العنوان قراءة في نظرية الأدب الإسلامي «1» المصطلح
الكاتب الأستاذ الأديب الداعية د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1985
مشاهدات 67
نشر في العدد 705
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 19-فبراير-1985
لعل أبسط تعريف للأدب الإسلامي أن نقول عنه: هو الأدب الذي يعالج قضية ما من وجهة نظر إسلامية.
وكل كلمة من هذا التعريف توضح جانبًا منه وتشير إلى إحدى مميزاته، فالأدب الإسلامي لا يخرج عن مواصفات الأدب «الفنية». وأعني بذلك أن النص الأدبي لا يدخل تحت مظلة «الأدب الإسلامي» إلا بعد أن تكتمل فيه الشروط الفنية المتعارف عليها، فإن كان شِعرًا فلا بد أن يحوي صفات القصيدة التي يجمع عليها النقد، وإن كان قصة فلا بد أن تكتمل فيه شروط القصة من حيث البنية والأحداث ونمو الشخصيات.. الخ، وان كان مسرحية فلا بد أن تكتمل فيه خصائص المسرحية من حيث الحوار وتطور الحدث وتفاعل الشخصيات.. الخ.
وإذا فقد النص الأدبي خصائصه الفنية أو ضعفت فيه، فإن الأدب الإسلامي يرفضه أو يحكم عليه بقدر ضعفها فيه، ولا يشفع له أن يكون موضوعه من أعمق قضايا الدعوة الإسلامية كالهجرة أو الجهاد أو معاناة المسلمين المعاصرة.. الخ، ففي هذه الحالة نعده فكرًا إسلاميًا أو تاريخًا إسلاميًا، ونحتفي به، ولكننا لا نعده أدبًا إسلاميًا، لأن للأدب شروطًا فنية لا بد أن تتحقق في النص.
ولا أجد في الدراسات التي صدرت عن الأدب الإسلامي حتى الآن أي خلاف حول مفهوم «الأدب»، ولا تميزًا عن مفهومه لدى النقاد عامة، بل أجد إتفاقًا كبيرًا يدل عليه تعريف المرحوم سيد قطب -وهو أحد رواد الأدب الإسلامي الحديث- للأدب بأنه «التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية».
إذن ففيم يتميز الأدب الإسلامي عما سواه؟؟ ولِمَ أختص بهذا المصطلح؟؟
إن العامل الحاسم في تميز الأدب الإسلامي عما سواه هو «وجهة النظر الإسلامية» حيث ينقل النص فكرة أو قضية أو مشاعر يوجه إليها الإسلام، أو يقرها على أقل تقدير، وهذا العامل هو الذي يوضح مفهوم الأدب الإسلامي، وهو الذي يرسم - أيضًا- الحدود التي يتجول خلالها، والموضوعات التي يعالجها.
ومن المؤكد أن تلك الحدود واسعة جدًا، وأن هذه الموضوعات لا تحصى لأن «وجهة النظر الإسلامية» وبالمصطلح الشرعي «حُكم الإسلام» واسع جدًا ينبع من شمولية الإسلام وإستيعابه لجوانب الحياة كلها، إنطلاقًا من دلالة الآية الكريمة ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162) فما من شيء في الحياة إلا وللإسلام فيه حكم من حلال أو حرام أو مباح، وإرتباط الأدب الإسلامي بوجهة النظر الإسلامية يفتح الأبواب لتدخل فيه أية قضية من قضايا الحياة والكون والإنسان.
فقضايا الدعوة إلى الله، والحديث عن الإسلام وبث قيمه ومفهوماته، بالوسائل التي يعتمدها الأدب، مادة من مواد الأدب الإسلامي.
وأحداث التاريخ الإسلامي وبطولاته ورجاله عادة من مواده أيضًا، ومشكلات الفرد المسلم المعاصر ومعاناته وصراعاته الداخلية والخارجية جزء منها أيضًا.
ومشكلات الضعف والتعرق والصراعات في المجتمعات الإسلامية المعاصرة وتطلعاتها إلى القوة والرفعة بعض من مواده أيضًا..
وليست هذه -على إتساعها وضخامتها- منتهى حدوده.. فما زالت آفاته تتسع المزيد والمزيد، وأرجو ألا يندهش أحد إذا قلت: أن قضايا العاطفة والعلاقة بين الرجل والمرأة وقضايا الإغتراب والحرية والمسؤولية والصراع الطبقي ومشكلات العُمال والفلاحين والطلاب.. يمكن أن تكون من موضوعات الأدب الإسلامي.. بل وقضايا الشذوذ والإنحراف والعُقد النفسية وكل ما يخطر في البال من أمور هابطة أو سامية.. يمكن أن تكون من موضوعات الأدب الإسلامي، فالأديب المُسلم يستطيع أن يعالج -بل ومطلوب منه أن يعالج- الجوانب القاتمة في الفرد والمجتمع، وأن يعرض تفسخها وهبوطها ونتائجها الفظيعة، وله أن يصورها أدق تصوير وأصدقه، وأن يملأ نفوسنا بالمشاعر الحقيقية التي تنتاب النفس السوية كلما نظرت إلى ذلك التفسخ والضياع...
وطبيعي أن التزام الأديب الإسلامي بوجهة النظر الإسلامية ستجعله «إسلاميًا» في عرضه ومعالجاته، فلا يخدش القيم الإسلامية، ولا يثير مشاعر لا يرضى عنها الإسلام، ولا يصور مواقف الهبوط والعلاقات الجنسية المحرمة على أنها مواقف مُتعة أو لحظات بطولة، ولا يسوغمها ولا يصفها ذلك الوصف الذي يثير الغرائز، أو يجعلها لذيذة مشوقة، فكثيرًا ما يقع الأدباء من تجاهات أخرى في هذا المنزلق، إذ يسعون إلى الكشف عن «الواقع السيئ» كي يدينوه، ويطيلون الوقفة عنه لحظات الهبوط أو العلاقات الجنسية، أو يصفونها وصفًا مشوقًا ومغريًا، فتتحول صورتها عندهم إلى مواقف بطولة ولحظات إنتصار. تضيع قسطًا وافرًا من أهدافهم الأصلية.
لذلك يحرص الأدب الإسلامي على أن تكون المعالجة مرتبطة بوجهة النظر الإسلامية وضمن الإطار الإسلامي العام، فالأهداف السامية لا يمكن أن تكون الوسيلة إليها غير سامية، والغاية لا تبرر الواسطة.
نخلص إلى القول إلى أنه ليس للأدب الإسلامي موضوع محدد. و يخطئ من يحصره في قضايا الدعوة الإسلامية، فهذه أول ميادينه.. وأما آخرها فتمتد لتشمل كل ما يستوعبه التصور الإسلامي من قضايا الكون والحياة والإنسان.
ولا شك أن هذه الشمولية تقتضي شمولية مشابهة في التعامل مع الأجناس الأدبية التي يحملها مصطلح «الأدب» أي الشِعر بأنواعه: الملحمي والقصصي والغناي.... والنثر: بما فيه من قصة ورواية ومسرحية وتمثيلية مرئية ومسموعة ومقالة وسيرة.. الخ. فما الأجناس إلا قوالب فنية يصب فيها الأديب الإسلامي تجربته، ويختار منها ما يملك أدواته ببراعة، وما يناسب ميوله وموهبته، ويطومها لتجربته الشعورية، وقد يطور الجنس الذي يتعامل معه، وبخاصة إذا كان في بنيته مالًا يتناسب مع القيم الإسلامية، فيلغي العناصر المرفوضة، وقد يحل محلها عناصر أخرى مناسبة، ويضفي على أدواته روحًا إسلامية عامة تفرضها بدهية أولية في الأدب والنقد هي:
تلاحم الشكل والمضمون في العمل الأدبي، وتأثير كل منهما في الآخر.
لذلك لا يرفض الأدب الإسلامي أي جنس أدبي، ولا ينحصر في واحد منها، بل يتجول خلالها كلها، ويعدل ما يرى ضرورة تعديله ليكون موائمًا «لوجهة النظر الإسلامية».
وثمة نقطة أخرى في مفهوم الأدب أحب أن أوضحها بجلاء، هي: العالمية، أي تجاوز حدود المكان واللغات والجنسيات والقوميات.
وقد تكون هذه النقطة شائكة أو غامضة عند بعض الدارسين ولكنها حقيقة من حقائق الأدب الإسلامي وإحدى عناصره الأساسية ما دام في الأرض شعوب إسلامية تبدع أدابًا مغموسة بالقيم الإسلامية.
صحيح أن الأدب العربي هو الميدان الأول والأكبر للأدب الإسلامي، لأن لغة القرآن عربية، ولأنه أيضًا الحضن الأول لهذا الأدب. والحلم الكبير الدعاة المسلمين أن تكون العربية لغة المسلمين كافة والأدب العربي أدبهم الوحيد، ولكن.. وعلى أعتاب الحلم، هناك واقع لا بد أن نعايشه و ننطلق منه، فثمانية أعشار المسلمين اليوم يتكلمون لغات كثيرة شتى، ويبدعون أعمالًا أدبية تصدر من تصورات إسلامية، وتحمل قضايا إسلامية مختلفة، وقد يكون بعضها نموذجًا لقضايا المسلمين في مجتمعات أخرى، وهذه الأعمال الأدبية جزء من الأدب الإسلامي، والجناح الإنساني العالمي فيه، فقصائد محمد إقبال بالفارسية والأوردية جزء من الأدب الإسلامي، وشِعر محمد عاكف ونجيب فاضل وسيزائي قركوج بالتركية جزء من الأدب الإسلامي وقصص شعبان روبرت بالسواحلية جزء من الأدب الإسلامي، وأمثال هذه الأعمال الأدبية الإسلامية العظيمة سطور في كتاب الأدب الإسلامي في هذا العصر وفي كل عصر.
ولئن نجح الدارسون والنقاد الاشتراكيون في إبراز عالمية الأدب الاشتراكي ووحدة الأعمال الأدبية التي ينتجها أدباء إشتراكيون في روسيا وفرنسا والبرازيل والعراق.. الخ بسبب وحدة «الإيديولوجية» التي يصدرون عنها، فحري بالدارسين والنقاد المسلمين أن يظهروا وحدة الأعمال الأدبية التي ينتجها أدباء إسلاميون تجمعهم وحدة التصورات ووحدة المعاناة ووحدة التطلعات.
ولا شك أن الدراسات الضخمة التي أخرجها الدارسون والنقاد الاشتراكيون في أنحاء العالم استطاعت أن تثبت هذا المفهوم، وأن دراسات الدارسين والنقاد المسلمين لم تقطع -حتى الآن- شوطًا يُذكر في هذا الميدان، فنحن في البلاد العربية لا نكاد نعرف شيئًا عن الأدباء الإسلاميين في الشعوب الإسلامية الأخرى. وإخواننا في البلاد الإسلامية المتنائية لا يعرفون عنا إلا القليل.. ومن المحزن أن نجد الدراسات الإنجليزية لأديب مسلم کمحمد إقبال تفوق أضعافًا مضاعفة الدراسات العربية أو المترجمة عنه، ناهيك عن بقية الأدباء الإسلاميين المتألقين في بلادهم.
والأمل كبير في أن يسد دعاة الأدب الإسلامي هذه الثغرة مستقبلًا.
وبعد، فذلك تعريف الأدب الإسلامي والمفهومات التي يتضمنها، فماذا عن واقع الساحة الأدبية المعاصرة؟ وما مدى إنطباق هذه المفهومات على الأدب المعاصر أو بعضه؟
لا شك أن ساحاتنا الأدبية اليوم تغص بتيارات متفاوتة ومتضاربة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الأدب العربي كله، تمتد من أقصى اليمين -الفكري والسياسي- إلى أقصى اليسار، وتشمل ألوانًا كثيرة منها «الأدب الاسلامي» الذي نهتم به.
فعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة التي يواجهها الأدباء الإسلاميون في عدد من البلاد. فإنهم قد أوصلوا إلى الساحة الأدبية عشرات الدواوين والقصص والروايات وعددًا من المسرحيات وكتب التراجم والسير والمقالات... الخ. ولكي نتصور حجم هذا الإنتاج وقيمته ننظر في الشاهدين التاليين:
● الأول: هو العمل الرائد الذي قام به الأستاذان الفاضلان: أحمد الجدع وحسني أدهم جرار، وأقصد به كتابهما «شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث» فقد رصدا الشعراء الملتزمين بالإسلام فكرًا وسلوكًا وإبداعًا في بعض البلاد العربية، وتتبعا إنتاجهم وساقا نماذج من أشعارهم -وهي من صُلب الأدب الإسلامي ولا شك- وقد أصدرا حتى الآن ثمانية أجزاء بلغ عدد الشعراء فيها أكثر من خمسين شاعرًا، لكل منهم عدد من الدواوين المنشورة، وما زال في جعبتهما -كما علمت من الأستاذ أحمد الجدع- سبعة أجزاء أخرى نترقبها بشوق بالغ.
فإن كان هذا العطاء الوفير موجودًا في عدد من البلاد العربية، فكيف إذا نظرنا في البلاد العربية جميعها؟ بل البلاد الإسلامية الأخرى؟؟
● والشاهد الثاني: أخذ من العمل الرائد الذي أصدره المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فقد نشر هذا المعهد دليلًا لمكتبة الأسرة المسلمة. وكان مما تتبعه الباحثون القصص والروايات وقصص الأطفال الإسلامية والمسرحيات، وقد تجمعت لديهم قائمة طويلة بأسمائها، ولكنهم -التزامًا بحجم الإصدار الأول ومراعاة لأبوابه الكثيرة- اقتصروا على عدد محدود منها رغم أن الباحثين لم يملكوا الوقت والوسائل المعينة لتغطية الإنتاج المنشور.
وهنا أتساءل: ماذا لو تعاضدت السواعد وتكاملت الجهود؟ ماذا لو قام أفراد في كل قُطر عربي وإسلامي -وأهل مكة أدرى بشعابها- أو لجان متخصصة بجهود مخلصة في جمع الإنتاج الأدبي الإسلامي في الشِعر والقصة والرواية والمسرحية... الخ، وكم ستكون حصيلتهم؟
أعتقد أن القارئ سيتصور القدر الوفير الذي يخرج به البحث الجاد المجتهد، ولعل الله يقيض لهذا الإبداع يدًا شقيقة ومجاهدة تجمعه، وتفهرس معه الإنتاج الذي ينشر كل يوم في المجلات الإسلامية، ولعله سبحانه يقيض الفرصة أيضًا لذلك الإبداع الذي تحاصره ظروف قاهرة في بعض البلاد فيجد طريقه إلى النور.
ولا حاجة للحديث عن المسؤولية وتقصير الدارسين، فهو موجع وجزء من هموم واقعنا الإسلامي، فالأدب الإسلامي متناثر هنا وهناك. والنقد غائب عنه جهلًا أو تجاهلًا، اللهم إلا طائفة قليلة من الرواد ندعو الله لهم، ونسأله أن تثمر ريادتهم جيلًا من الدارسين المنتجين.
د. عبد الباسط بدر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل