; قراءة في عمق الحدث الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في عمق الحدث الأمريكي

الكاتب محمد عدنان سالم

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001

مشاهدات 71

نشر في العدد 1476

نشر في الصفحة 48

السبت 10-نوفمبر-2001

عندما أطلق الروس قمرهم الصناعي الأول، اهتزت الأوساط التربوية في أمريكا وكان السؤال الكبير: كيف استطاع الروس أن يسبقونا في مضمار الفضاء وجاء الجواب بعد الدراسات المستفيضة: لقد أخفقت المدرسة الأمريكية في تعليم تلامذتها القراءة الجيدة، فرفعوا آنذاك شعارًا يؤكد أن من حق كل طفل أن تهيأ له جميع الفرص ليكون قارئًا جيدًا.

كان ذلك رد فعل عاقلًا، استفاد من الدرس ونفذ إلى عمق المشكلة، ووعى أسبابها الكامنة وخطط لاستيعابها وتجاوزها، فحقق ما كان يصبو إليه من سبق وتقدم.

 لماذا لم يفعل الشيء نفسه مع الحدث الكبير في نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء 11/9/2001م. لقد كان صوت الأوساط التربوية خافتًا هذه المرة.. لم نقرأ تحليلاتهم العميقة لما وراء الحدث... لم تر . إلا نادرًا - آلياتهم الفكرية تبحث عن أسبابه الكامنة لم تشاهد ضميرهم المنتشي بتفوقهم الاقتصادي والعمراني والعلمي - يستيقظ أو يتمطى.

 إنما رأينا آلتهم العسكرية وحدها تتحرك وتستنفر العالم كله للتحالف معها ودعم مهمتها. وسمعنا بياناتهم الحربية تعلن تفوقهم وسيطرتهم (التامة) على أجواء أفغانستان (الخاوية) إلا من بعض الطيور الهاربة من شتائها القارس المنتظر، وتعلن تدمير الدفاعات الجوية المهترئة لطالبان، وتزرع الأرض بقنابلها العنقودية والانشطارية. ولم تفلح صواريخها الذكية في تجنب قصف الأبرياء البسطاء، فدفنت تحت أنقاض البيوت أطفالًا على أثداء أمهاتهم، وعجائز يغسلن الثياب الملطخة في أفنية ديارهم، وعروساً زفت إلى فتى أحلامها في ظلام ليل دامس، ثم تلقي لصبي ناج من الجحيم بفتات خبز يحميه إلى أن يحين أجله!!.. ترى هل كانت أمريكا تظن أن أحداً يحلو له أن يتوهم وجود ترسانة عسكرية في هذا العالم أقوى من ترسانتها، أو كتلة مالية واقتصادية أكبر من اقتصادياتها؟ هل كان أحد يشك في قدرة أمريكا على أن تغطي سماء أفغانستان بالطائرات وتزرع أرضها بالقنابل وتدمر كل مظاهر الحياة فيها؟ وهي التي تملك من الطاقة النووية ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية كلها أكثر من مرة؟ 

كيف استساغت أمريكا أن تضع نفسها في إحدى كفتي الميزان مع طالبان، وتزهو بقدرتها على الانتصار عليها ؟! هل ثمة أدنى حد من التكافؤ بين أمريكا وطالبان يسمح لهما بالمبارزة؟ هل يقبل بطل العالم في الملاكمة أن يبارز مبتدئاً غراً؟ هل يمكن لفيل أن يزهو بوطنه عامداً أو سادراً نملة بقدمه؟!

 أم هو استعراض للعضلات، واختيار الأرض محروقة، أو بنية ضعيفة أدنى إلى أن تكون دمية أو قطعة أثرية مجتلبة من المتحف، لردع من تسول له نفسه أن يعترض، ولتحقيق مقاصد بعيدة؟! ألم يكن بإمكان أمريكا أن تحقق أغراضها بوسائل أخرى غير وسائل القتل والتدمير؟!

 لاشك أن بشاعة الحدث الذي تعرضت له أمريكا، وهول الصدمة الكبيرة التي أذهلتها يسوغان لها أن تحرك عضلاتها في كل الاتجاهات، دفاعًا عن النفس، وتأكيداً للوجود وانتقاماً من الجناة، وإعادة للاعتبار، وفرضًا للهيبة. 

لن يتردد أحد في شجب العملية المروعة التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن، وفي الشعور بالأسى للدماء التي أريقت، والنفوس التي أزهقت وركاب الطائرات الذين سيقوا إلى حتفهم من غير ذنب، والموظفون الذين دفنوا تحت أنقاض مكاتبهم التي بكروا إليها لأداء واجباتهم، فالدم الإنساني حرام أيا كان الدين والعرق الذي ينتمي إليه.. وسفكه من غير حق عدوان فاضح على الجنس البشري كله.

ولن يماري أحد في حق الولايات المتحدة في تعقب الجناة، والإلحاح في البحث عنهم. لكن هذا التحرك العسكري السريع، إذا كان مسوغًا على صعيد رد الفعل الغريزي الذي هو قاسم مشترك بين الإنسان وسائر الكائنات الحية، فإنه ليس مبرراً على صعيد العقل الذي تميز به الإنسان عن تلك الكائنات.

فالعقل الإنساني وحده هو القادر على قراءة ما وراء الأحداث من عوامل وأسباب وبواعث ليعالج المشكلة من جذورها ومكامنها، ويقضي على الفتن والكوارث قبل وقوعها، خاصة إذا كان هذا العقل بحجم العقل الأمريكي الذي يمتلك ناصية الفكر بما هو ميسر له من مراكز وأدوات البحث العلمي، ومن تقنيات متطورة في مجال المعلومات والاتصالات.

إن الإنسان العادي ليعد من الغباء الفادح التوجه بأطنان المبيدات إلى البعوض الحائم فوق المستنقع، بدلاً من العمل بجد لتجفيف المستنقع، ذلك أن أطنان المبيدات ما إن تقتل البعوض، حتى تفقس بيوضه في المستنقع بعوضاً أكثر يستأنف الحوم، ولو جففت المستنقع لقضيت على البيوض؟! هل يمكن أن يكون المستنقع في الذات وليس عند الآخر؟! هل يمكن أن أكون أنا .. أنا السبب... أنا المخطئ.. أنا من وفر المناخ الملائم لنمو الإرهاب واستفحال خطره.. أنا صانع الإرهاب وضحيته في آن معًا؟! لماذا يكرهونني؟! أسئلة يجب أن يطرحها الأمريكي المعتدى عليه على نفسه، قبل أن يعلق المشكلة على مشجب الآخرين!!

 يقولون إن الأفعى لا تلدغ إلا من يهاجمها ، وإن الجرد إن الجاته إلى زاوية وضيقت عليه الخناق وثب إلى عينك ليفقاها وضرية الأرنب القاصمة (المشهورة) تؤكد قدرة الجبان على أن يتحول إلى حيوان ضار عندما يحدق به وبأولاده الخطر.

إن اللعب بالنار كثيرًا ما قد يحرق الأصابع، ويقول الله تعالى:﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران، الآية: 165).

الرابط المختصر :