العنوان بدأت.. معركة تحرير سراييفو
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995
مشاهدات 86
نشر في العدد 1155
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-يونيو-1995
- جيش البوسنة ينتظر الإمدادات من المسلمين حتى يستكمل المعركة.
في الثالثة من صباح يوم الجمعة المبارك السادس من الشهر السادس لهذا العام.. استيقظت على أصوات انفجارات شديدة.. أتحسس طريقي بين الظلام الذي فرضته المليشيات الصربية على العاصمة سراييفو.. أبحث عن مرافقي الذي أدار المذياع بحثًا عن خبر يفسر لنا ما نسمعه... ترى هل بدأت عملية فك الحصار عن سراييفو؟ ولمَ لا؟ وهذه الأصوات أسمعها لأول مرة، إنها ليست انفجارات في المدينة كما تعودنا طيلة ثلاث سنوات من الحرب.. ها أنا لأول مرة أسمع أصوات المدافع المسلمة تنطلق بكثافة وشدة لتنهال على رؤوس المغتصبين.. كم هي حلوة أصوات المدافع.
كانت المدينة كلها ترتج على أصوات هدير القصف المسلم، واستيقظ الناس كلهم تداهمهم مشاعر متناقضة.. الخوف مما تحمله الأيام القادمة، والفرح لاقتراب يوم الفتح المبين. فالمعركة لا تتعدى عملية فك الحصار عن العاصمة.. بل إنها معركة كل البوسنة، والمسلمون في أوروبا أصبح لهم جيش يدافع عنهم ويحفظ حقوقهم ويغمد رماحه إذا ما أراد الآخرون السلام.
ومع تزايد حدة القصف تستحضرني كل الشخصيات التي يكرهها البوسنيون ربما أكثر مما يكرهون عدوهم.. بطرس غالي.. لورد أوين.. ياسوشي أكاشي.. وكل الوجوه البليدة التي تكره النور.
أخرج في الصباح.. الشوارع خلت من المارة، إلا من أولئك الذين يسارعون إلى بعض المحال العامة يشترون ما يمكن شراؤه.. فالأيام القادمة ستشهد جنونًا صربيًا بلا شك.. ورجال الشرطة يمرون على المحال العامة يحملون أمرًا حكوميًا بإغلاقها.. والمذياع يبث إلى الناس إرشاداته عن تجنب التجمعات واللجوء إلىالأدوار السفلى وتخزين المياه.
رائحة البارود تختلط ببشائر النصر.. وبيان باسم مكتب الرئيس يؤكد أن معركة الحرية قد بدأت.. وأن سراييفو على موعد مع الصبح...
الاستعدادات العسكرية
قبل عدة أسابيع من بدء المعركة كانت الاستعدادات تتخذ على قدم وساق، وأقصد الاستعدادات واللمسات الأخيرة، لكن العملية كان يخطط لها قبل شهور طويلة.
وتفيد التقديرات المتداولة أن حوالي ثلاثين ألف جندي مسلم قد حشدوا لهذه العملية، غير أن مصادر أخرى تؤكد أن الرقم أكبر من ذلك بكثير.
وتشارك في العملية بالإضافة إلى اللواء الأول المسئول عن منطقة سراييفو وحدات من كل لواءات الجيش باعتبار أن المعركة هي معركة البوسنة كلها، وتشارك فيها القوات الخاصة الإسلامية التابعة للجيش وكذلك يشارك المجاهدون المسلمون المتطوعون من أنحاء العالم.
وخلافًا لكل التوقعات فإن البوسنيين بدئوا معركتهم على كل المحاور الفاصلة بينهم وبين الصرب حول سراييفو كلها. وليس عند بلدة فيسوكو كما كان يعتقد سعيًا لفتح الطريق الرئيسي الذي يربط هذه البلدة المحررة بالعاصمة، بما يعنى إيصال وربط العامة بكل الأراضي المحررة.
وفي اليوم التالي من بدء المعركة بدأت القوات المسلمة هجماتها من داخل المدينة وخارجها، وبالتالي فإن الطوق الصربي المحاصر للمدينة انقسم إلى قسمين:
قسم يدافع عن نفسه ضد الهجماتالمسلمة من داخل المدينة.
وقسم يدافع عن نفسه ضد الهجمات المسلمة من خارج المدينة.
وتهدف القوات البوسنية من شن معاركها على كل المحاور لقطع كل طرق الإمدادات التي تغذى صربيا عن طريق مليشياتها حول سراييفو، ومن ثم تصبح المليشيات الصربية حول المدينة محصورة في جيوب معزولة عن بعضها البعض، كما يسعى البوسنيون إلى إحكام حصارهم حول الطوق الصربي المحاصر للعاصمة والذي لم يعد له إلا ثلاثة منافذ تربطه بالمناطق المحتلة الأخرى.
وتفرض الحكومة البوسنية حظرًا شديدًا على تحركات الصحفيين الأجانب بعد تورط بعضهم في نقل معلومات إلى الجانبالآخر، لكن حسب المعلومات المتوافرة هنا حتى مساء اليوم الرابع من بدء المعارك فإن أكثر من مائتي قتيل صربي وستمائة جريح كانت هي الخسائر الأكيدة للصرب.
وغنم المسلمون كميات ضخمة جدًا من الأسلحة والذخائر خصوصًا في منطقة إلياس، وقال ضابط بوسني ضاحكًا: «لمنعد في حاجة لرفع الحظر عنا». وتفيد المعلومات كذلك أن القوات البوسنية تتقدم باطراد على كل المحاور الفاصلة بينها وبين الصرب، وأن غالبية خطوط الإمدادات الصربية باتت تحت تهديد القوات البوسنية ووقع في أسر القوات البوسنية أعداد كبيرة من الجنود الصرب بعضهم من الروس.
ويؤكد الجميع أن معنويات الجنود الصرب متدنية إلى أكبر درجة، وخلافًا للتوقعات فإن المدينة حتى الآن لم تتعرض لقصف شديد كما كان يعتقد، ويظن المراقبون المحليون أن ذلك يعود إلى خوف الصرب من قلة الذخيرة بعد أن أصبحتطرق الإمدادات لهم مهددة.
وحَدَّت السلطات البوسنية تمامًا من حركة القوات الدولية واتهمت بعضهم بنقلمعلومات مفيدة إلى الجانب الصربي.
ويعتقد أن معركة تحرير سراييفو ربما تستغرق ثلاثة أسابيع، وذلك في الوقت الذي احتدمت فيه الأزمة الغذائية تمامًا بعد إغلاق الصرب لكل الطرق الإغاثية البرية والجوية وما أستطيع تأكيده أن الغد آتٍ بإذن الله، وأن سراييفو لم تكن في حاجة يومًا ما لعون محبيها كما هي الآن. ورغمأن مخازنها خاوية إلا أنها لا تنتظر أكياس الطحين وعلب الحليب وإنما شيئًا آخر ربما يذكرها بالفاتحين.