; قراءة في كتاب: طريق مصر إلى القدس | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في كتاب: طريق مصر إلى القدس

الكاتب مصطفي عطية

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1315

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

  • لماذا واظب بطرس غالي وموسى صبري جرجس وجيهان السادات على تحريض السادات على الإخوان ؟!

ربما يأخذنا العجب، حين نقرأ الإهداء، في مطلع صفحات الكتاب والذي وجهه الكاتب د بطرس بطرس غالي إلى جده بطرس غالي باشا، ومنبع عجبنا نغمة الفخر بهذا الجد، وأنه ألهم الحفيد إخلاصاً إلى مصر، جعله لا يلتفت إلى الوراء، وقد عرفنا منذ الصغر، أن الجد بطرس باشا غالي، كان وراء اتفاقية السودان في أواخر القرن التاسع عشر، والتي أطلقت يد الإنجليز في شؤون السودان، وكانت البداية لعزل جنوب الوادي عن شماله، والتي انتهت إلى الانفصال التام بعد ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م. ويزول العجب تدريجياً، ونحن نغوص في ثنايا الأسطر، حيث نستكشف «المهندس الأكاديمي لاتفاقيات كامب ديفيد وافتخاره الدائم - عبر إشارات عديدة - بأسرته وأعمامه الذين تولوا مناصب قيادية عدة قبل الثورة، وكان هو - د. بطرس الحفيد - الوحيد الذي تولى منصباً وزارياً بعد قيام الثورة، بما يزيد على ربع قرن، وهو المنصب نفسه الذي شغله الجد في أواخر القرن الماضي، منصب وزير الخارجية... ومرة أخرى، لا زلنا في المطلع، حيث الغلاف الذي حمل صورة المؤلف متأملاً، ثم العنوان طريق مصر إلى القدس والذي يبدو لأول وهلة مطاطاً، لأنه يحمل في طياته وسائل :

 الحرب والتسوية، إلا أن الكاتب يؤطر عنوانه ويحدده بعبارة صغرى أسفله: «قصة الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط، ويكد ذهن القارئ طيلة الصفحات بحثاً عن مساعي المفاوض المصري للوصول إلى القدس، فلا تتلمس سوى اللهاث وراء عودة الأرض المصرية المحتلة «سيناء»، ومحاولة إعادة بعض أشكال السيادة إلى قطاع غزة والضفة الغربية، بغض النظر عن الجهة السياسية التي ستشرف عليها، لذا، فإن العنوان يفقد مصداقيته، وبخاصة مع الإشارات الساخرة التي ساقها المؤلف حول شخصية حسن التهامي أحد مستشاري السادات والذي بدت سماته أقرب للصوفيين الوالهين الغائصين في الرؤى والأحلام، والتي كانت بعضها تتوافق مع هوى السادات، وكأن صاحبها يأتيه نوع من الإلهام السماوي، هذا الرجل . التهامي - هو الوحيد بين مفاوضي مصر، الذي كان حريصاً على الإشارة إلى القدس، وراح يتيه فخراً حين جاءت إشارات عن حيادية المدينة وحق الأديان الثلاثة فيها، إشارات في مسودة الاتفاقية سرعان ما تلاشت عند تبييضها (۱)

يقترب الكتاب - في طريقة سرده وبنائه - من المذكرات واليوميات وهذا ما جعله مفيداً كثيراً للباحث الذي يروم الوقوف على كيفية صناعة القرار السياسي إبان تلك الفترة، لأنه يروي ما يدور في كواليس القصور وغرف الاجتماعات ويقف على السمات الشخصية لكل من وقف وراء كامب ديفيد، ناهيك عن استعراض ملامح عن حكام إفريقيا الذين التقاهم الكاتب، وحتى نقف على أسباب حالة التخلف والجوع والاستبداد

التي ما زالت القارة السمراء غارقة فيها.

الوزارة .. مفاجأة:

وتبدأ هذه المذكرات، باستعراض مفاجأة الكاتب الأستاذ الأكاديمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وصاحب المؤلفات العديدة في القانون الدولي وعلم السياسة - كما يحدثنا (۲) - يفاجأ بخبر تعيينه وزير دولة - أي وزير بلا حقيبة - للشؤون الخارجية دون تحليل لأسباب اختياره ولا للعوامل التي تداخلت لترشيحه لهذا المنصب الذي استحدث خصيصاً له، في وزارة ممدوح سالم آنذاك، فكان بلا غرفة أو سلطة في البدء يخضع لتعليمات وزير الخارجية آنذاك إسماعيل فهمي، الذي سرعان ما استقال احتجاجاً على زيارة السادات للقدس، ليقوم مقامه الكاتب، وظل مكانه يخطط لعملية المفاوضات وترتيب اللقاءات مع الجانب الصهيوني، حتى عين السفير محمد إبراهيم كامل، وزيراً للخارجية، والذي لم يزر أي دولة عربية أو إفريقية من قبل (۳) وقد أدى دوراً كبيراً في المفاوضات، إلا أنه كان كثير الاحتجاج والغضب على تعنت اليهود وصلفهم وجدالهم. فلم يحتمل هذا، واعترض على كثير من بنود الاتفاقية، عندما تجمع المفاوضون من الجانبين في كامب ديفيد، وقبل انتهاء المفاوضات، كان قد قدم استقالته للسادات، وعاد إلى مصر أصدر فيما بعد كتاباً بعنوان «كامب ديفيد التي لا يعرفها أحد»، ثم تولى د. بطرس غالي المسؤولية. دون أن يحمل لقب وزير الخارجية، وظل فيه حتى تم توقيع المعاهدة عام ١٩٧٩م.

وإذا كان الوزراء السابقون قد أبدوا كثيراً من الاحتجاج على بنود المعاهدة، فإننا لم نجد في صفحات الكتاب أي تحفظ من الكاتب على هذه البنود، وكان دوره كدبلوماسي هو تيسير المفاوضات، وإزالة العراقيل والتوفيق بين المتخاصمين، وإيجاد مخارج حين تصل الأمور لطريق مسدود، فلم نلمس أي تحرك من جانبه للدفاع عن حقوق مصر، حينما كانت تنازلات القيادة السياسية بالجملة، وهو يبدي كثيراً من الملاحظات حول طريقة تفكير السادات، وعدم اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، فقد كان همه الأكبر عودة سيناء مهما كان الثمن المدفوع عربياً وسيادياً (٤).

 حتى إشارته إلى عدم رغبته في مصاحبة مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل عند زيارته لمصر، كانت تنبع من موقف شخصي إزاء هذا الرجل، وإلى غروره وتعاليه في المفاوضات، وقد تحول هذا العداء الشخصي إلى إعجاب متبادل ثم صداقة بينهما، وكان بيجين دائم الابتسامة والدعابة معه طيلة الزيارة (٥).

فرنسي .. حتى النخاع:

وعبر ثنايا الأسطر، نقف لنتعرف على بعض ميول الكاتب هذا الرجل الذي يتيه فخراً بأسرته، وبأعمامه، وبجده والمناصب التي تولوها من قبل، ويستعرض جوانب من أرستقراطيته في طفولته وشبابه، ويبدي إعجاباً كبيراً بالثقافة والحياة الأوروبية عامة والفرنسية بخاصة، فحين يسأله والده أيهما تفضل أن يكون مقرنا الثاني . بعد القاهرة - في الإسكندرية أم في أوروبا، كان يرد بسرعة أوروبا (٦)

وهو الرجل الذي نال الدكتوراه من فرنسا وكانت الفرنسية لغته ربما قبل العربية، وقد أبدى الكثير من المباهاة لكونه دبلوماسياً مصرياً نادراً يعرف الفرنسية، وهذا ما جعله يتفاهم ويتعمق مع قيادات ورؤساء إفريقيا الذين كانت ثقافتهم في أغلبها فرنسية، ويشير كثيراً بإعجاب إلى الرئيس السنغالي السابق «سنجور» وبثقافته الفرنسية المتعمقة (۷)، فلا عجب أن يكون د. بطرس غالي هو الأمين العام لمنظمة الفرانكفونية في العالم بعد ذلك، وأن يسعى أثناء توليه الوزارة، في الثمانينيات إلى تأسيس الجامعة الإفريقية الدولية بمبناها المدبب، على شاطئ المتوسط، وأن يجعل الدراسة فيها بالفرنسية ويطلق عليها جامعة سنجور ، وقد استمر د. بطرس غالي يولي اهتماماً كبيراً بإفريقيا طيلة وجوده في وزارة الشؤون الخارجية، وكأنه كان مختصاً في التعامل مع حكام القارة السوداء. بحكم الثقافة والتربية الفرنسية المشتركة بينهم (۸)، لقد شكل الرمز المعبر للثقافة الفرنسية في الحكمة المصرية، والحرص على تدعيم الفرانكفونية، وتعميق توحد الأفارقة عليها .

رأيه في الأحزاب والجماعات:

وفي أثناء اجتراره لذكرياته، والمواقف التي صادفها في حياته، نجد كثيراً من رؤاه الشخصية حول الجماعات والأحزاب السياسية في مصر، وهو - عادة - يطرح رأيه، من خلال موقف جمعه بأحد قيادات أو مؤسس هذه الأحزاب، كما نرى في إشارته للسيد مصطفي كامل مراد - رحمه الله - الذي كان وزيراً ساداتياً، ثم خرج من الوزارة، ليؤسس حزباً ليبرالي النزعة.

يتهكم غالي حينما يعرض لموقف جمعه بمراد، وكان معه عدة شخصيات ووزراء ومصدر تهكمه أنه حزب بلا قاعدة، وبلا عدد وتم بمباركة ساداتية.. هنا نجد إدانة خفية لبعض الأحزاب السلطوية التي أنشئت من أجل ديمقراطية الديكور، ولكن ثمة ملاحظات حول قناعاته السياسية لبعض التجمعات السياسية وبخاصة الإخوان المسلمين»، وبداية لا بد من التسليم بأن الموافقة أو الاختلاف مع رأي تنظيم سیاسي بعينه أمر لا غبار عليه وفقاً لحق المعتقد والكلمة المكفول في حقوق الإنسان، وكاتبنا د. غالي - كان عضواً بإحدى جمعياتها الدولية.

فعندما يؤكد أن الطريق النهضوي لمصر ينبغي أن يكون وفقاً للخطوات الغربية، وأن يكون الغرب هو النموذج.. هذا مع اختلافنا معه - فهذا حقه الفكري الطبيعي، كما في قوله:

إن حلم الخديوي إسماعيل، حاكم مصر في وقت حفر قناة السويس بأن تصبح مصر جزءاً من أوروالغربي زال هو حلم المثقفين المصريين (!!!). رغم أنه كابوس بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين الأصولية التي ترى أن خلاص مصر هو في رفض الغرب والالتزام بالإسلام الأصولي الخالص... (۹).

فهو يعتز صراحة بالنموذج الغربي - وهذا طبيعي من مثله - ويرى أن تنسم خطوات الغرب الحضارية طريق نهضتنا، ولكننا نتحفظ على كون هذا حلماً للمثقفين المصريين - هكذا على العموم - لأن الكثير، إن لم يكن الأكثر من المثقفين، لم يجتمعوا على ذلك، وكونه يتهم الإخوان المسلمين بأنهم رافضون للغرب - على الإطلاق - فهو قول مطلق جرياً على عادة الكتاب العلمانيين الذين يسعون إلى إضفاء صفة التأخر والجمود على دعاة الصحوة الإسلامية، هكذا بعموميته ودون تدقيق، وهكذا ينجرف معهم أستاذ أكاديمي مثل الدكتور غالي، ولو عاد إلى أدبيات الإخوان لوجد أنهم يرفضون من الغرب وجهه الاستعماري وانحداره الخلقي وماديته البغيضة، ويقبلون منه منجزاته التقنية والحضارية، باعتبار أن العلم لا وطن له ولا هوية وكما استفاد الغرب من نهضتنا من قبل، يكون هذا من واجبنا الآن أيضاً كما أن مصطلح الأصولي الذي نعت به الإسلام. مصطلح غربي المنشأ، وغير دقيق من الناحية العملية. لأنه من صراعات العلمانيين الغربيين مع الكنيسة وأنصارها .

وفي حديثه مع الكاتب الصحفي موسى صبري نصراني، وكان رئيساً لتحرير جريدة الأخبار المصرية، واشتهر بكتابته لخطب الرئيس السادات، وبخاصة خطابه الشهير، عندما زار القدس عام ۱۹۷۷م في هذا الحديث ينعت د. بطرس غالي الإخوان بأنهم متطرفون، وهم الأعداء الحقيقيون لأي حكومة قبل الثورة أو بعدها، ويقول: إبان عهد الملك فاروق، أقدم المتطرفون الدينيون على اغتيال أحمد ماهر رئيس الوزراء، ثم قتلوا محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء الذي أعقبه، وعندئذ قررت حكومة فاروق توجيه ضربة قاصمة للإخوان، وتعرض مرشدهم للاغتيال.. وعمد عبد الناصر إلى حظر كافة الأحزاب السياسية فيما عدا الإخوان، أملاً في تأييد الإخوان له، ولكنهم حاولوا بعد ذلك قتله، وعندما قام بقمع الإخوان بقسوة، تحولوا إلى تنظيم سري، وارتكب السادات الخطأ نفسه. وقد عمدوا فيما بعد إلى اختراق الفئات المهنية مثل الصيادلة والمحامين والمهندسين والأطباء.... (۱۰).

يتبنى كاتبنا هنا التحليل الأمني المعتاد، في تبرير ضرب الإخوان، رغم ظهور الكثير من الردود القوية على هذه المزاعم والأكاذيب على كل ما ساقه، وهناك أدلة كثيرة توافرت كما في واقعة حادثة المنشية»، فقد كانت تمثيلية هزلية، لتسويغ ضرب الجماعة بأكملها، وحتى لو فرض جدلاً أن هناك من حاول اغتيال عبد الناصر، فإنه لا يكون مبرراً للضرب والتعذيب البشع، لعشرات الآلاف من الإخوان، ومذابح إبراهيم عبد الهادي قبل الثورة، ومذابح عبد الناصر بعد الثورة، لا تغيب عن رجل أكاديمي، كان عضواً في منظمات حقوق الإنسان، ثم أميناً عاماً للأمم المتحدة وميثاقها يشتمل على حق الإنسان في الكلمة والمعتقد، إنه بهذا يؤيد ما يحدث من تعذيب ويسوغه ويبرره.. وهو الذي سعى في مختلف جنبات الكتاب إلى انتقاد النظم الشمولية، ثم يرى أن دخول أفراد من الإخوان للنقابات المهنية وكان هذا في الثمانينيات، وأوائل التسعينيات يرى أن هذا جريمة لا تغتفر ما دام هؤلاء من الإخوان، رغم أنه تم عبر صناديق الانتخابات ووفقاً للعبة الديمقراطية، بشهادة الجميع. وفي مكان آخر في الكتاب، يورد نصاً لحوار آخر مع موسى صبري، يظهر فيه بوضوح مدى سعيه لاستعداء الحكومة وتحريض صانع القرار السياسي على ضرب الإخوان، دون غضاضة أو نكير... وسنورد الحوار على طوله.

يقول موسى صبري عن الإخوان ...... الرئيس السادات على وشك ارتكاب نفس الخطأ بسماحه - ليس فقط بعودتهم إلى الظهور وإنما . بممارسة نشاطهم.

فقال د. بطرس غالي له: إنك تراه كثيراً وتستطيع أن تتحدث معه بحرية، لماذا لا تتحدث معه عن هذا الخطر الحقيقي؟ قال موسى صبري: نعم إنه موضوع أثيره معه بانتظام وجيهان السادات تتفق معي، وهي تصر على ضرورة تجنب هذا الخطر، ويجيب السادات على نحو منتظم، بأننا نبالغ في تقدير أهميتهم، وبأنه لن يتردد في التدخل بقوة، إذا ما أصبح ذلك ضرورياً .... (۱۱).

هذا الحوار يوضح جلياً الروح والرؤية اللذين كان عليهما أحد صانعي القرار السياسي والمهندس الأكاديمي لكامب ديفيد، إنه يستعدي ضد الإخوان، وهذا ما لم يحدث منه تجاه أي حزب سیاسي آخر حتى الشيوعيين الذين كان يكرههم السادات بشدة، ولذا نجد د. بطرس يوافق على أحداث سبتمبر عام ۱۹۸۱م، والتي اعتقل فيها السادات جمهرة القيادات والشخصيات الإسلامية والمعارضة، وكان للتيار الإسلامي نصيب الأسد فيها، وكان هذا بتأييد من د. غالي، وبتحريض منه كما يشير في الكتاب بحجة الحفاظ على اتفاقات كامب ديفيد (۱۲).

الهوامش:

۱ - الكتاب ص ۱۳۸، ۱۳۹ وما بعدهما ۲ - الكتاب: ص ۱۳.۱۲.

٣ - الكتاب: ص ٤٨.

الكتاب: ص ٥٤ ص ٥٥.

ه الكتاب ص ۲۱۱، ۲۱۲ ۱ - الكتاب ص ٢٠٥.

الكتاب ص ۱۱۷.

الكتاب ص ۱۰۷.

الكتاب: ص ۹۷.

۱۰ - الكتاب ص ١٩٦.

۱۱ - الكتاب ص ۱۸۷ ۱۸۸ . 

۱۲- الكتاب ص ٣٥٠.

الرابط المختصر :