الخطبة قبل البت في الزواج ووضع لها مقدمات؛ فحث الخاطب على أن يرى خطيبته ضمن حدود الشرع ولها أن تراه، وفي الحديث: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».
وكذلك شرع فيه الرضا؛ لأن الزواج عقد حياة وشركة عمر، فيجب أن تتوافر فيه الإرادة الكاملة والرضا التام لكل من الزوجين، فلا إكراه لأحد على أن يتزوج من لا يحب، ولا سلطة فيه لأحد على أحد.
جاء في كتب السنة أن فتاة قالت للرسول -صلى الله عليه وسلم- إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع خسيسته، فلما جعل الأمر إليها قالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.
إن القرآن يعمل على تكوين أمة هي خير أمة أخرجت للناس في بنائها وأحكام علاقتها وتعاونها، فهو دائمًا حريص على تدعيم الأسرة وعلى إسعادها وتقويتها، فحث على أن تكون العلاقات والروابط داخل الأسرة قوية؛ حتى لا تنهار ولا تضعف، فقال: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ (سورة التوبة: 71﴾ يتعاونون على البر والتقوى، ويبتعدون عن الشر جهدهم، فيحرص المسلم على أن يكون لأخيه المسلم كالبنيان.
والمؤمنون كلهم إخوة، والمؤمنون كالجسد الواحد، لكن «الأقربون» أولى بالمعروف لأنهم أسرة، والقرآن حرص كل الحرص أن تكون العلاقة بين الزوجين أقوى ما تكون، فأوصى الرجل بزوجته، وأوصى المرأة بزوجها، ووصايا القرآن أوامر واجبة التنفيذ، فقال للأزواج: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (سورة النساء: 19﴾
وقال للنساء: ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ سورة النساء: 34﴾، كما أوصى كافة المؤمنين إذا رأوا خلافًا بين زوجين أن يسعى خيارهم في الإصلاح بينهما: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ﴾ (سورة النساء: 35﴾.
والقرآن قسم أعمال الأسرة بين المرأة والرجل، فما من عمل يقوم به الرجل تجاه المرأة إلا وللرجل ما يقابله تجاهها، فهما متماثلان في الحقوق والواجبات.
فقد ملكت المرأة من الإمكانيات الطبيعية ما لا يملكه الرجل وبالعكس، فالرجل يختص بالشدة، والمرأة تختص بالعطف، والرجل يكد ويكدح، والمرأة تلد وترضع، والرجل يعتز بأنه أب، وهي تفخر بأنها أم، والرجل يمتاز بقوة العضل، والمرأة تمتاز بقوة النفس، فوارق طبيعية لا يمكن نسيانها أكسبت كلًّا من الجنسين أوضاعه الخاصة، ويسرت لكل منهما سبيله بحسب المقصود منه، وهيأته لأن يعمل في حدود ما فطر عليه.
والرجل بعد ذلك قوام على المرأة يسهر على مصلحتها ويحافظ على مالها ويعني بخلقها ودينها، وهذه الأعمال مفروضة على الرجل؛ لأنه المسئول الأول عن العواقب وعن الإنفاق، مسئول عن راحة الزوجة والأولاد؛ لأن الله أعطى الرجل قوة في الجسم وشجاعة في القلب فهو أقدر على الكسب والحماية والدفاع، أما المرأة فلها تدبير المنزل والمحافظة على ما فيه من مال ومتاع، اختصها الله -تعالى- بالحمل والوضع والرضاعة وحضانة الأولاد والسهر على صحتهم وخلقهم.
ولكل واحد من الزوجين ميدانه الذي أعد له وفطرته التي فطر عليها، وكل ميسر لما خلق له، مما تقدم من وصايا إلهية جاء بها القرآن الكريم ووصايا نبوية حث عليها الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم- نعلم أن الإسلام جاء ليبني لا ليهدم، وليعدل لا ليظلم، وليصلح لا ليفسد، وليسعد لا ليشقى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل