العنوان الإنسان بين شريعة الله وقوانين البشر.. قانون السماء منزه عن الأهواء.. شهادات وردود
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2001
مشاهدات 38
نشر في العدد 1477
نشر في الصفحة 44
السبت 17-نوفمبر-2001
لا يخلو مجتمع إنساني من القوانين التي تحكم العلاقات بين الناس، وتحكم تصرفاتهم وأعمالهم، وحتى تطاع هذه القوانين يجب أن تصدر من جهة يدين لها الناس بالطاعة ويعتقدون أنها معصومة من الخطأ ومنزهة عن الأهواء.
ولهذا أرسل الله الرسل بالبينات والمعجزات التي تثبت أنهم رسل الله إلى خلق الله أرسلهم بالتشريع والقانون الذي يحقق العدل بين الناس.
قال الله تعالى﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥).
ويفرق الإسلام بين نوعين من القوانين والتشريعات:
النوع الأول: القوانين التي تتعلق بالنفس الإنسانية وصيانتها وحفظها وما يصلح غرائزها، وهذه القوانين لا يختص الناس بها، لأنهم لم يخلقوا أنفسهم حتى يعلموا ما يهذب غرائز النفوس وما يضبط تصرفاتها، لقد اختص بها الله عز وجل فقال تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44).
كما قال تعالى﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾(الأحزاب: 36).
وطاعة هذا التشريع واجبة على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، يقول عز وجل: ﴿لا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
النوع الثاني: القوانين التي تتعلق بالأمور الصناعية والزراعية والحربية، وغير ذلك من شؤون الدنيا وما يعلمه الناس بتجاربهم، وهذه تركها الإسلام للناس ينظمون بها شؤون الدنيا من واقع تجاربهم وما هو أصلح لهم.
العقوبات الشرعية والدستور الوضعي
يعارض كهنة القانون الوضعي تطبيق العقوبات الشرعية على المسلمين ويحرضون الحاكم على الحيلولة دون تطبيق شريعة الله، ويتذرعون بأمرين:
الأول أن الشريعة فيها ما يتعارض مع الدستور ولا سيما العقوبات.
الثاني: أن العقوبات الشرعية تتسم بالشدة والقسوة، وفيها قطع اليد والجلد والرجم، وهذا فيه مساس بحقوق الإنسان وكرامته، ويعيدنا إلى القرون الوسطى، حيث كانت العقوبات البدنية هي السائدة.
دعوى تقديم الدستور على الشريعة
الذين يقدمون القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية يزعمون أنهم مضطرون إلى ذلك، لأن الدستور الذي يحتكم إليه الجميع ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، ولو كان النص هو أن الشريعة هي المصدر الرئيس ما جاز أبداً العدول عن الشريعة إلى غيرها.
وهذا العذر أقبح من الذنب، فكلمة «رئيس» في قواميس اللغة تعني أعلى وسيد أي مهيمن على غيره، فهذه العبارة في الدستور وإن كانت لا تسمح بوجود مصادر أخرى فرعية غير رئيسة، فلا ينبغي أن تعارض المصدر الرئيس وهو الشريعة الإسلامية.
وكذلك لو كان النص أن الشريعة المصدر الرئيس، كما هو الحال في الدستور المصري، فهذا النص لا يمنع من وجود مصادر أخرى لكنها ليست رئيسة ولا تعارض الشريعة الإسلامية.
والذين يريدون عدم تطبيق الشريعة الإسلامية لا يهمهم أن تكون الشريعة مصدراً رئيساً أو المصدر الرئيس، فالمحكمة العسكرية العليا المصرية التي حاكمت الجندي سليمان خاطر لقتله بعض اليهود، تضمن حكمها المنشور في صحيفة الأهرام يوم ١٩٨٥/١٢/٢٩م أن الدستور المصري بعد تعديله ونصه على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لا يمنع من وجود مصادر أخرى مخالفة لأحكام الشريعة كمواد قانون العقوبات المخالفة للشريعة الإسلامية.
لقد درجت الحكومات على وضع دستور يحدد نظام الحكم وحقوق الحاكم والمحكوم ووظائف السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.
وقد حرص أكثر الحكام في الـعـالـم الـعـربـي على أن يتضمن الدستور نصاً بإسلامية الدولة، وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع.
وفي عام ۱۹۸۰م تعدل هذا الدستور المصري بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس التشريع، وبهذا تسمو الشريعة الإسلامية على القانون والدستور الوضعيين.
لقد تعالت أصوات شاذة في الكويت وبعض الدول العربية بالمطالبة بتقديم القوانين الوضعية المعارضة لأحكام الشريعة، لتسمو على أحكام الشريعة الإسلامية، بتفسير خاطئ لعبارة مصدر رئيس للتشريع، فزعم هؤلاء أن هذه الصياغة تسمح بإصدار قوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية.
ولقد حسمت محكمة النقض المصرية هذا الخلاف في ظل النص المصري المماثل قبل التعديل، واعتبرت أن كلمة رئيس تسمح بوجود مصادر أخرى غير إسلامية بشرط ألا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومنطق حكم محكمة النقض هو إذا خالف الحكم نصاً، في القرآن أو السنة أو الإجماع، فإنه يبطل، وإذا عرض على من أصدره أبطله، وإذا عرض على غيره أهدره ولم يعمله الطعن ٢٥٨ سنة ٤٠ ق جلسة ١٩٧٥/٦/٢٢م ، المرجع: مجموعة أحكام النقض المدني س ٢٦ ص۱۳۷۷ المجموعة ٢٣.
شهادة الواقع والتاريخ
في عصرنا هذا طبقت المملكة العربية السعودية العقوبات الشرعية فلم يقطع من الأيدي سوى اثنتي عشرة يدا خلال خمسة وعشرين عاماً، وأمن الملايين الذين يزورون مكة والمدينة خلال الحج والعمرة على أنفسهم وأموالهم.
وقبل الإسلام كان شرب الخمر جزءاً من حياة الناس، وكانوا يعتقدون أن القليل منها يصلح المعدة ويحافظ على صحة الإنسان، لهذا أدمن العرب الخمر، فلما نزل حكم الله تعالى في قوله﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (المائدة: 90) ، انتهى الجميع فوراً عن هذه الموبقات.
أخرج مسلم في صحيحه«عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت طلحة، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة، فقال أبو طلحة أخرج فأهرقها فهرقتها». (صحيح مسلم الحديث ۱۹۹۹).
وفي المقابل نلقي نظرة سريعة على تأثير القوانين الوضعية :
في عام ١٩١٩م منعت أمريكا الخمر، وأصدرت القوانين التي تمنع بيعها وتصنيعها والتجارة فيها، وأصرت على المنع أربعة عشر عاماً، وحدث خلال سنوات المنع أمر عجيب بليون نشرة صدرت لبيان أضرار الخمر، وشرعت عقوبات كثيرة للمخالفين، حتى بلغ عدد الذين أعدموا ۳۰۰ شخص والذين سجنوا ٥٣,٣٣٥ ومقدار الغرامات النقدية ١٦ مليون دولار، ونتيجة المصادرات ٤٠٤ ملايين دولار، ومع كل ذلك زاد عدد مصانع الخمر إلى عشرة أضعاف ولكن بشكل سري.
فالقانون الوضعي لم يفلح في علاج ظاهرة الإدمان على الخمر رغم الملايين التي تنفق للتحذير منها ومن أضرارها.
وشريعة الله هي التي عالجت الإدمان على الخمر وعلى غيرها من الموبقات والجرائم، لأنها تجعل الشخص هو الحارس الأمين على نفسه، لأنه يعتقد أن هذه قوانين الله وحدوده، وأن الله يعلم السر وأخفى
إن الوازع الديني هو الذي يجعل الناس يحترمون أحكام الشريعة الإسلامية، ويقفون عند حدودها، ويتهيبون الاقتراب من أسوارها، فلا يحتالون عليها، ولا يحاولون التملص من التزاماتها ويكفي أن يقرأوا قول الله تعالى﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(البقرة: 187).
مزاعم المعترضين على تطبيق الشريعة
ويرى بعض الذين يقودون الموجة ضد تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادنا أنها لا تصلح لعصرنا، حيث عفا عليها الزمن، ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين
كما تمثل هذا في قولهم إن نص الشريعة إذا عارض العقل فلا تلتزم بالنص، بل بحكم العقل.
وهؤلاء لا يجهلون أن عقولهم وعقول من يقلدونهم من الأوروبيين تستحسن الزنا والشذوذ والخمر ولحم الخنزير، وهذه قد حرمها الإسلام بنصوص صريحة وثبت علمياً ضررها على الفرد والأسرة والمجتمع.
ومن جرأتهم على التحريف زعمهم أنهم يقتدون بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ حيث ألغي حد السرقة في عام المجاعة، كما زعموا أن الفقهاء وضعوا من اجتهادهم شروطاً تحول دون تطبيق الحدود الشرعية كشروط حد السرقة وحد الزنا.
وهؤلاء لا يجهلون أن عمر لم يطبق حد السرقة عام المجاعة، لأن من شروط العقوبة ألا يكون السارق محتاجاً، ولا يجهلون أن شروط تطبيق الحدود وردت في السنة النبوية
إن الذين يعارضون تطبيق الشريعة الإسلامية ينافقون عندما يزعمون انهم يدافعون عن الإسلام حتى لا يستغله دعاة تيار الإسلام السياسي المطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل إن أقوالهم المنشورة في الصحف وفي كتب لهم تكشف عن عدائهم للإسلام.
الثابت والمتغير في الشريعة
إن الثابت من أحكام الشريعة الإسلامية هو المبادئ العامة التي لا ترتبط بزمان أو مكان كالعدل والمساواة، والمتغير من الشريعة الإسلامية هو الأمور الاجتهادية الخاضعة للتطور والتغيير طبقاً لظروف الناس وتطورهم زماناً ومكاناً، وفي هذا قال النبي الله: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، وكان القياس والمصالح المرسلة.
النص والمصلحة
ليس صحيحاً أنه توجد مصلحة تقوم على النص الثابت في القرآن الكريم أو السنة، فقد فصل القرآن الكريم والسنة النبوية الأحكام الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان مثل أحكام الزواج والأسرة والمواريث والحدود، والمصلحة التي قال عنها الفقهاء أينما تكون المصلحة فثم شرع الله... في المصلحة التي لا تتعارض مع النص، وهو القرآن الكريم والسنة النبوية.
أما إذا تعارضت فلا مكان لها لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل