الثلاثاء 08-أغسطس-1972
حين تذهب إلى التاريخ تتلقى منه تلقي التلميذ المتعلم، وليس تلقي التلميذ المتحجر المكابر، يروعك أنك تقرأ نفسك ومجتمعك وأحداث عصرك في بعض صفحاته، وتكاد تحس بأن ما يدور حولك ليس إلا آخر طبعة من كتاب التاريخ، وأن الذين يظنون أنفسهم آخر حلقات التاريخ -أي أفضلهاـ أو يظنون أنفسهم خارج دائرة التاريخ.. هؤلاء وأولئك قوم مخدوعون، يمتازون بالغباء الشديد والسذاجة المفرطة.
إنَّ قصة خروجنا من الأندلس هي قصة خروجنا من فلسطين، وسيناء، والجولان، وغزة.. إنها لم تكن قصة انتصار عدو قوي علينا بقدر ما كانت قصة هزيمتنا أمام أنفسنا.. قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضًا كما تأكل الحيوانات المنقرضة بعضها.
وكان سقوط «قرطبة» أكبر معاقل الإسلام في الأندلس سنة 633هـ بداية النهاية لسقوطنا التام في الأندلس.. وقد اضطر ابن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة إلى أن يهادن ملك قشتالة النصراني وأن يعقد معه صلحًا لمدة عشرين سنة، وأن يسلم له -بناء على شروط الصلح- مدينة جيان وما يلحق بها من الحصون والمعاقل، وأن ينزل له عن أرجونة وبيغ والحجار وقلعة جابر وأرض الفرنتيرة.
واعترف بالطاعة لملك قشتالة، وتعهَّد بأن يؤدي إليه جزية سنوية قدرها مائة وخمسون ألف مرافيدي «العملة الإسبانية»، وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه «المسلمين»!
وعندما استغل ملك قشتالة هذا الصلح ليتفرغ لضرب المسلمين الآخرين وهاجم مدينة إشبيلية قاعدة غربي الأندلس كله.. كانت كتيبة إسلامية أرسلها ابن الأحمر تهاجمها معه «باسم التقدمية!!» وسقطت إشبيلية الإسلامية -حاضرة الثقافة الإسلامية الرفيعة- بید فرناندو الثالث ملك قشتالة سنة ٦٤٦هـ، وبمعونة ابن الأحمر -مؤسس مملكة غرناطة العظيم- ولم تعد إشبيلية إلى الإسلام منذ ذلك اليوم!
وعندما كاد أمد الصلح بين ابن الأحمر وبين ملوك قشتالة ينتهي «بعد العشرين سنة» سعى ابن الأحمر لتجديد الصلح.. وفي سبيل ذلك تنازل لقشتالة عن عددٍ كبير من بلاد الإسلام؛ قيل: إنها بلغت أكثر من مائة بلد وحصن!
وأنا لا ألوم ابن الأحمر وحده.. إنما ألوم ملــــوك الطوائف جميعًا.. لقد كان كل شيء ممكنًا بالنسبة لهم -وفي عرفهم- إلا شيئًا واحدًا.. كان الترامي في أحضان العدو ممكنًا.. وكان التنازل له عن الأرض ممكنًا.. وكان الصلح المهين ودفع الجزية للعدو ممكنًا.. وكان الخلاف بين بعضهم لدرجة الاستنجاد بالعدو ممكنًا ... أجل ... كان كلُّ هذا ممكنًا إلا شيئًا واحدًا... إلا العودة إلى الإسلام الصحيح الخالي من حب السلطة واستعباد الدنيا ... والأمر بالاعتصام بحبل الله وحده وعدم التفرقة... كل شيء كان ممكنًا إلا هذا.
وبالطبع.. فإن لنا أن نتوقع ظهور كثير من الحركات التقدمية والقومية والجدلية في مثل هذا المناخ الفاسد ... وبالتأكيد.. لولا بروز مثل هذه النزعات التي لا شك في أن النصارى قد ساعدوا على ترويجها، لولا هذا لأصبح المكان خاليًا وملائمًا لبروز الحل الوحيد الصحيح.. الحل الإسلامي.
وفي الشرق الأندلسي كان شيء من هذا يحدث على نحوٍ أعتى وأقسى ... ففي «بلنسية».. كان آخر أمراء الموحدين هناك «أبو زيد بن أبي عبد الله» يلجأ بعد انهيار ملكه في بلنسية تحت ضربات منافسه أبو جميل زيان ... إلى الصليبي الآخر الكبير في إسبانيا «خايمي» ملك أرجوان ... وكان هذا الموحدي العاق الجاحد يشهد مع ملك أراجون كل غزواته ضد المسلمين.. ولم يكتف بهذا المصير التعس.. فاتخذ قراره الثوري الحاسم «باعتنـــــــاق النصرانية»!
وبينما كانت مدن بلنسية الكبرى وقُراها وحصونها تتداعى ما بين سنوات (٦٣١- ٦٣٦هـ) كان «أبو يزيد» يبذل جهوده مع النصارى في حروبهم ضد الإسلام... ويعاونهم فــــــــــي التعرف على نقاط الضعف لدى أبناء دينه السابق. وفي الوقت نفسه كان ابن الأحمر يساعد ملك قشتالة بكتائبه ضد إخوانه المسلمين.
وتسألني: لماذا طُردنا من الأندلس؟
فأقول لك:
لأنَّ الله لا يظلم الناس شيئًا.. ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
ثم أقول لك عبرة التاريخ.. قانون سقوطنا:
«حين يبحث كلُّ عضو منا عن نفسه تسقط سائر الأعضاء».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل