العنوان قصة استقلال عفار وعيسى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1977
مشاهدات 120
نشر في العدد 358
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-يوليو-1977
آلام المخاض في جيبوتي قد تكون شديدة فوق العادة
الوليد الجديد يتيم على مائدة اللئام
- تم الإعلان يوم الإثنين من الأسبوع الماضي عن استقلال جيبوتي، وقد توالت بعدها اعترافات عربية ودولية بهذه الدولة الجديدة ومن المقرر أن تنضم إلى مجموعة الدول العربية.
وقد جاء استقلال هذه البلاد التي تتمتع بموقع استراتيجي هام جدًّا فيما يسمى «القرن الأفريقي» حيث تتلبد السماء بغيوم دولية كثيفة قد تنفجر يومًا فتؤدي إلى الطوفان...
مستعمرة فرنسية:
وقد دخلت هذه البلاد تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي بشكل رسمي في 21- 9- 1884 حيث استغل الفرنسيون المشايخ والرؤساء المحليين وعقد (لاجارد) معاهدة مع السلطان أحمد سلطان تاجورة فرضت بموجبها الحماية الفرنسية على المنطقة الواقعة ما بين «رأس علي» حتى «قبة الخراب» وتعهد الشيخ بعدم إبرام أي معاهدة أو اتفاقية مع دولة أجنبية بغير موافقة قائد «أبوخ» الفرنسي تقدم فرنسا بالمقابل مائة ريال للسلطان شهريًّا وثمانين ريالًا لوزيره...!
وبعد مفاوضات مع بريطانيا تم الاتفاق على سيطرة فرنسا وفرض حمايتها على ما أسمته فيما بعد مقاطعة (عفر وعيسى) وأعلنت جيبوتي عاصمة لها وقد ظلت تسمى بالصومال الفرنسي.
والجدير بالذكر أن الصراع الاستعماري وخاصة بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كان محتدمًا في حوض البحر الأحمر وخاصة عند مضيق باب المندب وذلك طمعًا في تأمين طرق الملاحة والتجارة لهذه الدول الاستعمارية ومحطات للتزود بالوقود والصيانة وإقامة الحاميات العسكرية.
وعلى أية حال فإن الاستعمار الفرنسي في عفر وعيسى لم يكتب له الاستقرار أو الهدوء، فضلًا عن الانتفاضات العفوية والاحتجاجات المستمرة من قبل المواطنين فقد بدأ النشاط السياسي يجد طريقه إلى البلاد. عبر عن نفسه خاصة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال ممارسة العمل النقابي. وقد برز في تلك الفترة محمود حربي الذي ترأس أول تنظیم نقابي للعاملين بميناء جيبوتي، وفيما بعد ترأس حزب الاتحاد الديمقراطي وأصبح ثانيًا لرئيس مجلس الحكومة في يوليو ١٩٥٧. وقد استطاع أن يستقطب جميع فئات الشعب وخاصة قبائل- عفر وعيسى- التي كانت بينها خلافات وثارات كما هي الحال في البناء القبلي.
وقد كان للعاطفة الدينية والعلماء المسلمين فضل كبير ودور هام في تأليب الناس ضد المستعمر. وكمحاولة لتطويق حركة الاستقلال عرضت حكومة ديغول الاستقلال على جيبوتي عام ١٩٥٨ كما عرضه على المستعمرات الفرنسية الأخرى.
استفتاء عام ١٩٥٨
وقد طرح هذا العرض بالشكل التالي: إما قبول الوجود الفرنسي في ظل التعاون والمساعدة الفرنسية أو رفض ذلك بالتصويت للاستقلال مع مواجهة القطيعة الفرنسية. وفرنسا التي كانت تعلم أن نتيجة الاستفتاء ستكون في صالحها.
وهذا ما حصل بالفعل، فعلى الرغم من تجاوب المواطنين وتصويتهم على الاستقلال إلا أن النتيجة كانت لصالح الوجود الفرنسي. وقد شعر الأهالي- بطبخة- الاستفتاء فاجتمع المجلس المحلي لجيبوتي في ٢- ١٠- ١٩٥٨ في جو مشحون بالتوتر والقلق والغضب ولم تجد الضغوط الفرنسية في تشويه الحقيقة، وقرر المجلس إعادة الثقة في نائب رئيس الحكومة محمود حربي لكي يواصل في إطار- الدستور الجديد- العمل من أجل استقلال البلاد..
ولم يرق الأمر للفرنسيين فأصدر الحاكم العام الفرنسي- موريس ستكير- مرسومًا بإقالة الوزراء الذين ظلوا على ولائهم الحربي، وافتعل كذلك حوادث شغب أصيب خلالها محمود حربي بجروح خطيرة واتهم وزيران آخران بمقاومة السلطة العامة. وفي ٢١- ١٠- 1958 أصدرت الحكومة الفرنسية مرسومًا بحل المجلس الإقليمي وأجبر حربي على مغادرة البلاد وتولى عام ١٩٦١ في ظروف غامضة.
استفتاء ۱۹۷۷
ومع انحسار موجة الاستعمار من جهة وتكلفته على فرنسا فقد أخذت تلين في استجابتها لمطالب الأهالي في الاستقلال.. وبعد تعاقب عده حكومات محلية تحت إشراف فرنسي تم التوصل إلى إجراء استفتاء على الاستقلال. وقد جرى هذا الاستفتاء بالفعل يوم ٨- ٥ ١٩٧٧ في ظل إجراءات احترازية استثنائية اختارت جيبوتي بموجبه الاستقلال وانتخبت في الوقت ذاته أول جمعية استشارية تأسيسية في البلاد. وقد لعبت- العصبة الشعبية الأفريقية للاستقلال- برئاسة حسن غولاد في استنهاض همم المواطنين للتصويت على الاستقلال الذي تم الانتقال إليه حسب الاتفاق يوم ٢٧- ٦- ۱۹۷۷
بالرغم من الاستعمار احتفظ الشعب بسماته الأصلية وعقيدته الإسلامية.
ويبلغ عدد سكان جيبوتي حوالي ٢٦٠ ألف نسمة، تشكل قبائل العيسي وهم من أصل صومالي غالبية السكان، تليها قبائل العفر وهم من أصول أثيوبية، يتركز معظمهم في العاصمة جيبوتي حيث يبلغ عدد سكانها من العيسي- -۱۱۰- آلاف نسمة ومن العفر-٥٠- ألف نسمة
وبالرغم من أن الاستعمار الفرنسي اتسم بتركيزه على صبغ مستعمراته بالثقافة والعادات والتقاليد الفرنسية إلا أن أهالي جیبوتي احتفظوا بشخصيتهم. القومية وهم ينحدرون من أصل عربي ويدینون بالإسلام وقد حافظوا على سمتهم العربية وعقيدتهم الإسلامية. إلا أن وضعهم الحالي لا يحسدون عليه أبدًا فقد استغل الاستعمار الفرنسي إثارة النعرات القبلية بين العيس والعفر، كما أنه أبقى الشعب في الجهل والفقر. وتشير الإحصاءات مثلًا إلى أن رصيد جيبوتي من الكوادر هما طبيبان اثنان!! و-٥٠- طالب بكالوريا.
موقع استراتيجي هام، ولكنه يثير المخاوف
وتبلغ مساحة جيبوتي ٢٣ ألف كيلو متر مربع ؛90 بالمائة منها صحراء، ولكن تأتي أهميتها من موقعها الاستراتيجي فهي شريط ساحلي بعرض ۲۰ كيلو متر على البحر الأحمر عند مضيق باب المندب وتأتي أهميتها الاستراتيجية من عدة أمور:
- كونها تقع على مضيق باب المندب الذي يمكن أن يتحكم بحركة التجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
- كونها ميناء بحريا هاما وهي المنفذ البحري الوحيد لتصريف تجارة أثيوبيا.
- من المحتمل أن يتم اكتشاف بعض المعادن النفيسة في أراضيها كما أشارت إلى ذلك بعض الدراسات الأمريكية.
وبعد، فان الموقع الاستراتيجي الهام لهذه البلاد مع صغر مساحتها من جهة، وسوء أحوالها الاقتصادية من جهة ثانية، لا يثير شهية الجيران فحسب، بل يثير مطامع الدول الكبرى وخاصة أمريكا وروسيا.
فالمعروف أن الصراع الأمريكي الروسي في أفريقيا قد بدأ في وقت مبكر، ولكنه برز أكثر منذ تولى الحزب الديمقراطي بقيادة كارتر الحكم في الولايات المتحدة أوائل هذا العام. والمعروف إن كلا البلدين أي روسيا وأمريكا لها علاقات مع دول معينة من البلدان الواقعة في حوض البحر الأحمر والمحيط الهندي وتتم اللعبة الدولية عن طريق أحجار الشطرنج المزروعة في هذه الدول.
والحقيقة أن هذا الموضوع هام وخطير، ولكنه يحتاج إلى معالجة أخرى لنا لها عود- إن شاء الله في غير هذا العدد.
وهكذا فإن آلام مخاض هذا الوليد الجديد قد تكون شديدة فوق العادة خاصة إذا اشتعل برميل البارود في القرن الأفريقي.
يتيم على مائدة اللئام؛ فهل من معين!
والمهم أن دولة جيبوتي الجديدة التي ينحدر شعبها من جذور عربية ويدينون بالإسلام تواجه كما أسلفنا بسبب وضعها الخاص وموقعها الجغرافي الاستراتيجي تواجه موقفًا حرجًا من أحسن ما يقال فيه: إنها يتيم على مائدة اللئام.
إن هذا اليتيم ينظر بعين الأمل إلى أهل المروءة من أبناء جلدته ودينه علهم يمدون إليه يد العون؛ فهل يفعلون؟ ... وإذا فعلوا فهل يخلصون النية؟! أم ينتظرون إشارات من هنا أو هناك!!
يتبع..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل