; قراءات في الشعر الإسلامي العالمي مع الشاعرة الموريتانية مباركة بنت البراء | مجلة المجتمع

العنوان قراءات في الشعر الإسلامي العالمي مع الشاعرة الموريتانية مباركة بنت البراء

الكاتب محمد شلال الحناحنة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 59

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 30-يونيو-1998

هل يعد تمجيد الأوطان، خروجًا عن المنهجية الإسلامية؟ وما مدى صدق اتهام الشعر الإسلامي بالتحليق خارج وطنه وسربه؟ أم أن الوطن في الشعر الإسلامي أعظم اتساعًا وشمولًا من التضاريس الخاصة والذاتية المحدودة ترى أين موقع الشعر الإسلامي من التغني بالوطن؟ كيف يغضي شعراؤنا إلى حس المكان مفعمين بهتاف قصائدهم الخاصة؟ وكيف يأوي هتافهم إلى مؤانسة الشعر وهدهدة إيقاعه وجماله.

هذه الأسئلة نهضت في ذهني عند قراتي النقدية لقصيدة: «ذكرى الصحراء» للشاعرة الموريتانية مباركة بنت البراء، وهي شاعرة تجهش دائمًا بصوت لوطن وترانيمه منذ ديوانها «ترانيم الوطن واحد» وهو يحمل نكهته الخاصة الشفيفة حتى في عنوانه، كما لها بحوث أدبية ودراسات نقدية أبرزها دراستها المطبوعة: «الشعر الموريتاني الحديث بين التأسيس والتأصيل» وهي تراس نادي الإبداع الثقافي في موريتانيا، أما قصيدتها ذكرى الصحراء، فقد كتبتها بعد زيارتها لقرية صحراوية تسمى «مزرك» حيث اشتعلت في نفسها ذكريات الطفولة العذبة وأحلام قريتها الصغيرة القابعة بين الكثبان فجاءت هذه القصيدة معبرة عن شعورها وحبها لوطنها وقريتها، جاءت تبوح بخصوصيتها الوجدانية، وتنبض بالوطن بشذى جغرافيته، وتمتد إلى صحرائه وشواطئه ومدنه وقراه وتقدم لنا الوطن بكل مباهجه وآلامه عبر مشاعر وجدانية ليغدوا عطاء متجددًا في نفوسنا، وحلمًا حميمًا عذبًا أمام انهيارات الحضارة المادية.

إذن قصيدة «ذكرى الصحراء» المنشورة في مجلة الأدب الإسلامي، قصيدة تحاور دواخلنا التي تهفو للصفاء أمام كدر الحياة وأزماتها وتتغنى بوطن يجوب المدى ليهز أشجار الذاكرة، ويوغل في رحابة الكون، وأسرار جماله وفوق ذلك كله هي قصيدة تفتح آفاقًا من النغم الجميل الجميل حين نقرأ:

محاصرًا كنت يا شعري ومستلبا *** وهاجسًا طالما عنى وما اغتربا

تجوب أرضك بحثًا عنك هل وطن *** إذا وقفت به تستلهم الأدبا

وكيف تستنزل الإلهام في زمن *** لا أصل للشعر لا تاريخ لا نسبا 

تلك الذكرى الحبيبة تعبق بعطر الماضي، وهي ذكرى الصحراء بكل شموخها تطل عليه بكل عذوبتها وأحلامها، أما الأفق الحاضر الذي تطل عليه الشاعرة، فهو يعج بالمفارقات المؤلمة فتقوم قصيدتها على المفارقة بين الصحراء بكل شفافيتها وقيمها النبيلة وبين المدينة المأزومة بالاستلاب والانطفاء والجدب والغربة، وهذا يطفئ فعل الكتابة، ويؤدي إلى انهيار الهاجس الشعري، ويلغي تجلياته، ومن هنا كانت شاعرتنا الموريتانية تنزف الآهات لتفضي إلى أهات أكثر مرارة:

لم يبق مني ومن شعري سوى قلم *** ينأى قصاصات حبر مزقت إربا

شرارة الحرف من صوتي قد انطفأت *** ومن خيالي ولى الشعر أو نضبا 

أليس هذا الشعر يحمل بذور تناميه الفني عبر لغة جديدة، وصور شعرية مبتكرة قادرة على حوار الآخر وعلى إبراز القيم الوجدانية المرهفة العذبة ألا يدمغ هذا الشعر كثيرًا من أباطيل النقاد العلمانيين في وصف شعرنا الإسلامي، بأنه يلوك الصور الشعرية المستهلكة، وينأى عن التحليق في فضاء الفنية الشعرية الرحبة، إذن هذا النشيد الروحي الجميل الخاص أضحى نشيدًا جماعيًا وجدانيًا للإنسان، والشعر أضحى نشيدًا للوطن، والصحراء من رملها ونخيلها إلى نبضها، حتى لو زعم المتربصون المرجفون أن قصائدنا بكاء ذاتي. 

إني التي جئت من «شنقيط» أحمل في ***الحافي النخل والصحراء والعربا

يا «مرزكًا» بلد النخل الأصيل *** مهدًا تلاقت به أسبابنا حقبا

يا معبرًا ظل للغادين منتجعًا *** ووطنًا ألف الأهلين والغربا 

إن القيمة الجمالية في القصيدة تبنى في فنيتها على التعبير الإسنادي من خلال تراسل ضمائر ثلاثة: أنا «الشاعرة»، أنت «الشعر»، أنت «مرزك» قرية «الشاعرة»، هكذا تنمو القصيدة من خلال هذا التراسل الإسنادي، وتزداد إشراقًا في الإلحاح على المسند الفعلي، فيهبها توهجًا وحركة، وعبر هذه القيم الجمالية المشرقة في القصيدة نقرأ: 

لو كان لي في زمان الجدب مكتسب *** لاخترت لي الشعر تاريخًا ومكتسبا

منك استقيت حروفي بعد أن نضبت *** وبعدما الشكل منها عام واضطربا

عرفت أحلامي الحيرى مجنحة *** ومنبعًا من دم الصحراء ما نضبا

أنت امتدادي ونبض من صميم دمي *** شعري الذي ضاع مني ها هنا كتبا

تحدثي لبني الصحراء عن قدري *** وكيف أرجعت لي الشعر الذي هربا 

إن المشهد الجمالي الحي البارز في القصيدة يتصاعد كذلك من خلال عنصر «التكرار» مما يدل على وجدانية التواصل الحميمي بين الشاعرة وقصيدتها، وهو تكرار في المعاني والألفاظ والصيغ الشعرية، وهي صيغ تتلون بين النداء والاستفهام والنص، مما أثرى التجربة الشعرية الوجدانية الخاصة التي تغرف القصيدة من معينها، فقد كررت لفظ الشعر أو شعري أكثر من عشر مرات ويمكن ملاحظة التكرار المعبر عن خصوصية الرؤية في قولها مثلًا:

«استقيت حروفي.. عرفت أحلامي... عرفت رمالي.. إني التي جنت إني وصلت هنا…».

أخيرًا، يظل هذا الشعر الوارف الحي نبضًا أصيلًا في قلوبنا وهو بحاجة إلى المزيد من القراءة المتأنية، القراءة التي لا تغفل جماله الفني الأخاذ على حساب مضمونه.

(*) شاعر وناقد أردني

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1210

98

الثلاثاء 30-يوليو-1996

إصدارات مختارة ( العدد1210)

نشر في العدد 1200

74

الثلاثاء 21-مايو-1996

المجتمع الثقافي عدد (1200)

نشر في العدد 1271

63

الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

المجتمع الثقافي  (1271)