; قراءة جديدة للتاريخ - عندما استورد الأندلسيون النصر | مجلة المجتمع

العنوان قراءة جديدة للتاريخ - عندما استورد الأندلسيون النصر

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1972

مشاهدات 100

نشر في العدد 108

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 11-يوليو-1972

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

بقلم: الأستاذ عبد الحليم عويس

عندما استورد الأندلسيون النصر

دقوا أول مسمار في نعشهم

كانت السنوات الأولى من القرن الخامس الهجري «الحادي عشر الميلادي» تحمل في أحشائها وباء خطيرًا إلى الأندلس الإسلامية. لقد سقطت الدولة العامرية آخر حماية للدولة الأموية في الأندلس ولقد ظهر أن أحفاد عبد الرحمن الداخل الأمويين أقل من أن يقوموا بعبء حماية الإسلام الأندلسي. وكان البربر قد هاجر كثير منهم إلى الأندلس بحثًا عن سلطة أو زعامة. وكان الصقالبة وهم مجموعة من النازحين إلى الأندلس من طوائف مسيحية مختلفة- كان هؤلاء الصقالبة يشكلون بدورهم عنصرًا من عناصر الوجود في الحياة الإسبانية الإسلامية.

ومن هذه القوميات المتناطحة تشكل الوجود الأندلسي غرة القرن الخامس الهجري فلما سقطت خلافة الأمويين الإسلامية في الأندلس، نتيجة امتصاص طاقتها في مشاحنات داخلية تحركت كل هذه الطوائف المقيمة فوق أرض الأندلس الإسلامية تبحث عن السلطة والامتلاك.

وبدلًا من أن تتحد قواهم في وجه المسيحيين المجاورين لهم، وبدلًا من أن يرفعوا راية الإسلام والجهاد. كأمل ينقذ أندلسهم من التحدي الصليبي المتربص بهم. بدلًا من هذا أشعلوا أحقاد القومية الطائفية والنعرات الجنسية. وظهر في الأندلس أكثر من عشرين دولة يتقاسمها الأندلسيون والبربر والعرب والصقالبة ففي كل مدينة دولة، بل ربما أقتسم المدينة أكثر من طامح ومنافس. واستمر أمر هذه الدول أو هذه المدن المتنافسة التي عرف حكامها بملوك الطوائف استمر أمرها أكثر من خمسين سنة أمتهن فيها الإسلام والمسلمون، وتوسل كل ملك منهم بالنصارى ضد إخوانه المسلمين، ووقف ابن حيان -مؤرخ الأندلس- يستشف ما وراء الحجب ويقول لأبناء جنسه.

يا أهل أندلس شدوا رواحلكم

فما المقام بها إلا من الغلط

الثوب ينسل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولًا من الوسط

من جاور الشر لا يأمن بوثائقه

كيف الحياة مع الحيات في سقط

لقد فشل ملوك الطوائف في أن يلموا شعثهما، وأن يتكتلوا ضد النصاري ومن عجيب المقادير أن «ألفونسو السادس» ملك قشتالة وليوم وأستوريا، كان يتظاهر بحماية هؤلاء الملوك المسلمين، ويأخذ منهم الجزية والإتاوات التي يرفع من قيمتها سنة بعد أخرى، واستطاع أن يعد عدته من الإتاوات التي يفرضها عليهم ليلتهمهم بها كلهم، وكان آخر ما التهمه ألفونسو من أرض المسلمين تحت بصر وعين هؤلاء الملوك الإسلاميين بل وبمساعدة بعضهم مدينة طليطلة سنة (٤٧٨) ه (١٠٨٥) م.

وعند هذه الموقعة تأكد لدى أكبر ملك من ملوك الطوائف «المعتمد بن عباد» أن ألفونسو يريد الالتهام ولا أقل من الالتهام الكامل. وفكر المعتمد في وسيلة الإنقاذ وضعته الأقدار أمام حل واحد لم يكن له خيار فيه. لقد قرر أن يستنجد بالمرابطين المسلمين الموجودين في المغرب الأقصى كقوة إسلامية ناشئة. وقال لمعارضيه ومحذريه قولته المشهورة.«لأن أكون راعي جمال في صحراء أفريقية خير من أن أرعى الخنازير في قشتالة». وقد نجح المرابطون في إيقاف الزحف النصراني وأذلوا كبرياء ألفونسو واستردوا كثيرًا من مدن الإسلام لم يحاول الأندلسيون بناء أنفسهم. لم يحاولوا صنع التقدم من خلال الذات لقد اعتادوا تسول النصر واستيراد البقاء من إخوانهم المغاربة المسلمين.

وحقيقة نعم حقيقة بقيت الأندلس إسلامية باستيرادها النصر أيام المرابطين ثم أيام الموحدين، ثم أيام بني مرين، وبقيت مملكة غرناطة الإسلامية وحدها أكثر من مائتي سنة تصارع الموت- كلمعة الشمس قبل الغروب. ولكن قانون الحضارة كان قد قال كلمته فإن الذين فشلوا في أن يخلقوا من أنفسهم قوة قادرة على الحياة ما كان ينفعهم أن يشتروا النصر أو يستوردوه .وفي سنة (١٤٩٢) م سقطت غرناطة آخر ممالك الإسلام في الأندلس. وطرد المسلمون شر طردة.

وكانت هذه هي النهاية التي انفرد بها الشاعر ابن حيان وغيره من هؤلاء الذين أدركوا قانون البقاء الذي هو من سنة الله .نعم: أدركوا أن التاريخ لا يقوم بالاستيراد، ولا تنتصر حركة تقدمه بالمتسولين.

عبد الحليم عويس

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل