; قصة العدد تابع الجزء الأول نور في الأفق المظلم -5- | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد تابع الجزء الأول نور في الأفق المظلم -5-

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

مشاهدات 94

نشر في العدد 423

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

انتهى المطاف بالقطار القادم من القاهرة قرب منطقة المكس. أفرغ حمولته الثقيلة، وتقهقر إلى الوراء. انتشر الطلاب على الأرض. نادى عليهم قائد الرحلة لينتظموا في شكل طابور طويل. وأخيرا تحرك الطابور نحو المخيم المطل على الشاطئ. حمل عبد المجيد حقيبته وحقيبة صديقه الذي كان يسير خلفه مترنحًا واضعًا يده على رأسه المصدعة خشية أن تنفجر .

عندما دخل الطابور أرض المخيم، صاح القائد: 

- هنا أوامر عسكرية صارمة.. هذا مفهوم 

اهتزت الرؤوس بالفهم، فقال:

-كل مدرسة في قسم مستقل بخيامه.. وكل أربعة في خيمة.

اختار عبد المجيد خيمة قريبة من شاطئ البحر. دخلها مع صادق الذي يشاركه الاهتمام بالعمل الإسلامي وكمال وصبحي . هم أصدقاء، ومن أبناء عزبة النخل، وزملاء في المدرسة الثانوية غير أنه كان يرغب أن يشاركه الخيمة اثنان مثل أخيه صادق حتى تشيع في الخيمة الروح الإسلامية ولكن هذا ما حدث. رقد صادق في ركن هادئ. وشرع الثلاثة في العمل من أجل تجهيز الخيمة وتنظيمها قبل حلول الليل. غير أن صوتًا من صادق عطل العمل. كان يئن. وكانت النار تصعد من جسمه. في وجوده خطر. ساعدوه على الذهاب إلى مقر الوحدة العلاجية التابعة للمخيم الواقعة خلف مبنى الإدارة. 

ما إن كشف عليه الطبيب حتى كتب له التحويل  السريع إلى مستشفى الحميات. وركب صادق سيارة الإسعاف، وحاول عبد المجيد أن يركب ليصحبه إلى المستشفى، ولكنه اصطدم بكلمة ممنوع. رفض الضابط المسؤول أن يفهم. وأمره بالعودة إلى الخيمة، فشيع سيارة الإسعاف ببصر حزين. خرجت تولول بجرسها وتبتعد.

رجع يمشي مطرقًا متألمًا بين كمال وصبحي. وكانت الشمس تميل وتغطس في الماء.

اتجهوا إلى الخيمة، بيد أن عبد المجيد لم يطأها. ترك زميليه يدخلان، و هرب إلى البحر، وجلس هناك. وزحف الليل وابتلع المعسكر. لولا أضواء ظهرت كشموع مضيئة في أماكن متفرقة.

غرق عبد المجيد في الظلام. ركبت عيناه أمواج البحر المضطربة المقبلة المدبرة. غمره شعور بالتشاؤم. بداية الرحلة فراق. ويجب التفكير في الاستقالة كيلا يفقد أعز إخوته في الله إليه. كيف يتركه وحده في المستشفى؟ لا يوجد له قريب ولا صديق يسأل عنه في مدينة الإسكندرية. وبات عبد المجيد ساهرًا مع البحر والليل والفكر.

-6-

أمام مكتب قائد المعسكر وقف حاملاً حقيبتين، منتظرًا الموافقة على ما يريد. قرأ القائد الورقة المقدمة إليه وهو ينقل بصره بينها وبين صاحبها. هز رأسه بالرفض وقال:

- لیست الأسباب مقنعة

أدرك عبد المجيد أن المسألة صعبة وتحتاج إلى وقت. لا بد أن يوافق في النهاية، فقد قرر أن يسلك كل السبل، ويتبع كل الأساليب. وضع الحقيبتين على الأرض، واقترب أكثر من مكتبه، وقال بأسلوب بنهج طريق الإقناع: 

- هناك سبب واحد كاف.. وهو مرض صادق

فأجاب قائد المعسكر:

- هو تحت رعاية طبية وعناية من المستشفى 

- هذا صحيح.. ولكنه يحتاج إلى وجودي بجانبه

- لن تفعل له شيئًا 

- مجرد وجودي معه باستمرار.. يساعد على العلاج.. وعلى سرعة الشفاء.

- وهل منعك أحد.. اذهب كما تشاء.

- إجازة المعسكر في أيام الإثنين والخميس والجمعة.. ولمدة بسيطة

- نعطيك إذنًا بالخروج يوميًا.. ما رأيك؟

سد عليه الضابط كل المنافذ. تحلى بمزيد من الصبر. أصر على الاستقالة مهما كان الأمر. لجأ إلى محاولة أخيرة حين قال:

- صادق هنا غريب.. لا أحد له في مدينة الإسكندرية.. وأنا سأقيم في بيت عمني بحي فكتوريا.. وسأكون معه في كل وقت.. فضلا عن خدمته بقدر المستطاع.. أرجوك يا حضرة الضابط أن تقدر الموقف.

قذفه القائد بنظرة ثاقبة، ومال برأسه، على المكتب، وبدا كأنه يفكر.

وأمسك بالقلم ووضع توقيعه على الورقة بالموافقة. وطلب منه أن يكتب بخط يده أنه مسؤول عن عودته إلى القاهرة على نفقته الخاصة، فلم يتردد في أن يفعل. وناوله ورقة صغيرة ليقدمها عند البوابة وسمح له بالانصراف. شكره عبد المجيد بامتنان وحمل حقيبته وحقيبة أخيه صادق، وخرج فورًا من المعسكر الذي قضى فيه ليلة واحدة. وانطلق كالسهم إلى دار عمته في حي فكتوريا الراقي.

-7-

قال لعمته:

- من البداية.. تعب

فردت وهي تربت على كتفه: 

- آن لك أن  تستريح

- صادق .. يا عمتي مريض وهذا ما يتعبني

فطمأنته عمته بصوتها الحنون: 

- بإذن الله يتم له الشفاء.. وأنا مستعدة لأي خدمة

- سأزوره في العصر وفي الليل سأكتب رسالة لأبي.. من الضروري أن أخبره بوجودي هنا 

ولم يكشف لها عن السر الذي يضطره إلى كتابة الرسالة. لم يشأ أن يخبرها عن الحقيقة وهي خوفه من مجيء رجال الحكومة للقبض عليه فلا يجدونه، ويأخذون إسماعيل.

هذه الحقيقة تحمل قلقًا لا يحتمله قلبها الضعيف. يعلم أنها تحبه. ومن الطبيعي أن يحميها من الخوف، حتى ولو كان هذا الخوف عليه.

دخل الحمام يرطب جسمه بالماء البارد. أقام صلاة الظهر في مكان من الحديقة مفروش بسجادة. كأن شهر أغسطس في إجازة. لا وجود له في هذا المكان، كان الهواء يلعب أمامه في الحديقة. أتت عمته بالطعام على صينية كبيرة وضعتها على الأرض. كانت العمة متقدمة في السن ولكنها قوية. وكان الطعام لذيذًا، والقعدة ممتعة. وأكل عبد المجيد حتى امتلأ، وشرب حتى ارتوى.

-8-

رقصت الأيام على حلبة الحياة بعد أن انتصرت على الألم، وزفت الأخبار السارة، وأعلنت عن تحسن ملموس ظاهر على صحة صادق. وقد قدمت العمة له الخدمات الممكنة التي عجلت بالشفاء، والتي رسمت ابتسامة السعادة على الشفاه. أخرج عبد المجيد كتبه من الحقيبة والتهمها. لم يقرأ في حياته كلها كما يقرأ الآن. وفي المساء يسير على شاطئ البحر مع عمته دون أن يتعب أحدهما.

وذات يوم التقى بكمال وصبحي في حجرة صادق بالمستشفى. قال كمال بشيء من الحسرة:

- مرت الأيام في المعسكر بلا طعم

وقال صبحي بلهجة تشبه لهجة كمال:

- حقا.. خاب ظننا في المعسكر لزم عبد المجيد الصمت. لأن كلامه قد يضاعف حسرتهما وحزنهما. 

قال صادق بلهجة الفرح:

- غدا.. إن شاء الله سأخرج

وقف كمال يهتف:

- هذا أحسن خبر سمعته في حياتي وكان كمال طويل القامة، فبدا

وهو يهتف ويرفع يده إلى أعلى كأنه ينوي أن يمسك السقف. ضحك صادق حتى اغرورقت عيناه. وقال صبحي دون أن يفقد وقاره:

- أنا أسعد إنسان في الدنيا

مال کمال فوق عبد المجيد قائلاً: 

- أتسمح لي أن أرقص

نهره بقوله: لا... نحن في مستشفى

- إذن سأرقص غدا عندما يأتي إلى الخيمة

فرد عبد المجيد بلهجة المفكر لهذه الألفاظ:

- لن يذهب إلى المعسكر 

توقف كمال معتدلاً مقطبًا. وقال صبحي:

- يجب أن نحتفل به.. ونغني له. 

على فكرة.. يوجد طالب يقلد المطرب الجديد عبد الحليم حافظ.. يا لها من مناسبة عظيمة.. وأنت أيضًا تأتي يا عبد المجيد لتحتفل معنا.. 

فساءته دعوة الرقص والغناء مرة أخرى فأجاب: 

- لا أنا ولا صادق.

فاندفع كمال يقول غاضبًا:

- يظهر إننا فعلاً في عصر الدكتاتورية!

 والتفت ينظر حوله خوفًا من جدران المستشفى أن تكون لها آذان كما يقولون. وضج ضاحكًا معهم على منظره المثير للرثاء. واقترب هامسًا:

- أنا أموت بالسكتة لو اعتقلت من قبل زبانية الحكم

قال عبد المجيد:

- دعك من هذا.. الحكاية هي أن عمتي وجهت الدعوة إلى صادق لزيارتها في أول يوم يخرج فيه.. وللعلم فإني لم أخبر صادقًا للآن.. لأني أردت أن أجعلها له مفاجأة.

قال صادق بسعادة حقيقية:

- لا أستطيع أن أرفض الدعوة.. خدمتني كأنها أمي.. ولم أرها من قبل.. ومن المفروض أن أذهب لأشكرها.. أما أنتما.. فسأذهب إليكما آخر النهار.. ونحتفل.. ولا تغضب يا كمال.. ولا أنت يا صبحي.. ولكن.. بلا غناء.. لا أحب الطرب الذي ينسينا أنفسنا ويغضب الله جل وعلا.. والحمد لله على الشفاء.

البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 4

583

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2101

958

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!