الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
قراءة جديدة للتاريخ
الصفحات الأخيرة من حضارتنا
بقلم : الأستاذ عبد الحليم عويس
الدولة التي لا تفهم طبيعة تكوينها .. تتعرض لضربات الإبادة
خلافة ولدت من خلافة .. ولئن كان أبو مسلم الخراساني، وأبو عبيد الله السفاح قد استطاعا أن يقضيا على دولة الخلافة الأموية بدمشق سنة 132هـ، وأن يقتل مروان بن محمد حلوان مصر، فيقتلان بقتله آخر خليفة أموي في المشرق العربي فإن هذه الخلافة المنهارة، قد نبتت لها بذرة غريبة الشكل والتكوين في أرض تفصلها عنها بحار، وآلاف الأميال.
... وقد استطاع عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أن يكون هو الفارس لهذه النبتة في أرض الأندلس، بعد مطاردة عنيفة تصلح عملًا روائيًا عظيمًا ...
ونجح «صقر قريش» العجيب في أن يهرب أمام الجنود العباسيين حتى وصل إلى فلسطين، ومنها إلى مصر، ثم إلى المغرب بعد خمس سنوات من التجوال والتخفي من عيون العباسيين ..
لقد كان يحكم الأندلس آنذاك يوسف بن عبد الرحمن الفهري نيابة عن العباسيين، وقد حاول الفهري مقاومة تسلل وتجمعات عبد الرحمن الداخل، لكنه هزم أمامه عندما التقيا سنة 139هـ، ودخل عبد الرحمن قرطبة، فتأسست بذلك للأمويين الذين سقطوا في دمشق على يد العباسيين، ملك جديد في الأندلس الإسلامية.
ولم تنجح كل محاولات العباسيين على عهد أبي جعفر المنصور في استرداد الأندلس، كما لم تنجح محاولات ملك الصليبيين «شارلمان» استغلال الظروف والقضاء على صقر قريش، واستتب بذلك الأمر الفرع الأموي الذي تكون في الأندلس .
لقد عاش عبد الرحمن الداخل يبني ويقوي من دعائم دولته أكثر من ثلاثين سنة بعد ذلك .
فلما مات سنة 172هـ كان قد ترك وراءه دولة قوية البنيان توارثها أبناؤه من بعده .. تولاها هشام ابنه، ثم عبد الرحمن الثاني، إلى أن وصل الأمر إلى عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر، الذي يعتبر عهده قمة ما وصلت إليه الأندلس الأموية من ازدهار وتقدم.
وقد دام حكم الناصر هذا نصف قرن من الزمان، نعمت الأندلس فيها بخير فترات حياتها في ظلال الإسلام، وطلب ود الدولة الممالك النصرانية المحيطة بها، واصبحت قرطبة والمدن الأندلسية الأخرى، كعبة العلوم، ومقصد طلاب العلم، عواصم الثقافة العالمية الراقية.
وفي سنة 350هـ مات عبد الرحمن الناصر هذا، فتتابع على حكم الأندلس من بعده أبناؤه، كالحكم بن عبد الرحمن الناصر، وغيره من الحكام الذين امتازوا بالضعف، فيتسلط عليهم حجابهم، وبرز من هؤلاء الحجاب المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر، الذي حكم باسم الأمويين بمعونة أم الخليفة «صبح»، وتمكن من تحويل الخلافة لنفسه ولأبنائه مدة قصيرة، مكونات خلالها الدولة المنسوبة إليه، و المسماة بالدولة العامرية...
ثم عادت أمور الأمويين إليهم فترات قصيرة قلقة، إلى أن قضى عليهم قضاء أخيرًا في الأندلس سنة 417هـ، وعلى أنقاضها قامت مجموعة دويلات هزيلة في الأندلس عرف عهدها بعهد ملوك الطوائف، الذي كان من أكثر عهود المسلمين في الأندلس تفككًا وضعفًا وانحدار نحو هاوية السقوط.
لقد قضى على الأمويين في الأندلس عاملان بارزان:
أولهما: أن هؤلاء الأمويين يفهموا طبيعة التكوين الأندلسي، أو فهموه ولم يقوموا بمـــــا تتطلبه طبيعة، وأبرز سمات هذا التكوين، وجود النصارى في ترقب دائم أية ثغرة ينفذون منها، وتباين الأجناس التي تعيش على أرضهم وتستظل برايتهم، لا يجمعها إلا اقوى وشيجة في التاريخ وهي الإسلام.
ولم يكن هناك من حل حضاري لمواجهة طبيعة هذا التكوين لا تعليـــق الإسلامية، وتجديدها بين الحين والحين، بحركات جهـاد مستمرة ضد الممالك النصرانية المتحفزة، حركات جهـاد تمتص المشاكل الجنسيـة الداخلية، وفي الوقت نفسه توقف النصارى عند حدودهم وتجعلهم في موقف الدفاع لا الهجوم ..
والعامل الثاني البارز كذلك، هو ترك بعض هؤلاء الخلفاء الأمور لحجابها أو نسائهم، مما مكن رجل المنصور بن أبي عامر من سرقة الخلافة دون جهد.
ومن حقائق التاريخ التي نستفيدها من الوعي به، وقوانينه، أن الدولة التـي لا تفهم طبيعة تكوينها وتعمل على إيجاد حل دائم ملائم لهذه الوضعية، تكون معرضة للزوال .. وهذا هو الذي آلت إليه أمور بني أمية في الأندلس بعد حياة دامت قريبًا من ثلاثة قرون ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل