العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد «آخر خليفة إسلامي» - الحلقة 10
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1975
مشاهدات 101
نشر في العدد 279
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 23-ديسمبر-1975
- عبد الحميد يحلل بدقة أبعاد السياسة العالمية
- أهمية الآثار المعنوية للخلافة الإسلامية
- عبد الحميد يستغل تقاربه مع ألمانيا لتهديد بقية أعدائه
- جهود عبد الحميد في تطوير الجيش
- عبد الحميد يتهم جمال الدين الافغاني بالعمل مع الإنكليز
۱۸ مارت ۱۳۳۳
بيلر بي
مرة أخرى، إني كنت أرى بوضوح أن ظهور ألمانيا كفيل بإخلال التوازن الأوربي، وإن هذا سيوقع الدول الأوربية بعضها في بعض وإني لو أستطعت إنقاذ بلادي من تعريضها للانقسام حتى ذلك اليوم، فإني -في وقت هذا الصدام- أستطيع حماية وجودنا بالانضمام إلى إحدى الكتلتين وكسر الطرف الآخر، ولم أكن أرى هذا بعيدًا.
كانت قوة الألمان تزداد عامًا بعد عام، وكنت ألاحظ اضطراب كل من الفرنسيين والإنجليز والروس لهذا، ونهاية هذا سيكون صدامهم.
بحثت بدقة عن الطريق الذي أسلكه.
رأيت أثناء مؤتمر الدول الكبرى الذي عقد في إستانبول نوايا هذه الدول، وهي ليست كما يقولون تأمين حقوق الرعايا المسيحيين، بل تأمين استقلالهم الذاتي، ثم العمل على استقلالهم التام، وبذلك يتم تقسيم الدولة العثمانية.
كانوا يعملون في سبيل هذا الهدف على صورتين: الأولى: إثارة الأهالي المسيحيين، وتعكير صفو الجو، وبهذا تتصدى لحمايتهم. والثانية: القول بالمشروطية، لإحداث الفرقة بيننا أنفسنا. واستطاعوا أن يجدوا من بيننا أنصارًا يستخدمونهم في كلا الغايتين، وبكل أسف كان على خبز العدو شيء من السمن، فلم يستطع بعض الشباب التركي المثقف ان يفرق بين التطبيق السهل للحكم الدستوري في بلاد تتمتع بوحدة قومية، وبين تعذر هذا الحكم في الدول التي لا تتمتع بوحدة قومية.
كيف كان يمكنني أن أنقذ بلادي من هذه الخيانات والتمردات؟
مرة أخرى، لقد أظهر مؤتمر إستانبول أن إنجازات السلطان عبد العزيز خان في سبيل تقوية الجيش والأسطول، جعلت الدول الكبرى تضطرب، وكانت هذه الإنجازات عصارة حياته والحرب الروسية التي قامت بعد ذلك أثبتت فعالية الجيش. ولو لم تكن في الجيش مشكلة الضباط المعادين للأسرة الحاكمة والضباط المؤيدين لهـــــا موجودة، لاستطعنا وقف تقدم الجيش الروسي، ولاستطعنا إحراز النصر. وهذا يعني أن جهود عبد العزيز خان التي بذلها في سبيل الجيش لم تذهب سدى.
ومقابل هذا، أظهرت هذه الحرب أن الأسطول لم يكن فعالًا رغم كثرة عدده. ربابنة سفننا كلها تقريبًا كانوا من الانجليز، يعني ان أسطولنا كان في يد الإنجليز. وفي الوقت الذي أردنا فيه تغيير بعض ربابنة هذه السفن، هرع السفير الإنجليزي إلى القصر، ولم يخجل من التحدث بصراحة وأن يعلق على هذه المحاولة بشكل لا يجعلنا نثق بإنجلترا.
على هذا يمكن القول بأنه لم يكن لدينا أسطول. إنه يستعدي علينا انجلترا وفرنسا من ناحية، ولم يثبت فعاليته في أي عمل في الحرب من ناحية أخرى. ولا تعقل المحافظة على شيء عديم الفائدة، وينتج عنه الضرر، فسحبت الأسطول إلى الخليج، وهكذا افهمت الفرنسيين والإنجليز، إنه ليست لدينا النية لأن ننافسهم في البحر الأبيض.
والحقيقة إن هذا التصرف جعل الإنجليز والفرنسيين يبتعدون عن التصادم بنا لفترة طويلة.
في مقابل هذا، أسرعت بتجهيز الجيش بالأسلحة الحديثة وما هو مناسب من أسطول وفنون الحرب واستدعيت إلى إستانبول الضابط الكبير فاندر جولتز. إني لو أتحدت مع دولة تسود البحار في الحرب التي أتوقعها ولي أمل في قيامها، ففي ذلك الحين تكون جيوشي مستعدة للعمل، وأسطولي يتولى تسهيل مهمتي. وفوق هذا، سيكون تحت يدي جيش يجيد تمامًا حيل الحرب التي تلجأ إليها الأمم التي سأحارب ضدها.
يقولون إن الأسطول تدخل في عملية خلع عبد العزيز خان، ولذلك أبطل عبد الحميد الأسطول. وهذا كذب. أنا أعرف أكثر من أي شخص آخر إن قطعتين من أسطول كفيلتان بإسقاط سلطان من علـى عرشه. عندما أسقطوا أخي مراد من على عرشه، هل استعانوا بسفينة أم بمدفع؟ إن من يفتري على بهذا الجهل إنما يفصح عن جهله هو.
نعم، لم تكن لدي الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوربية بمفردي، ولكن الدول الكبرى التي تحكم شعوبًا مسلمة عديدة في آسيا، مثل إنجلترا وروسيا، ترتعد من سلاح الخلافة الذي أحمله. لهذا السبب استطاعوا الاتفاق على إنهاء الدولة العثمانية، وكان لزامًا على ألا استخدم هذا السلاح خارج حدودي حتى «اليوم المنتظر»، لأن محاولة كهذه لم تكن تفيد أخوتنا في الدين ولا بلادي. قررت استخدام قوتي كخليفة في وحدة بلادي وأمنها، كما قررت العمل على سلامة أخوتنا في الدين في الخارج ضد كل احتمال.
تعطيلي الأسطول طمأن الإنجليز والفرنسيين، لكن وجود الخلافة في يدي كان يجعل الانجليز يعيشون في دوامة الاضطراب.
وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية كل من مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وانجليزي يدعى بلند، قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك، واقترحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين.
كنت أعرف جمال الدين الأفغاني عن قرب. كان في مصر، وكان رجلًا خطرًا. اقترح على ذات مرة ـ وهو يدعي المهدية - أن يثير جميع مسلمي آسيا الوسطى. وكنت أعرف أنه غير قادر على هذا، وكان رجل الإنجليز، ومن المحتمل جدا أن يكون الانجليز قد أعدوا هذا الرجل لاختباري. رفضت فورًا، فاتحد مع بلند.
استدعيته إلى إستانبول عن طريق أبي الهدى الصيادي الحلبي الذي كان يلقى الاحترام في كل البلاد العربية. قام بالتوسط في هذا كل من منيف باشا، حامي الأفغاني القديم، وعبد الحق حامد. جاء إلى إستانبول، ولم أسمح له مرة أخرى بالخروج منها.
ليست هذه آخر محاولة إنجليزية في موضوع الخلافة، فالإنجليز يحكمون مائة وخمسين مليونًا من المسلمين في آسيا، وللخلافة نفوذ كبير على هؤلاء المسلمين، ولأني كنت أعرف هذا، كنت ـ ودون ان أثير شكوك الإنجليز - أرسل السادة الأشراف، وشيوخ الطرق الصوفية والدراويش، إلى مسلمي آسيا الوسطى، وكنت أعرض عناية خاصة بربط مسلمی آسیا معنويا بالخلافة.
وإني أذكر بشكل خاص، وبكل امتنان، الخدمات التي أداها في هذا السبيل الشيخ سليمان أفندي البخاري بين مسلمي، روسيا، ورأيت في هذا فوائد جمة، ورأى الولاة العموميون «المندوبون السامون» الإنجليز في الهند إن مسلمي الهند على رباط وثيق بالدولة العثمانية، فكتبوا إلى حكوماتهم بضرورة التعايش في سلام مع العثمانيين، ولهذا سهل عملنا قليلًا.
أصابت إنجلترا الوساوس والشكوك من حملة الاستعدادات العظيمة التي تبذلها ألمانيا في أسطولها. وأنه من الخطر العظيم وجود ألمانيا قوية في البحار المفتوحة.
في هذه الأيام كان الإنجليز والروس قد أعدوا اقتراح تقسيم الإمبراطورية العثمانية كانوا يريدون ضرب عصفورين بحجر: منع الروس من تقدمهم في آسيا، وأيضا التحالف معا ضد ألمانيا. لم يرغب الإنجليز في أي وقت من الأوقات في نزول الروس في البحر الأبيض، لكنهم رأوا الأخذ بهذه العملية الفدائية، لأن منافعهم في آسيا كبـيرة، ومخاوفهم من ألمانيا تتضخم.
رفض الروس هذا الاقتراح السري الإنجليزي، لأني كنت من ناحية اقترب من القيصرية، ومن ناحية أخرى اقترب من الألمان.
ومعنى اقترابي من الألمان: اكتساب الألمان فرصة الحركة في مساحة تمتد حتى الهند، وهذا لا يرضي الروس ولا يرضي الإنجليز، وجعلهما معًا يقيمون علاقات ودية معي.
لم يكن في نيتي التحالف مع الألمان، ولكن الظهور بمظهر المتحالف سيجعل اتفاقي مع دولة تسود البحار العالية غاليًا. وكان على إنجلترا - لكي تطمئن على أمنها في الهند - أن تسلك أحد طريقين الاستيلاء على أراضي الدولة العثمانية، أو الاتفاق معها. وهــــي لم تكن تستطيع الاستيلاء على أراضي الدولة العثمانية، فالدنيا كانت ستقف على قدم وساق. ونظرًا لرفض الروس اقتراحهم في التقسيم، كان لا بد لهؤلاء الإنجليز أن يتفقوا معي.
ولهذا السبب أيضًا سلكت إنجلترا طريقين: التقارب معنا في السياسة، واستخدام المحافل الماسونية وسيلة للاستيلاء على الحكم من داخلن لصالحهم هم.
وكما استغل الإنجليز غفلة أعضاء تركيا الفتاة، عن طريق المحافل الماسونية، بدأ الألمان يفعلون هذا مع الفريق الأخر منهم، وعن طريق المحافل الماسونية أيضًا الشكل سيطر الألمان على تشكيل تركيا الفتاة في سالونيك، وسيطر الإنجليز على تشكيل تركيا الفتاة في وبهذا مناستر.
ولكي أجبر الانجليز على اتفاق معي عهدت بعملية إنشاء سكة حديد بغداد إلى ألمانيا، وكان غضب الإنجليز عظيما، ولهذا أيضًا جروا علينا مصيبة مقدونيا. لم أهتم لهذا، فقد كانت كل الخيوط في يدي.
ومهما كان الأمر، فإنهم قدموا إلى الاقتراحات التي كنت انتظرها.
كان الإنجليز يثيرون على اتحاديي مناستر، ويثير الألمان على اتحاديي سالونيك. كانوا يعملون على قيام انقلاب للاستيلاء على الدولة من الداخل. ونجاح الإنجليز باستخدام اتحاديي مناستر كان مصيبة بالنسبة لي، لأنهم كانوا سيزيلونني ويصلون إلى مرادهم، ولم أكن أخاف من اتحاديي الألمان لأن نجاحهم كان سیزید من خوف إنجلترا.
اتحادیو سلانيك الواقعون تحت تأثير المحافل الماسونية الالمانية تحركوا بكل من أنور ونيازي.
ضرب شمسي باشا، وأضاع اتحاديو مناستر المحاولة.
دبر الإنجليز محادثات سرية عن طريق الرجل الذي أثق به أبي الهدى الصيادي، واستطاع الروس أن يلاحظوا أنهم يخدعون وهم موجودين.
نكبة آسيا فوقهم، والمخربون مثيرو الاضطرابات في داخلهم، ولذلك كان على حكومتهم القيصرية أن تظل مفتوحة العين يقظة.
ورغم كل ذلك فقد كتب القيصر رسالة خاصة يطلب فيهـا منی معلومات.
ولسبب ما أوقف الإنجليـــز مباحثاتهم السرية، وأصبحت أرى أن الحرب الكبرى التي انتظرها وشيكة الوقوع، ولكن لم يكن أمامي إلا أن أترك الأحداث تسير حسبما تسير، ولم يكن أمامي غير منع إراقة دماء الأخوة.
وما حدث بعد ذلك يعرفه كل شخص.
أسقطني اتحاديو سلانيك عن العرش، وتوصلوا إلى اتفاقية مع الإنجليز، ودخلوا الحرب كحليف مع دولة البحار، وكأن المسألة حلم.