; أدب | مجلة المجتمع

العنوان أدب

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 66

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-يناير-1988

قراءة في ديوان:  شموخًا أيتها المآذنبقلم: الدكتور محمد عادل الهاشمي

بقلم: الدكتور محمد عادل الهاشمي

للشاعر الإسلامي محمود مفلح

وأخيرًا صدر الديوان المرتقب تعلوه المآذن الشامخة للشاعر الإسلامي المعاصر محمود مفلح ذي الدواوين الإسلامية: «الراية والمراية».. التي صدحت بالصوت الإسلامي الجهير، والعزم الإيماني الكبير..

أما ديوان «شموخًا أيتها المآذن» فقفزة قوية في المسار الشعري لشاعرنا الإسلامي الموهوب.. إنه تسجيل حي لانتفاض بطولات أحفاد خالد وأبي عبيدة في فلسطين المحتلة، وقد برئوا من الشعارات الزائفة، ورفضوا حلول الاستسلام، وأملوا على الساسة المخضرمين كيف تكون الحلول؟ وكيف تسمى الأمور بمسمياتها؟ ومن أين يكون الطريق؟ لقد استحال هؤلاء الأطفال- بعزيمة الإسلام- عمالقة يرضخون وجه الصهاينة بالأيدي والحجارة ويسجلون- بما يملكون من وسائل المقاومة- انتصارهم على العجز الذي عانت منه الأمة أربعين عامًا.

إلى هذا الجيل من الأبطال الميامين يهدي الشاعر كلمه المغموس بوجدان الصحوة الإسلامية فيقول: «فإلى أولئك الشباب الذين خرجوا من أعماق الظلمة والاستبداد والقمع، مصابيح هدى وسيوف جهاد تحت راية الحق.. إلى الذين تغذوا بلبان الإسلام عقيدة ومنهجًا وغاية، وحملوا سيفه المبارك.. إلى رأس الحربة في الحركة الجهادية المباركة.. إليهم في مساجدهم ومعاقلهم، وهم يتلون كتاب الله ويستمدون منه الصبر والعزم واليقين، إليهم.. وهم يردون على مكائد الأعداء ودهاقنة الزيف والخداع في أرضنا المحتلة.. أهدي مجموعتي الشعرية هذه» (المقدمة).

إذا ما قلبنا صفحات الديوان ألفينا جل قصائده تصدر عن هذه الروح الإسلامية المباركة التي عمرت تلكم القلوب، فلم ترض بالدنية، ولم تعدل بالعزة الإيمانية حياة ذليلة مهينة، لقد أعلنها أعداء الإسلام حربًا علينا، فهدمت المساجد، سالت دماء المسلمين أنهارًا، والأسماع والأبصار مقفلة، ترى لم يكف المسلمين الصمت، وهم يتجرعون الكوارث، وهل تصمت الشاة – حتى الشاة - حين ذبحها؟

تغوص خناجر الطاغوت فينا                                  

وينحرنا التسلط والجنون

ونحن نغط في نوم بليد                                         

وتضحك من بلادتنا القرون

 ولم أسمع من المذياع عتبًا                                 

ولا دمعت لمصرعهم عيون

كأن دم الأخوة صار ماء                                       

وإن الماء يغليه الفطين

وما ذنب الضحايا غير دين                                     

تهون له النفوس ولا يهون

لماذا لا تحركنا الرزايا                                           

ولا يجتاحنا الغضب الدفين؟!

(ص 12 – 15)

وقصائد الديوان جلها نفثات غاضبة تتصاعد من مرجل نفس أبية، لم تستطع أن تهضم العدوان على الأمة الذي يعالج بالصمت فالنسيان وهذا ما جعل المحاور الوجدانية للقصائد تهدر ساخطة لما ران على الشعوب المسلمة من تخلف وجاهلية، أورثاها جمودًا وغفلة تذوي لهما المروءة وتضمر المثل، وتتبلد الأحاسيس، فلا هي قادرة على رد العدوان، ولا هي تمكن المخلصين من رده! وهذا ما أشاع روح التسلط والقيود والهزائم، ولقد استغرقت هذه الفكرة القصائد الآتية مع التلوين في الأسلوب وفي طريقة التناول بما يفصح عن التجارب القاسية الملحة التي كانت تضغط على قلب الشاعر من مثل قصيدة «أين النخوة العرباء» و«لبنان» و«صرخة».

يقول في القصيدة الأولى ترمضه الأحاسيس المتحجرة إزاء مأساة فلسطين وجرحها الراعف وسط الصمت المريب:

غابي وكومو والغراب                                    

والقدس يصهرها العذاب

النار تأكلها، وأنتم                                             

لا سؤال ولا جواب

لو أصبع تمتد.. لو                                            

عين يلوح بها العتاب

لو قطة خمشت لكان                                     

لها إلى الشرف انتساب

 هل يترك الإجرام يبطش                                 

لا حساب ولا عقاب

 شهران والدم يستغيث                                   

فلا يرد عليه باب

 شهران والتاريخ مذبوح                                 

وساحته خضاب

 وحرائر البلد الحبيب                                        

تضرجت وهي العراب

 عرب وأين النخوة العرباء                            

والنسب اللباب؟

جفت أحاسيس الرجال                                  

فلا يحركهم مصاب

 (ص 71 – 73)

وينتهي الشاعر في قصيدة «موطني» إلى أن من أسباب هذا الجمود الخرس صفاقة الأغلال والقيود التي ضربت على طاقات هذه الأمة باسم الشعارات التقدمية الزائفة التي رفعها أنصار التغريب الأوروبي، متنكرين لعقيدة الأمة وقيمها ومثل جهادها، فجرّوا على الشعوب الإسلامية التسلط والتنكيل والهزائم.

عمرٌ مر، والشعارات تتلى                                              

وعدوي بنارها يكويني

 كم شقينا بها يمينًا، يسارًا                                           

وتعسنا من خبطها المجنون

 كان فيها الرغيف أقدس حلم                                    

يتجلى لشعبنا المطحون

إیه یا جوقة الهزائم كفي                                           

عن مماراتهم فقد قتلوني

عمر والغناء يغمر أشعاري                                         

ويلقي على الرمال سفيني

 عمر والعيون تعصب حتى

نسيت ضوءها الحبيب عيوني

ضقت بالترهات ترجم عقلي

والنفايات في الدجى تغزوني

(ص 23 – 24)

لذا نرى الشاعر بعد هذا ينادي بكل قوة: إن الأمة قد عافت طريق الجاهلية وشعاراته العقيمة المريبة، فقد عرفت طريقها إلى النصر في ظلال الأصالة واستلهام الشخصية الإسلامية، والمنهج الإسلامي للحياة..

 أنقذوا روحي الكئيب من العقم

فهاتيك جنتي تدعوني

رحلتي والطريق ظل وماء

لسوى الله رحلتي لن تكوني

فأنا مسلم وهذا انتمائي

وكما شئت يا حياة فكوني

ملء صوتي أقولها ملء نبضي

ملء شمس الوجود ملء يقيني

(ص: 24 – 25)

ثم تتتالى قصائده التي تنبعث منها صرخات الصحوة والابتعاث للمسلم المعاصر، كي يؤدي دوره في حمل رسالة الإسلام ومنهجه الرباني.. وفيها يعلو صوت الشاعر حتى يصافح نداؤه كل قلب مؤمن في العالم الإسلامي بما فيه من إشراق وروح، ورسم لمعالم الطريق. وقد تناولت هذا الأفق الرفيع قصائده: «شموخًا أيتها المآذن» و«آسام» و«إيضاح شعري» و«تعليق على ما حدث» و«الراية والجنود» و«الله أكبر.. الله أكبر» وتعرض منها لرائعته «شموخًا أيتها المآذن» حيث يهزنا فيها هدير صحوة يبتعث الحياة في الوجود الإسلامي خصبة أبية، معطاء، تنهل من النبع الأصيل وتطلقها شماء، شامخة من ذرا المآذن تعلن انبلاج نور فجر جديد، يحمل القرآن للعالمين رائدًا ومحررًا.

أطلقيها كموجة من نور

أطلقيها كدفقة من عبير

أطلقيها كما السنابل خضراء                                

کحلم، كرفة العصفور

ظمئت أنفس البرايا، وتاقت                                   

للنداء الحبيب، للتكبير

لحروف هي الحياة ولولا                                       

ها لضجت حياتنا بالشرور

جفت الأرض من رياح الخماسين                           

وتاقت إلى الثرى الممطور

أمتي والجراح تأكل كفيها                                    

وتلهو بصمتها المقهور

أطلقيها من المآذن شماء                                  

ودوسي بها الركام وثوري

وانفضي اليأس والخنوع فجند                           

الله آتون كانبلاج النور

خرجوا من كثافة الليل والجرح

من القهر من ظلام القبور

 حملت فيهم السنون ولما    

كمل الحمل.. آذنت بالنفير

عانقي فجرك العظيم وضمي                        

فيه قرآنك العظيم وسيري

(ص: 48، 51، 52)

هذه إلمامة عاجلة بآفاق دیوان «شموخًا أیتها المآذن» لشاعرنا الإسلامي محمود مفلح قدم لنا فيه عشرين قصيدة من جيد شعره أطعمها قلبه وسقاها وجده فانتفضت على أديم الفن صرخات مدوية، ونذرًا، وابتعاثًا لصحوة جيل آن له أن يمارس وجوده بعد أن اعتقلت إرادته أكثر من ربع، لذا تنساب قصائد الشاعر في ديوانه إلى القلوب الراعفة، فيمسها بنبضه ويرسم بجرحها النازف حروفه علامات ابتعاث لأمة أضحت صحوتها أكثر من ضرورة لكي تمارس ذاتها وعزتها، وتملك مقارعة أعدائها وتحرير أراضيها بعد أن حيل بينها وبين تحرير مقدساتها بكل سبيل.

لقد كان الديوان جلجلة الخطر، ونداء الساعة وصوت النذير، ومن هنا كان تفرده، وشخصية قصائده، وتميزه بابتعاث مشاعر الأمة المسلمة ووجودها الأصيل، وكنوز طاقاتها المطمورة.

ويأتي الديوان في حلته الفنية وأدائه الشعري غزير الموهبة غني التلوين، مستلهما في تصوره منهج الأدب الإسلامي، وخصائصه، فشاعرنا بأصالته وموهبته «يشق تيارًا شعريًّا إسلاميًّا في الشعر الفلسطيني المعاصر» كما يجلو لنا فلسطين أصيلة بإسلامية قضيتها، وقداسة مسجدها الأقصى، وربوعها المجبولة بالدماء المعطرة بعبق الشهادة، من لدن الفتوح الأولى حتى اليوم، تروي تاريخًا زاهرًا مجيدًا، وجهادًا مباركًا، ونصرًا مؤزرًا وعدًا من الله للمؤمنين في سبيله.. فتحية لشموخ قصائد شاعرنا في ديوانه، وتحية لشموخ المآذن في قصيده، ومزيدًا من النتاج الشعري الأصيل على منهج الأدب الإسلامي.

·        مرثية

شعر: محمد زهدان

رحل الصالحون فردًا ففردا                                                      

أيعودون أن يزيدوا بُعدا

رب رفقًا بنا ولا تمتحنا                                                             

آتنا من لدنك صبرًا أشدا

حسرة في النفوس: نجمان غارا

وضرام في القلب هيهات يهدا

حزنت جدة وناحت حماة

وعيون الشهباء أصبحن رمدا

تعب اليوم في الديار وراحت

دولة الوحش في الربى تتحدى

برز الكفر فالشريعة حيرى

أين «علوانها» الذي يتصدى

لن تراعى فللعرين أسود

سيطيرون إذا الشر أبدا

يا أبا سعد شیعتك المعالي

جازعات من أن يلاقين هـدّا

وبكاك الطلاب والدرس (م)

والتأليف والإخوان شهمًا مُجدا

وسدوه الثرى فيا لهف نفسي

كيف أودعتمو المهند لحدًا

أین صوت الحق دوى جريئا

ينذر الكفر أن للحق جندًا

وجهاد على المدى مستمر

في سبيل الإسلام لم يأل جهدا

هجرة الإله - لا لتلاد

ما مقام إذا الحقود استبدا

يا فقيد الإسلام ما أربح

البيع إذا الكريم استردا

 فكأني بالخلد وهي عروب

لبت للقاء تاجًا وبردا

أأبا سعد هل تلقاك أبو

النصر وكان في الله ودا

إيه يا أهليه عزاء عزاء

كلنا وارد المنية فردا

 يا جموع الشباب صبر جميل

واحفظوا للفقيد في الله عهدا

دینکم دینكم ولولاه ضعتم

فالزموه بحكمة لا تعدى

 طمع الغرب في الربوع قديم

وهو جدٌ فهل لنا أن نجدا

من لشبلين في الإسار

مشوقين إلى الأم والأب جدا

كلما أملا بفك قيود

زاد جلادهم إلى الغل قيدا

خصمه الله كيف يهرب منه

سيجازيه، وهو أعظم كيدا

رب رحماك فالطريق طويل

هب لنا فيه يا رب رشدا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2185

250

الأربعاء 01-نوفمبر-2023

الأحــلام المسروقــة!

نشر في العدد 589

91

الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

أدب (589)

نشر في العدد 1417

85

الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

المجتمع الثقافي (العدد 1417)