; مؤامرة جديدة للأمم المتحدة ضد مسلمي قبرص | مجلة المجتمع

العنوان مؤامرة جديدة للأمم المتحدة ضد مسلمي قبرص

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1101

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-مايو-1994

مؤامرة غالي ضد مسلمي قبرص

·       دنگتاش يرفض ضغوط غالي ويكشف البنود الإضافية التي أضافها غالي لصالح اليونانيين الأرثوذكس.

·       بعد حملة إعلامية ضدها تنفي تشيللر أنها تعهدت أمام كلينتون بأية تعهدات ضد مسلمي قبرص.

·       كلينتون والمجموعة الأوروبية وبطرس غالي يمارسون ضغوطًا على تركيا لإجبار مسلمي قبرص للقبول بالحل المفروض.

تشير التطورات الأخيرة الخاصة بحل المشكلة القبرصية والتي اتضحت ملامحها بشكل جلي للعيان خلال شهر أبريل «نيسان» الماضي، إلى أن ما يحدث ضد المسلمين في البوسنة والموقف الدولي منه ليس حادثًا عارضًا بسبب التعصب الصربي الأرثوذكسي، وإنما هي سياسة دولية تنتهجها الأمم المتحدة بشكل فج ضد المسلمين في أي مكان في العالم، وذلك تلبية للرغبات الأرثوذكسية والكاثوليكية في محاولة للثأر التاريخي منهم.

فها هو الرئيس بيل كلينتون يتفق في وجهة النظر مع بوريس يلتسن الروسي، ومع بطرس غالي السكرتير العام للأمم المتحدة وباباندريو رئيس الوزراء اليوناني كذلك، وزعماء الاتحاد الأوروبي، حيث يؤيد الجميع صيغة الحل التي وضعها الدكتور غالي والتعديلات التي أدخلها عليها لتلبي كافة المطالب الأرثوذكسية في الجزيرة القبرصية، وتعيد المسلمين الأتراك فيها من جديد لسطوة الأرثوذكس.

وكان شهر أبريل «نيسان» الماضي قد شهد العديد من المحاولات لوضع المؤامرة الجديدة ضد المسلمين الأتراك في حيز التنفيذ، حيث التقى الرئيس بيل كلينتون في واشنطن مع السيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية يوم 14 /4 /1994 وطلب منها ضرورة الضغط على رؤوف دنكتاش رئيس جمهورية قبرص التركية للرضوخ لمقترحات الدكتور غالي، وهو ما وعدت به، إلا أنها تراجعت عنه بسبب الهجوم الإعلامي ورفض الأحزاب المعارضة والغضب الشعبي في تركيا، مؤكدة أنها لم تعد كلينتون بشيء. كما التقى كلينتون أيضًا مع أندرياس باباندريو رئيس الوزراء اليوناني في 22 /4 /1994 وأبلغه بوقوف واشنطن مع أثينا لحل القضية القبرصية لصالح القبارصة اليونانيين، وأنه سيمارس ضغوطًا على أنقرة في سبيل ذلك.

واجتمع باباندريو كذلك بالسكرتير العام للأمم المتحدة بطرس غالي في نيويورك يوم 28 /4 /1994م، بينما كان مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة يبذل جهوده في أنقرة لدفع مسيرة الحل الاستسلامي، حيث أشار جو كلارك المبعوث الخاص لغالي أن قبول القبارصة الأتراك بمقترحات بناء الثقة ضرورة لتحريك الموقف قبل اتخاذ إجراءات دولية! والموقف الأمريكي المعلن رسميًا على لسان الرئيس بيل كلينتون يتلخص في إجبار دنكتاش على التفاوض وفق ملحق اقتراحات بناء الثقة الجديد، والتي جاءت كمحاولة من بطرس غالي لتفريغ المقترحات الأساسية التي وافق عليها القبارصة الأتراك من محتواها لتلبي الهوى اليوناني.

وملحق الاقتراحات الجديدة يختلف عن مقترحات بناء الثقة التي وافق القبارصة الأتراك عليها، حيث إن تلك المقترحات كانت تنص على الفتح المتزامن لمطار ليفكوشه «نيقوسيا» مع إعادة فتح مدينة مرعش «فاروشة»، إلا أن الملحق ألغى ذلك التزامن، مما يعني أنه يمكن عدم تحقيق القبارصة اليونانيين للجزء الخاص بهم في موضوع المطار، خاصة وأن إعادة تأهيل المطار للعمل ستستغرق سنة على أقل تقدير، كما أن السكرتير العام للأمم المتحدة يرفض إعطاء ضمان للقبارصة الأتراك، وبالتالي يخسر القبارصة الأتراك ورقتي مرعش والمطار مما سيضعف موقفهم التفاوضي.

كما أن ملحق المقترحات الجديدة أعطى مراقبة المرور من الممرات التي تحت سيطرة الطرف التركي في مرعش «فاروشة» إلى قوات الأمم المتحدة ولم ينص على المرور الحر، كما كانت تنص مقترحات بناء الثقة، والتي كانت تعطي للقوات التركية حق الإشراف ومراقبة المرور أيضًا، ولكنها نصت على المرور الآن.

كما نسخ ملحق مقترحات غالي الجديد حق القبارصة الأتراك في مخرج من الجمارك يخصهم مقابل آخر لليونانيين، حيث أقرت المقترحات الجديدة حق الإشراف والسيطرة على الجمارك لقوات الأمم المتحدة، علاوة على التراجع عن إعطاء مواطني قبرص التركية حق الخروج بحرية من مطار ليفكوشه، وأعطى تقدير هذا الحق للأمم المتحدة أيضًا، مما يعني عدم الاعتراف بهوية القبارصة الأتراك، ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه.

مسلسل الضغوط

والضغوط التي تمارس على رؤوف دنكتاش ليست هي الأولى من نوعها، ولكنها جزءٌ من المسلسل الطويل الذي يثبت أنه مع كل تنازل من جانب القبارصة الأتراك لحل المشكلة يتبعه ضغط أكثر للحصول على المزيد من التنازلات، ففي عام 1980م وافق دنكتاش على حل يعطي للأتراك مساحة من الأراضي ما بين 29% و30% من الجزيرة، رغم أنهم يسيطرون حاليًا ومنذ عام 1974 على 34%، أي بما لا يقل عن 29% ولا يزيد عن 30%، إلا أنه بسبب الضغوط عاد وقبِل بنسبة 29% تلبية للضغوط الأمريكية في العام الماضي، ووافق على التنازل عن بعض القرى على الخط الممتد من ليفكوشه ومرعش وحول كوزل يورت، وإن كان تمسك بها.

وكان مجلس الأمن قد أصدر في 15 /11 /1992م قرارًا بالإجماع يحمل رقم 789 ينص على عدم موافقة المجلس على استمرار الوضع الحالي بالجزيرة وضرورة التوصل إلى اتفاقية في أسرع وقت ممكن، طبقًا لسلسلة أفكار الأمين العام للأمم المتحدة. وأشار المجلس إلى أن الطرف التركي هو السبب الرئيسي لعدم تحقيق الهدف المطلوب، ودعا المجلس الطرف التركي لاتخاذ ما يلزم للتجاوب مع أفكار الدكتور بطرس غالي، وأشار القرار إلى ضرورة تخفيض عدد الجنود الأجانب -يقصد الأتراك- وإحداث التقدم اللازم في العلاقات بين الطرفين من خلال تخفيض الشروط المطبقة عند المرور عبر المنطقة المحايدة، وضرورة تعاون الطرفين مع قوات الأمم المتحدة وتسليم مرعش «فاروشة» إلى هذه القوات.

وكان تعليق دنكتاش آنذاك على هذا القرار بأنه يضعهم أمام خيار واحد هو الكفاح وإلا صاروا أقلية، كما أن الروم الأرثوذكس سيفعلون بهذا القرار ما فعلوه من قبل سنة 1963م باستخدام السلاح، وفي حالة قبول القبارصة الأتراك للقرار فإن هذا يعني أن تتحول قبرص إلى بوسنة جديدة خلال سنتين أو ثلاث. ووصف حكمت تشتين وزير الخارجية التركي ذلك القرار بأنه ليس قرار سلام، وأنه منحاز وغير منصف ولا يرى إمكانية في تطبيقه. وقال إن أفضل وسيلة للحل هي اختيار رئيس الجمهورية بالتناوب، أي مرة يكون روميًا أرثوذكسيًا، ومرة يكون مسلمًا تركيًا، وأن تكون النسبة في مجلس الوزراء 4 إلى 6، وبالنسبة للمتغيرات الدولية فإن الحل الفيدرالي هو الأمثل.

بينما كان جورج فاسيليو رئيس الوزراء السابق في القطاع اليوناني من الجزيرة في أسعد أيامه، حيث قال إن يوم إعلان القرار هو أسعد يوم في حياته، وأنه في حالة عدم قبول دنكتاش بالقرار فإن مجلس الأمن سيصدر قرارات أشد منه.

وكانت المفاوضات التي تمت في شهر يوليو وأغسطس وأكتوبر عام 1962م بين طرفي النزاع فاشلة بسبب أسلوب غالي التفاوضي ومحاولاته ابتزاز الطرف التركي، حيث وصف دنكتاش مواقف غالي قائلًا: يجب أن نسأل بطرس غالي صراحة هل تهدف تقديم الدعم لمن يريد القضاء على العنصر التركي في الجزيرة؟ وهل ذلك من واجبات الأمم المتحدة في الجزيرة؟ كيف يعد غالي خطة لطرد المهاجرين من أماكنهم قبل استشارتهم وبدون خطة مسبقة؟

وكان رؤوف دنكتاش قد أشار في كلمته أمام مجلس الأمن عند إصدار قراره إلى أن عودة اليونانيين إلى كوزل يورت سوف تشعل الفتنة هناك، وتساءل: ماذا ستفعلون إذا افتعل اليونانيون أحداثًا؟ وأجاب: سوف ترسلون قوات أكثر. وقال موجهًا كلامه إلى دوجلاس هيرد وزير الخارجية البريطاني: لو كانت بريطانيا قد أدت ما عليها كدولة ضامنة في عامي 1963م و1974م ما كنا نناقش هذا الموضوع اليوم. ماذا فعلتم كدولة ضامنة وتتهمونني الآن؟

ثم هاجم دنكتاش مجلس الأمن قائلًا: لقد زادت فاعليتكم مؤخرًا، ونتمنى أن يكون المجلس أعدل مما هو عليه. وأضاف: إنني لا أقبل طلباتكم، فأخبروني ماذا ستفعلون لأخبر شعبي وأعتقد أنه لن يخاف. وأوجه لكم سؤالًا: هل ستفرضون علينا مقاطعة وهي مستمرة منذ 18 سنة فعلًا؟ هل سترسلون جيوشًا إلينا؟ أم سترسلون الأسطول السادس؟

جدير بالذكر أن خريطة تقسيم الأراضي التي رسمها غالي تعطي للأتراك 28.2% فقط وتنزع مدينة كوزل يورت الهامة من أيديهم. وكان دوجلاس هيرد وزير الخارجية البريطاني قد بعث برسالة إلى دنكتاش جاء فيها: لن يسمح لكم أحد أن تتمسكوا بأراض أكثر من حقكم إلى ما لا نهاية. وفي تصريح له يوم 23 /7 /1993م قال هيرد: إنه لم يتبق على حل القضية القبرصية إلا خطوة واحدة، وسوف تحاول بريطانيا بصفتها دولة ضامنة إقناع الطرفين أن يخطواها.

أسئلة دنكتاش تكشف المؤامرة

وحاول السكرتير العام للأمم المتحدة تحقيق خطته من خلال تقديم حلول جزئية بهدف تحريك الموقف والحصول على ما يريد خطوة خطوة، فأعد ما يعرف بمقترحات بناء الثقة بين الطرفين بعد الفشل في الاتفاق على انسحاب الأتراك من كوزل يورت، فاقترح غالي تسليم مرعش وانسحاب الأتراك منها مقابل إعادة فتح مطار ليفكوشه على أن يستخدمه الطرفان، ورفع 80% من الحظر المفروض على جمهورية شمال قبرص، وهي المقترحات التي كان من المفروض أن تتم على أساسها المباحثات في يونيو الماضي 1993م، والتي لم تتم لرفض غالي الإجابة عن أسئلة دنكتاش، وبذلك كانت مباحثات مايو 1993م هي الأخيرة. وكانت شروط غالي تتضمن الموافقة على تلك المقترحات دون أي استفسار وهو ما رفضه دنكتاش، حيث قدم سلسلة من الأسئلة المشروعة قبل العودة إلى مائدة المفاوضات، وهي:

1- في حالة بداية استخدام مطار ليفكوشه لاستقبال الطائرات، هل سيتم إغلاق مطار أرجان الذي يريد القبارصة الأتراك استمرار استخدامه؟

2- هل سيتمكن المواطن القبرصي التركي الذي يحمل جوازًا تابعًا لجمهورية شمال قبرص التركية من الدخول والخروج من المطار؟ وهل ستعترف به الإدارة اليونانية أم لا؟

3- سيبقى مطار ليفكوشه تحت الإدارة القبرصية اليونانية دون أن يوضح اليونانيون هل سيقبلون بإدارة مجلس الأمن للمطار؟ فهل عندما يرى مجلس الأمن عدم إمكانية قصفنا من المطار.. هل يحثنا بذلك ويدفعنا لقبول الحماية اليونانية من الناحية السياسية؟

وكان الدكتور غالي قد صرح عقب مفاوضات مايو الماضي أنه أعطى فرصة لدنكتاش لمراجعة القوى السياسية في شمال قبرص وتركيا قبل التوقيع على المقترحات، في حين أكد كليريديس رئيس الوزراء القبرصي اليوناني والذي حل مكان فاسيليو أن دنكتاش عليه تقديم إجابة واحدة هي القبول دون طرح أي أسئلة مجددًا، وهو الأمر الذي رفضه دنكتاش آنذاك، ودعمه مجلس الشعب التركي في بيان تاريخي صدر في 17 يونيو الماضي، مؤكدًا رفض نواب الشعب التركي لأساليب المناورات السياسية والضغوط الدولية.

وكان وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي قد بعث برسالة إلى أنقرة خلال يونيو الماضي أيضًا يحثها فيها على قبول مقترحات غالي لأنها مفيدة للجانبين.

وعمومًا وبسبب رفض غالي الإجابة عن أسئلة دنكتاش المشروعة ودخول قبرص التركية إلى دوامة الانتخابات البرلمانية الخامسة، والتي أجريت في ديسمبر الماضي جمدت الموقف تمامًا، وإن كان الرئيس بيل كلينتون الذي وعد اللوبي اليوناني أثناء حملته الانتخابية بحل المشكلة القبرصية لصالح اليونانيين قد حث السيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية أثناء مباحثاتهما في أكتوبر الماضي بواشنطن لبذل جهودها لإقناع دنكتاش للتجاوب مع مقترحات الدكتور غالي، ووعدته بتحقيق ذلك بعد الانتخابات العامة في قبرص التركية.

العودة للمفاوضات

وبالفعل تشكلت حكومة ائتلافية جديدة من الحزبين الديمقراطي بزعامة حقي أطون، والجمهوري بزعامة أوزكور أوزجور، حيث تولى الأول منصب رئيس الوزراء والثاني مساعد رئيس الوزراء في جمهورية شمال قبرص التركية. وكان الحزب الوطني بزعامة درويش إروغلو رئيس الوزراء السابق قد حصل على 17 مقعدًا مقابل 15 للديمقراطي و13 للجمهوري و5 للاستقلال الوطني، بينما فشلت باقي الأحزاب في الحصول على نسبة 5% المطلوبة لدخول المجلس. وأعلن رؤوف دنكتاش في يناير الماضي استعداده للعودة لمائدة المفاوضات التي كانت قد توقفت في مايو الماضي 1993 بسبب تصميمه على الحصول على إجابات للأسئلة التي كان قد وجهها للدكتور غالي، إلا أنه لم يشترط الإجابات للعودة هذه المرة، حيث أعلن دنكتاش يوم 20 يناير الماضي موافقته على العودة للمفاوضات، وذلك عقب اجتماع لمجلس الوزراء الجديد في شمال قبرص التركية، وشدد على أنهم لن يكونوا المنسحبين من المفاوضات.

وكان دنكتاش قد بعث بخطاب لغالي يؤكد فيه قبوله لبدء المفاوضات على أساس مقترحات بناء الثقة مطالبًا باستمرار عمل مطار أرجان في قبرص التركية، والسماح للخطوط الجوية القبرصية التركية بالهبوط في مطار ليفكوشه واستخدام الطرف التركي له في عمليات الصادرات والواردات وتسهيل السياحة.

الرفض اليوناني

وكان رد الفعل اليوناني على موافقة دنكتاش سلبيًا، حيث اعتبروا ذلك مناورة وأنها لا تحمل طريقًا حقيقيًا للتقدم، ووصفوا مقترحات الثقة بأنها خطرة على الجانب اليوناني! في الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى أن ازدياد حجم قواته المسلحة من 28 ألفًا إلى 100 ألف وراء التشدد اليوناني، كما تم إنفاق 345 مليون دولار مؤخرًا على تسليح الجيش الرومي الأرثوذكسي من خلال استيراد أسلحة من كل من فرنسا وإيطاليا واليونان والبرازيل، حيث تم تزويده بطائرات غازيل، ودبابات AMX-30 ومدرعات VTT وصواريخ أرض جو من طراز أبيلاس، وأكسوزيت، وارتفع عدد الدبابات إلى 180 دبابة منهم 94 دبابة من القوات اليونانية تم إرسالها إلى قبرص، علاوة على قيام اليونان بتزويد قوتها في الجزيرة المعروفة باسم ELDYK بصواريخ هوك، ويتم حاليًا تشكيل قوة تدخل سريع يونانية تتكون من 3 آلاف من رجال القوات الخاصة لاستخدامهم في عمليات متوقعة في قبرص، وكل ذلك أدى إلى دعم الموقف التفاوضي للجانب القبرصي الرومي الأرثوذكسي، علاوة على أن فوز الديمقراطيين بالحكم في واشنطن صب في صالح أرثوذكس الجزيرة، مما شدد من موقفهم أكثر.

وشهدت الفترة الماضية نشاطًا مكثفًا من قبل جو كلارك ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة لحل القضية القبرصية، حيث زار هو ونائبه كلًا من أثينا وأنقرة وليفكوشه ولارناكا في محاولات لتحريك الموقف وفق مجموعة من الاقتراحات الجديدة تضر بالجانب التركي، وهي التي أشرنا إليها في بداية الموضوع، والتي أسماها الدكتور غالي ملحق الاقتراحات، وهو ما حاول كلارك الترويج له في جولة فبراير الماضي لإرضاء القبارصة اليونانيين؛ حيث إن قبول الأتراك للمقترحات كشف الرفض اليوناني لها.

الموقف الأمريكي

وكان الرئيس الأمريكي قد قدم تقريرًا إلى الكونجرس في أبريل الماضي حول القضية القبرصية طالب فيه بضرورة عدم إضاعة الفرصة التاريخية الحالية لحل المشكلة، مؤكدًا على أن الجهود المبذولة من نوفمبر حتى مارس الماضي قد حققت تقدمًا ملموسًا من الضروري توظيفه لحل المشكلة، وأكد دعم واشنطن الكامل لمقترحات الدكتور غالي، مشيرًا إلى أن المسؤولين الأتراك أبدوا موافقتهم عليها أيضًا.

وقال دنكتاش في تعليقه على تقرير كلينتون الذي استند إلى تقرير روبرت لامب المنسق الأمريكي الخاص بالقضية القبرصية، والذي كان قد زار كلًا من موسكو ولندن في فبراير الماضي لتنسيق المواقف حول القضية القبرصية؛ لضمان موقف موحد في مجلس الأمن في حالة إثارتها من جديد: قال إن التقرير لم يشر إلى العقبات الموجودة في طريق مقترحات بناء الثقة، ووصف المفاوضات في ظل تلك الظروف بأنها مميتة.

وأعلن الرئيس بيل كلينتون في المؤتمر الصحفي المشترك مع أندرياس باباندريو رئيس الوزراء اليوناني يوم 22 /4 /1994 أن القضية القبرصية ستشهد تطورًا هامًا خلال الأيام المقبلة. وأبلغ مستشار كلينتون المسؤول اليوناني رسالة فحواها أن السيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية تعهدت أثناء اجتماعها في 14 /4 /1994 مع الرئيس الأمريكي بموافقة رؤوف دنكتاش على كافة مقترحات غالي، وهو الأمر الذي أثار ردود فعل عنيفة ضد تشيللر في تركيا رغم أنها نفت قيامها بقطع أي وعد حول ذلك لكلينتون.

النفي التركي

قال سليمان ديميريل رئيس الجمهورية: إنه لا يمكن قبول أي مقترحات تتعارض مع حقوق قبرص التركية، وطالب نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه، والذي كان قد وقع قرار التدخل العسكري التركي لإنقاذ مسلمي قبرص من المذابح عام 1974 عندما كان نائبًا لرئيس الوزراء بوضع محضر اجتماعات تشيللر– كلينتون في أرشيف الدولة فورًا، مؤكدًا أن تركيا لن تعطي موقعًا لأحد، وهو نفس الأمر الذي طالب به مسعود يلماظ زعيم حزب الوطن الأم مطالبًا بضرورة قيام تشيللر بإلقاء بيان حول ما يتردد، وهو ما طالب به كل زعماء الأحزاب التركية.

ونفت السيدة تشيللر أن تكون قد تعهدت بشيء للرئيس الأمريكي، مشيرة إلى أن المشكلة القبرصية حساسة جدًا ولا يمكن القيام بخطوة تتعارض مع المصالح التركية وشمال قبرص.

وأضافت تشيللر بأنها قالت لكلينتون عند إثارته لمقترحات بناء الثقة أن دنكتاش قبلها وأن تركيا دعمت ذلك، إلا أن الاقتراحات تغيرت، وأنه سيكون من المناسب بذل الجهود لإحراز تقارب فيما بين وجهات النظر حتى نهاية أبريل.

ونفت في كلمتها أمام مجلس الشعب التركي الذي عقد جلسة خاصة لمناقشة هذه التطورات يوم 26 /4 /1994 أنها تعهدت بأي شيء للرئيس كلينتون، مشيرة إلى ضرورة أن تبقى قبرص جزيرة للتعاون والسلام ولا يجب أن تكون بوسنة أخرى.

وأصدر مجلس الشعب التركي بيانًا يدعم فيه موقف دنكتاش للوصول إلى حل سلمي عادل للمشكلة عبر الإرادة الحرة للشعبين في الجزيرة.

الكثلكة السياسية

ويبدو أن الجهود الأمريكية المبذولة حاليًا لحل القضية القبرصية لصالح الطائفة اليونانية في الجزيرة تدخل في إطار الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف إلى بداية الحوار التركي– اليوناني، وهي المقدمة لدخول تركيا الاتحاد الأوروبي ليمكن ترويضها وكثلكتها سياسيًا بشكل أكبر في محاولة لاحتواء تنامي المد الإسلامي والقومي فيها، والذي يمثله حزبا الرفاه الإسلامي والحركة القومية، حيث ترى واشنطن أن استمرار بقاء تركيا على الباب الأوروبي مدة أطول سيساهم في ابتعادها عن حدة التعصب الديني -على حد تعبير بعض المعلقين الأمريكيين- بينما يمكن للاتحاد الأوروبي احتواؤها وتذويبها، ولن يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل الصراع التركي- اليوناني والذي تمثل المشكلة القبرصية أهم عناوينها الرئيسية. ومادام تحقيق الأهداف يحتاج دائمًا إلى تضحيات، فلا مانع إذن لدى كل الأطراف من التضحية، وبما أن تركيا هي الطرف الأضعف حيث إنها في حاجة إلى الدعم الأمريكي لعبور الأزمة الاقتصادية الحالية، فعليها تحمل الجانب الأكبر من تلك التضحيات، والتي أولها تقديم رؤوف دنكتاش كبش فداء لذلك. إلا أن وسائل الإعلام التركية أسهمت في كشف هذه المؤامرة قبل تحقيقها، مما جعل الجميع يتراجعون خشية غضب الشعب التركي الذي لا يمكنه القبول ببوسنة جديدة على أبوابه، أو أن تذهب أرواح شهداء 1974 هباءً. إلا أن المؤامرة مازالت مستمرة ضد قبرص التركية والتي هي في حاجة إلى دعم عربي وإسلامي، والاعتراف بتلك الجمهورية المسلمة واجب إسلامي يدعمها في مواجهته مخطط البوسنة الجديد، الذي يعده الدكتور غالي حيث يصر على إخضاع القبارصة الأتراك لأفكاره، مهددًا بمطالبة مجلس الأمن باتخاذ إجراءات تنفيذية ضدهم إذا لم تحل المشكلة خلال العام الحالي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل