; قراءة في ديوان للشاعر مأمون فريز جرار .. قصائد للفجر الآتي | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في ديوان للشاعر مأمون فريز جرار .. قصائد للفجر الآتي

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986

مشاهدات 49

نشر في العدد 780

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-أغسطس-1986

الشاعر مأمون فريز جرار واحد من الشعراء الشبان الذين يرون الأدب التزامًا، والشعر كلمة مسؤولة، تحلق بالناس ليروا مع الشاعر أحداث العصر، أو ينقل إليهم أحاسيسه التي تفجرت من هذه الأحداث.

وفي ديوانه الأول: «قصائد للفجر الآتي»([1]) قصائد ومقطوعات بلغت خمسًا وأربعين.

ومن اسم الديوان نلمح الخيط الذي يربط بين هذه القصائد كما يقول الشاعر: «فهي قصائد ذلك الفجر الذي يهفو إلى إشراقه كل مسلم غيور على أمته ودينه»([2])، وهذه القصائد تتراوح في أوزانها بين بحور الشعر الخليلية، وشعر التفعيلة، التي التزم فيها الشعر بالوزن- عمومًا- دون أن يلتزم بالبحر، ولعله يريد بهذا أن يضع بين يدي القراء تجربته الشعرية الحية التي ترى أن الشعر- أنى كان لونه وشكله وموضوعه- يجب أن لا يتخلى عن الوزن، دون التقيد بشكل البحور القديمة كما صنعها الخليل النابغة شريطة أن لا يصبح الشعر نثرًا، أو مقاطع تغرق معانيه بالغموض، أو الشذوذ والنفور.

فالشاعر في تجربته هذه يدل على أنه يمتلك الموهبة الشعرية التي تتيح له أن يصوغ تجربته بالشكل الذي يريد، وأن يضعها في الإطار الذي يتناسب معها.

بل نرى في الديوان القصائد والمقطوعات الخليلية تزيد عن غيرها، فهي تبلغ خمسًا وعشرين، وهي أكثر من نصف الديوان.

والشاعر الذي يقدر على أن يصوغ تجربته بأوزان الخليل العروضية، هو الذي يستطيع أن يجدد في أسلوبه، وأن يختار الأشكال والأطر الشعرية المختلفة التي لا تخرج عن دائرة الشعر؛ لأن اختياره آنذاك ينبع من قدرة، ويصدر عن موهبة تختار أسلوبها، وليس عن عجز وافتراء وادعاء.

أما الشاعر الذي يعجز عن صياغة تجربة بالأوزان المعروفة، ويعجز عن فهم الأسلوب العربي البليغ- قديمه وحديثه- ويجافي كتاب الله- عز وجل- فهمًا وسلوكًا، إن هذا الشاعر يعجز عن قول الشعر عامة، أو سبك الجمل العربية السليمة.

والديوان- كله- تعبير عما يحسه الشاعر إزاء الأحداث المعاصرة، والتي تنبع من مصدر واحد، وتجمعها صورة مأساوية واحدة، أهم ظواهرها التشرد، والمآسي المتكررة، والأحزان التي تعيش مع المسلم في هذا العصر، يرضعها مع ألبان أمه، ويراها منذ أن تتفتح عيناه على نور الحياة: قنابل، ومذابح، ونكسات ودماء، وأمواج جديدة من المشردين.

وإذا كان الشاعر في تصويره لما يجري حوله من أحداث، وفي متابعته لمأساة الشعب الفلسطيني المسلم بكل ألوانها وصورها المختلفة، وفي تعبيره عن خلجات النفس البشرية في صحوتها أو غفلتها، إذا كان في كل هذا يعبر عن ألوان قاتمة سوداء، ويصدر من قلبه أنين الجراح؛ فإنه بذلك يلتزم الصدق، ويعبر عن الواقع، ويحمل أمانة الكلمة، وهو- في هذا- يصدر عن رؤية إسلامية واضحة، وعن تصور قرآني رشيد.

فالأحداث الكبيرة التي جعلت الحليم حيران، والمآسي المتتالية التي جعلت الطفل يشيب، والمذابح الرهيبة، وأصوات المدافع وموجات التشريد، كل هذا جعل الشاعر يعبر بحزن ودمع وتشاؤم- أحيانًا- ولكنه مع ذلك ظل على الجادة، لم يفقد صوابه، ويتشظى حقدًا، أو ينقلب إلى دعوة الإجرام كما يفعل الماديون، بل كان ينظر إلى ما وراء الأحداث، ويتعرف إلى الأسباب الحقيقية لما يصيب هذه الأمة.

يقول في قصيدته الأولى «النصر للإسلام»:

ما كان لله أن ينسى أحبته ********** في الضيق يلهو بهم مستعبد أشر

لا تحسب السجن لو طال العذاب به ***** يضعضع العزم، فالإيمان مبتصر

هذه سنة الدعوات، وطريق الإيمان، وناموس الكون في أسباب النصر، ولهذا لا بد من تلمس الأسباب:

أعداؤنا أحكموا يا صاح خطتهم ****** لكنهم في الذي خططوا خسروا

سرنا وراءهم كالشاة إذ تبعت ********** جزارها، لا ترى ما يرسم القدر

ولكنه وهو يحاول تحديد الأسباب لا ييأس من النصر، ولا يتخلى عن حمل المسؤولية، لهذا يهتف بالتائهين، بالشعب العربي الذي سار وراء الجزار من شرق وغرب:

فجدد العزم لا تيأس فما عدمت ****** حرارة الدين فالإیمان مستتر

واصبر ولا تيأسن فالله يأجرنا ***** والفوز دومًا لمن في محنة صبروا

قرآننا یا أخي دستور نهضتنا ************* وحرز وحدتنا ما مثله الدرر

ودرب أحمد -خير الخلق- مسلكنا ****** ونحن أتباعه نمضي ونأتمر

وهكذا يبقى الشاعر المسلم في فنه وأدبه، في فكره وسلوكه، في أحزانه وأفراحه، يستلهم دينه القويم، ويصدر عنه في صوره، وآماله، لا يتيه ولا يضل... لا تمزقه المأساة حتى يصبح شظايا تؤذي من حولها، تحرق ولا تضيء، ولا تيئسه الأحداث فيمتلئ حقدًا وغيظًا، فلا يرى إلا الشر والإثم والانتقام الخاطئ، ويتنكب عن طريق الرشاد.

الشاعر المسلم يعرف أن وجوده ممتد عريض وعميق الجذور، وأنه موصول بالخالق القادر الحكيم، فلا يخاف ولا ييأس، بل يظل ينشد للمؤمنين، ويدعو التائهين، وينير الطريق للحيارى حتى يبصر الصراط المستقيم.

لا يفعل الأديب المسلم ذلك افتعالًا، وإنما ينبثق ذلك من كينونته المؤمنة، من فطرته الصافية الصادقة، من فهمه لناموس الكون، وقوانين الحياة، وقدر الله العزيز الحكيم.

وفي الديوان- كغيره- صورة للشاعر ذاته، في حالات مختلفة: في ضعف وقوة، في إشراق وخفوت.

وكذلك فالديوان يمثل مرحلة من رحلة الشاعر الأدبية، لذلك نرى القصائد التي تخفت فيها روح الشاعرية الطليقة، ويقترب فيها الشاعر من النظم، كما في هذه الأبيات:

مضوا إلى النار وردًا خلف قائدهم ***** إبليس من أمره الكفار تأتمر

فلتهزأوا إخوتي من كل نازلة ************** فكل نازلة لا بد تنحسر

وكذلك في قصيدة «الطاغوت» وفي بعض الأبيات من قصيدة «صيحة الحق» كهذا البيت:

ودمانا مشاعل فاحملوها * وارفعوا مجدنا الذي قد تهدم

وكذلك في قصيدة «في درب التيه» نرى بعض الضعف، ولا سيما في هذا البيت:

أين نمضي وليس في الأرض شبر  ******** من ذنوب الطغاة والرجس خال

والصحيح أن يقول «خاليًا».

وكذلك في قصيدة «ليل وأمنيات» نرى هذا البيت:

وسورة الفتح في الهيجاء نشيدهم ************** تزلزل الأرض لا ترضى بعدوان

إضافة إلى أن البيت ليس في مستوى غيره من أبيات القصائد الأخرى، ولا سيما في جملته الأخيرة، التي لا حاجة إليها «لا ترضى بعدوان» وكذلك فإن الهمزة في كلمة الهيجاء ينبغي حذفها ليستقيم الوزن، وهذا الفتور في الشاعرية نراه أيضًا في قصيدة «حزن وخيبة» وفي قصيدة «حتى متى» تصوير حار لحالة المسلمين اليوم، ولكن فيها بعض المبالغة:

حتى متى هذا الحياء * الأرض يملؤها البغاء

ولكن ذلك لم يُسئ للقصيدة المتدفقة، بمشاعرها الصادقة الواقعية، وحبذا لو أعاد الشاعر النظر فيها لإحكامها ولا سيما هذا البيت:

من لم يكن في الخلد مسكنه فمأواه التراب

فهذا المعنى يتنافى مع الحقيقة القرآنية؛ لأن الكافر يتمنى أن يكون ترابًا في الآخرة ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (النبأ: 40)، وقصيدته «أيها الشعب» قصيدة حماسية، بأسلوب خطابي، وهي أشبه ما تكون بالخطبة الحماسية الخالية من الصور الشعرية، ولولا رنة الصدق فيها لفقدت كل مميزة لها، وأصبحت تكرارًا لنداءات تطلق على كل لسان، وفي غيرها من القصائد مندوحة عنها.

والملاحظ أن أكثر هذه الملاحظات تنصب على القصائد المبكرة التي تمثل التجربة المبكرة للشاعر ما بين سنوات 1965 إلى 1969م.

ولا بد من الإشارة إلى ما لوحظ في الديوان، من إهمال للهمزات، وعدم التفريق بين ما كان منها همزة وصل أو همزة قطع، مع عدم العناية بعلامات الترقيم، وهي تساعد على فهم المعنى أحيانًا، وتحدد بدايات الجمل، أو تعطيها لونًا ما.

وكذلك لم تراع الدقة في تنقيط الياء، وعدم تنقيط الألف المقصورة، وهذه ملاحظات تهم الشاعر كما تهم الناشرين، الذين يهملون الدقة، ويهتمون بالشكل الخارجي، والعائد المادي أكثر من خدمة الكلمة الطيبة، والتماس الجزاء الأخروي فضلًا عن ربح الدنيا.

والديوان لا شك فيه من الصور الجميلة التي تبشر بشاعرية متمكنة وموهبة واضحة.

اقرأ معي هذه الأبيات، وما تحمل من صور ومشاعر وأفكار:

من عالمي الغارق في أوحال الليل

من عيني الضارعتين بدمعة ذل

وبوجه يوشك أن يخفى

أن يخفى في أستار الظل

أخجل أن أهتف باسمك في يوم الميلاد...

واقرأ قصائد: ذكرى المولد والأحباب، لست وحدي، ليل وأمنيات، حتى متى، داء ورجاء، الأمنية الضائعة، الشاعر وطائر الأحزان، الخروج من الضياع، هموم وبشائر، صرخة ... إلخ.

وستجد معي صورًا مبدعة، ورؤى واضحة لشاعرية أصيلة، تحمل سمات أدب يمثل روح الحياة الكريمة، وروعة الصدق الأدبي، وأصالة التجربة، وطليعة فجر آت، في الأدب الإسلامي والحياة الإسلامية.


 

([1]) الطبعة الأولى سنة 1981م، نشر وتوزيع مكتبة الأقصى.

([2]) انظر مقدمة الديوان صفحة (5).

الرابط المختصر :