العنوان قبسات من الفكر التربوي الإسلامي
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993
مشاهدات 135
نشر في العدد 1044
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-أبريل-1993
في محاولة لتسليط الضوء على جوانب من تراثنا التربوي الإسلامي ونفض الغبار عنه أتقدم بهذا الجهد المتواضع داعيًا المولى عز وجل أن ينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
توطئة
إن مصطلح التربية بمعناه الحديث لا
نجد له استخدامًا في المصادر القديمة، وقد كان يستخدم بدلًا منه مصطلحات أخرى كالتعليم
والتهذيب والأدب، ونحن إذا أرجعنا هذه اللفظة إلى أصلها اللغوي فإننا نجد أنها
ترجع إلى الفعل (ربا- يربو) بمعنى نما وزاد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا
أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ
زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5).
وقد عرفها علماء التربية المسلمون
بقولهم: هي إيصال الناشئ إلى كماله شيئًا فشيئًا.
وعرفها المفكر الإسلامي أنور الجندي
بقوله: هي الإعداد الروحي والنفسي للفرد، بحيث يكون مؤهلًا لتلقي التعليم والثقافة
على نحو موجه فيأخذ بما هو أساس وبناء وما يمده بالقدرة على أداء رسالته في الحياة
والمجتمع(١).
من أهداف التربية الإسلامية
للتربية الإسلامية أهداف جمة منها(٢):
١- بلوغ الكمال الإنساني، ومن تمامه
مكارم الأخلاق.
٢- تقوية الروابط بين المسلمين عن
طريق توحيد المشارب والميول والأفكار.
٣- العناية بالنواحي النفعية ويتضح
هذا من كتاب عمر بن الخطاب إلى ولاته «أما بعد، فعلموا أولادكم السباحة والفروسية
ورووهم ما سار من المثل، وما حسن من الشعر».
٤- إكساب الناشئ حرفة تنفعه في كسب
عيشه، وفي هذا يقول ابن سينا «إذا فرغ الصبي من تعلم القرآن، وحفظ أصول اللغة، نظر
عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فيوجه لطريقه».
٥- إعداد المسلم الصالح في ذاته
المصلح لغيره.
من خصائص الفكر التربوي الإسلامي
١- العمق:
فهو لا يكتفي بمجرد الوقوف عند حد
الأمور الجزئية أو النظر إلى الظواهر وإنما يسعى لفهم أسرار الوجود امتثالًا لدعوة
القرآن الكريم ﴿ )
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20) ﴿قُلِ
ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِی ٱلسَّمَـٰوَتِ وَالۡأَرۡضِۚ﴾ (يونس: 101).
٢- العالمية والبعد عن التعصب أو
التمييز العرقي أو الاجتماعي ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ (الحجرات:
13).
٣- إحداث التوافق بين الفرد
والجماعة.
٤- السعي لتحرير الإنسان من الحرمان
والجهل والخوف وعدم السماح بدخول الخرافات والأوهام إلى ذهنه.
٥- الأصالة والإنسانية.
٦- التوازن: حيث ينظر إلى الإنسان
نظرة متوازنة باعتباره مخلوقًا ماديًا فيه نفخة من روح الله فلا يعلي الجانب
المادي على حساب الروحي أو العكس ولكنه يهتم بالجانبين معًا(٣).
وبعد هذه المقدمة، فإنني سأجول عبر
تراثنا التربوي لأغترف قطرة من بحر زاخر وأقطف زهرات من حديقة غناء، محاولًا إثبات
سبقنا في هذا الميدان وإبراز الآراء والأفكار الثمينة لـ علمائنا ومفكرينا الأفاضل
الذين سبقوا عصورهم وبزوا من جاء بعدهم من مفكري الشرق والغرب.
١- إلزامية التعليم:
وهي فكرة حديثة في تصور الكثيرين ولكن لا يأخذنا العجب حينما نعلم أن هذه الفكرة
قد سبق بها علماء التربية من المسلمين وعلى رأسهم القابسي من علماء القرن الرابع
الهجري، وقد استنبط هذا الحكم من خلال أدلة قوية حيث يقول: «ذلك أن معرفة العبادات
واجبة بنص القرآن، ومعرفة القرآن واجبة أيضًا لضرورتها في الصلاة، وأن الوالد مكلف
تعليم ابنه القرآن والصلاة. فإذا لم يتيسر للوالد أن يعلم أبناءه بنفسه فعليه أن
يرسلهم إلى الكتّاب لتلقي العلم بالأجر، فإذا لم يكن قادرًا فأقرباؤه مكلفون بذلك،
فإذا عجزوا فالمحسنون مرغبون في ذلك أو معلم الكتّاب يعلم الفقير احتسابًا أو من
بيت المال.
والنتيجة التي يريد الوصول إليها هي
تعليم جميع أبناء المسلمين أغنياء وفقراء، وهذا التعليم الإلزامي بعينه دعا إليه
هذا المفكر المسلم في وقت كانت فيه أوروبا تسبح في دياجير الظلم والتخلف»(٤).
٢- تعليم الإناث:
ثبت عن المعلم الأول صلى الله عليه وسلم أنه خصص للنساء يومًا يعلمهن فيه، ولا غرو
في ذلك إذ التكاليف عامة في حق الجنسين والقيام بها لا تأتي إلا بعد التعلم، لذا
فقد درست الفتاة المسلمة الدين والأدب والطب. وكان من النساء عبر تاريخنا الفقيهات
والأديبات والمحدثات كعائشة أم المؤمنين التي يقول فيها عروة بن الزبير: ما رأيت
أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة.
وقال الذهبي: وما علمت من النساء من
اتهمت ولا من تركوها.
ومن النساء الشهيرات في علم الحديث
كريمة المروزية وسيدة الوزراء وكانت من أهم راويات الحديث عند البخاري، وقد ذكر
الحافظ ابن عساكر أن عدد أساتذته من النساء كان بضعًا وثمانين أستاذة، وقد نبغ من
الإناث المدرسات للإمام الشافعي وابن خلكان وأبي حيان(٥)، وقد عقد ابن
سعد جزءًا في كتاب الطبقات الكبير لراويات الأحاديث من النساء أتى فيه على أكثر من
سبعمائة امرأة روين عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو الثقات من أصحابه وترجم ابن
حجر حياة (١٥٤٣) محدثة وقال عنهن: إنهن كن ثقات عالمات، كما خصص النووي في تهذيب
الأسماء، والخطيب في تاريخ بغداد، والسخاوي في الضوء اللامع، حيزًا كبيرًا للحديث
عن النساء اللائي كانت لهن ثقافة عالية، وخاصة في العلوم الدينية ورواية الحديث،
ومنهن نفيسة بنت الحسن التي جلس إليها الشافعي في مصر وسمع منها، وزينب بنت عبدالرحمن
التي سمعت من محمد بن القاسم وأبي المظفر القشيري، وأجاز لها الزمخشري، وقد أجازت
ابن خلكان وهو طفل(٦).
٣- مراعاة الفروق
الفردية بين المتعلمين: أشار إلى حقيقة وجود
التفاوت بين الناس في الفهم والتطبيق، الحديث النبوي المتفق عليه والذي رواه أبو
موسى رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني
الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت
الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا
منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت
كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم
يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (صحيح مسلم).
ويقول علي في إشارة واضحة إلى وجوب
الانتباه إلى هذه القضية: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذَّب الله
ورسوله» رواه البخاري.
ويقول الغزالي مؤكدًا هذه الحقيقة
وموجهًا المعلمين إلى وجوب ملاحظتها أثناء التعليم:
«وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى
بعلاج واحد قتل أكثرهم، كذلك المربي لو أشار على المريدين بنوع واحد من الرياضة
أهلكهم وأمات قلوبهم، وإنما ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما
تحمله نفسه من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته»(٧).
وهذا ما أصبح ينادي به علماء التربية
في عصرنا من مراعاة المستويات العقلية للتلاميذ وقدراتهم وميولهم ووجوب ملاحظتها
في التدريس، فالمعلم مطالب بأن ينزل تلاميذه منازلهم ويخاطبهم على قدر عقولهم وعلى
ضوء مستويات ذكائهم وبالأسلوب الذي يفهمونه وبالطريقة التي يستوعبونها، وقد سبق
الإسلام إلى هذا بأزمنة طويلة.
٤- ضرورة إلمام المعلم
بفنون وطرائق التدريس: هذه القضية التربوية
التي قد يخيل للكثيرين أنها عصرية هي من القضايا التي سبق علماؤنا إلى الحديث عنها
والإشارة إليها في كتاباتهم. يقول ابن خلدون المولود عام ٧٣٢هـ: «ومما يدل على أن
تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه فلكل إمام من الأئمة المشهورين اصطلاح في
التعليم يختص به شأن الصناعات كلها فدل ذلك على أن الاصطلاح ليس من العلم وإلا
لكان واحدًا عندهم جميعًا. وملازمة المجالس العلمية وكثرة الحفظ ما يلزم في المعلم
فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة والعمل على تحصيل الملكة التي هي صناعة التعليم».
ثم يوجه نقدًا شديدًا إلى بعض
المعلمين في زمانه لتركيزهم على تربية الحافظة، وحشو أذهان الدارسين بمعلومات لا
تترك أثرًا في عقولهم فيقول: «إن مدة الدراسة في بلاد المغرب تصل إلى ست عشرة سنة،
ومع ذلك لا يحصل الناشئون على المهارة في العلم وكسب الملكة فيه بسبب عناية
مدارسهم بالحفظ دون سواه، وهذا بعكس النظام التربوي في المدارس التونسية فمدة
الدراسة لا تزيد على خمس سنوات، ومع ذلك يحصل الناشئون على الملكة في العلم بسبب
اهتمام المدرسين بالبحث والمناظرة وحمل التلاميذ على التفكير مع مراعاة
استعداداتهم»(٨).
فمن مفاخر المسلمين أنهم أدركوا أن
الإلمام بالمادة العلمية لا يكفي لصنع المعلم بل لابد من إتقان أساليب التدريس
وطرائقه.
_____________
الهوامش:
١- التربية وبناء الأجيال- أنور
الجندي ص١٥٣
٢- للاستزادة: انظر التربية
الإسلامية وتطورها لمحمد منير مرسي، التربية الإسلامية وفلاسفتها لمحمد عطية
الإبراشي.
٣- للمزيد: انظر في الفكر التربوي
الإسلامي- بركات لطفي- وفي التربية الإسلامية لعبد الغني عبود.
٤- التربية في الإسلام- أحمد فؤاد
الأهواني ص١٦.
٥- التربية الإسلامية وفلاسفتها-
محمد عطية الإبراشي ص١٣١.
٦- تاريخ التربية الإسلامية- أحمد
شلبي ص٣٢٧.
٧- إحياء علوم الدين- أبو حامد
الغزالي ج١.
اقرأ أيضا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل