العنوان قافلة «شريان الحياة» حقًا لم تكن مهمة سهلة!
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 22
السبت 28-مارس-2009
قافلة «شريان الحياة» -التي سيرها ناشطون أوروبيون يوم السبت الرابع عشر من فبراير الماضي بقيادة النائب البريطاني «جورج جالاوي» برًا إلى غزة- لم يطلع القارئ العربي على التفاصيل الكاملة التي أحاطت برحلتها الطويلة، والتي كانت أشبه بمغامرة حافلة بالأخطار والمفاجآت، فقد وقعت لتلك القافلة خلال سيرها الطويل أحداث، وأحدقت بها أخطار حتى وصلت إلى قطاع غزة، وهو ما ينبئ عن قناعة الذين شاركوا فيها بدورهم الإنساني النبيل حيال غزة مهما كلفهم ذلك من تضحيات، في الوقت الذي تقاعس فيه القريبون من غزة -من إخوة الدين والأرض والعقيدة- عن أداء دور مماثل... الكاتبة الصحفية «إيفون ريدلي» شاركت في مسيرة تلك القافلة، وسجلت بقلمها تفاصيل الرحلة في السطور التالية لـ«المجتمع».
بقلم: إيفون ريدلي
صحفية وناشطة بريطانية مسلمة ر بالترتيب مع الكاتبة
إذا كنت تظن أن تسيير قافلة بحجم شريان الحياة» إلى منطقة مثل غزة كان أمرًا سهلًا، ففكر مرة أخرى. فقد كان تسيير القافلة من مدينة بوردو الفرنسية إلى مدينة سان سيباستيان» في إسبانيا عملية قصم ظهر، لدرجة أن بعض المركبات رفعت الراية البيضاء واستسلمت، على عكس سائقيها.. ولقد أبت عزائم الرجال القائمين على القافلة أن تهزم بسبب أعطال، ومعوقات ميكانيكية وتقنية تتحدى من يسافرون مسافات طويلة.
لست متأكدة متى بدأت القافلة تتجمع في إحدى الساحات الرياضية بضواحي العاصمة الإسبانية مدريد»، وقد ارتفعت الروح المعنوية عندما اجتمعت عشرات المركبات في ساحة عملاقة في «سان سيباستيان» الإسبانية في انتظارهم للترحيب بهم، وب«جورج جالاوي» عضو البرلمان البريطاني والعقل المدبر لقافلة «شريان الحياة- تحيا فلسطين».. كان أمامنا طريق طويل ولكن -وكما تحدثت مع كثيرين- طالما كان الهدف غزة فالجميع يملؤهم العزم والتصميم للوصول إلى فلسطين ويسترخص الغالي والنفيس في سبيل تحقيق هذا الهدف.
كان تسيير القافلة من فرنسا إلى إسبانيا عملية قصم ظهر.. وبعض المركبات رفعت الراية البيضاء على عكس سائقيها!
علينا أن نواجه طالما ظلوا صامدين.. كان يمكن أن يستسلموا منذ وقت طويل، ولكن صمودهم وتصميمهم وعزمهم على إعادة بناء حياتهم المحطمة الممزقة يغذي تصميمنا على معاونتهم».. هذا ما قاله أحد المشاركين في القافلة والذي يمثل عشرين مركبة مشاركة معنا.
كدنا نضل الطريق!
كانت تغطية شبكة «برس تي في» «Press TV» لأخبار القافلة عبر التلفزيون والإنترنت -وهي من الشبكات المفضلة لدى الجمهور البريطاني- من العوامل الكبرى المشجعة والداعمة للقافلة والمعززة للروح المعنوية لنا، ولم تكن ترافقنا أي أجهزة إعلام أخرى منذ اليوم الأول، عدا تلفزيون «برس» الذي حظي بالاختيار الأول من الجمهور الذي تابع أخبارنا بشغف من خلال محطة «سكاي ٥١٥ ومحطات فضائية أخرى... وقد عانى فريق التصوير الشبكة «Press TV» مثلما عانت بقية القافلة من أعطال ومعوقات ومشكلات فنية وتقنية.
لقد كدنا نضل الطريق من «بوردو» في فرنسا ونحن متجهون إلى «سان سيباستيان» في إسبانيا، وانهارت ثقتي في قدرتي على قراءة الخرائط عندما بدأ المهندس الفني «أوميد جاربيفارد» في استخدام البوصلة والنجوم في تحديد الموقع والاتجاهات!
والخبر السعيد الآن أننا أصبح لدينا نظام إلكتروني للملاحة، وتحديد الاتجاهات للوصول إلى أملنا ووجهتنا الرئيسة.. مدينة غزة.
.. وتذكرتُ قوارب غزة!
عندما أشرقت الشمس في الصباح عند مضيق جبل طارق في جنوب إسبانيا، كان المنظر رائعًا ونحن نرى صفًا طويلًا من مركبات القافلة التي تنتظر أخذ دورها في عبور المضيق.. والحقيقة أن ما لفت نظري بشدة في هذا المشهد قارب صيد مجرور خلف واحدة من مركباتنا، وقد ذكرني هذا القارب بممارسات سلاح البحرية «الإسرائيلي» اليومية الروتينية التي يقصف فيها القوارب المملوكة لـ( ۲۰٪) من سكان غزة الذين يمتهنون الصيد، ويتعمد إغراقها.
أجهزة الإعلام الغربية تجاهلت أخبار القافلة لأنها أخبار إيجابية عن الإسلام والمسلمين.. وهذا يدعو إلى الخجل!
هذه حقيقة مؤكدة أثبتها بالأدلة القاطعة ناشطو سلام خرجوا للصيد مع صيادي غزة الذين يتعرضون للقمع بصورة دائمة، ولإغراق قواربهم وقطع أرزاقهم، وقد رافقوهم من أجل إظهار التضامن معهم، وسجلوا هذه الممارسات العدائية غير الإنسانية.
إن موقف وظروف الصيادين في غزة الآن هو الأسوأ على الإطلاق، وقد بلغني أن كل منطقة الصيد في «بحر غزة» قد أصبحت منطقة محظورة.. ففي يوم السبت الرابع عشر من فبراير -وهو اليوم الذي انطلقت فيه قافلتنا- أطلق الأسطول «الإسرائيلي» النار على الصياد الفلسطيني «رفيق أبو ريالا» بينما كان في المياه الفلسطينية الغزاوية، على بعد حوالي ميلين بحريين من ميناء غزة، وقد كان في قارب صيد صغير ذي محرك بسيط يُعرف محليًا باسم «هاساكا».
استهداف الصيادين
وكما يحكي رفيق، فإنهم قد أحيط بهم -وهم وحدهم في قاربهم- من قبل سفن أسطول الجيش الإسرائيلي»، ويقول: «بدؤوا في إطلاق النار على قارب الصيد المحاصر التابع لنا، ونحن بداخله لا حول لنا ولا حيلة وقصفوا القارب بكميات هائلة من الذخيرة فانبطحنا جميعًا -وكنا ثلاثة- في بطن القارب.. وهنا أمرنا الكابتن «الإسرائيلي» -من خلال مكبر للصوت- برفع شباكنا، ومغادرة المنطقة وكانوا على بعد عشرين مترًا فقط من قاربنا».
حمل الثلاثة شباكهم متجهين إلى الشاطئ.. وفي هذه الأثناء، عاد قارب الموت «الإسرائيلي»، وأعاد إطلاق النار عليهم؛ حيث أصيب «رفيق» مرتين بشظايا رصاص الدم دم المطاطي المتفجر في ظهره.
أبت عزائم الرجال القائمين على القافلة أن تهزم بسبب أعطال ميكانيكية ومشكلات فنية وتقنية تتحدى من يسافرون مسافات طويلة
سقط رفيق في الماء بسبب الإصابة وغاص حوالي سبعة أمتار تحت السطح وغاص خلفه أخوه «رجب» لإنقاذه حيث حملوه إلى قارب الصيد «هاساكا»، ومنه إلى الشاطئ فاقد الوعي.. واتصلوا برجال الطوارئ الذين قاموا بنقله إلى مستشفى الشفاء وهو في حالة خطرة، وهناك وجد الأطباء أن شظايا معدنية قد استقرت في ظهره وبعضها اخترق الظهر واستقر في الرئتين!
و«رفيق».. هذا الصياد البسيط، يمكن أن يقضي شهورًا في المستشفى حتى يتعافى وهو العائل الوحيد لأسرته، فهو متزوج منذ ستة أشهر فقط وامرأته حامل، وخلال ست سنوات من عمله كصياد في بحر غزة اعتاد أن يرى الأسطول «الإسرائيلي» وهو يطلق رصاصات تحذيرية في مناسبات عدة، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها، وهو مجرد صياد.
وقد بلغ مجموع من قُتِل من صيادي قطاع غزة المدنيين المسلمين منذ عام ٢٠٠٠م حتى الآن ١٤ صيّادًا غير المصابين، ويشبه «رفيق» ما يتعرّض له صيادو القطاع بأنه «حرب مفتوحة».. ولا يزال الصيادون الفلسطينيون أهدافًا يومية للأسطول «الإسرائيلي» منذ أعلنت «إسرائيل» وقف إطلاق النار من جانب واحد في الثامن عشر من يناير الماضي!
قراصنة «المتوسط»
أصبحت التقارير ترد بشكل روتيني عن هجمات واعتداءات يومية على صيادي غزة العُزل، و«رفيق» هو الثالث الذي يُعتدى عليه ويُصاب إصابة خطيرة منذ إعلان وقف إطلاق النار.. ففي ٢٦ من يناير، أصيب «علاء الهابيل» وهو على بعد أقل من ميل بحري من سواحل غزة، وفي السادس من فبراير أصيب «محمود النادر في قدميه وقد كان على بعد لا يتجاوز ميلًا ونصف الميل البحري من سواحل رفع شمال قطاع غزة.
والآن لا يفكر أي من صيادي غزة في تجاوز ثلاثة أميال بحرية من سواحل غزة وتقبع قوارب الصيد عاطلة على سواحل غزة، ويجلس آلاف من الصيادين عاطلين ومن ورائهم أفواه أسرهم الجائعة، رغم أن لهم عمقًا مائيًا مسافته ١٢ ميلًا بحريًا، بل إن اتفاقية «أوسلو» تعطيهم الحق في الصيد بعمق ۲۰ ميلًا بحريًا.
وتحاول «إسرائيل» أن تفرض بقوة السلاح وبالاستبداد حظرًا على الصيد. من جانب واحد هو جانبها، وهذا كان يمكن أن أمرًا واقعًا لولا مثابرة يصبح وإصرار ومرونة الصيادين في القطاع... وهذا قريب الشبه بما يحدث على الأرض، فقد أعلن الاحتلال منطقة بعمق كيلومتر واحد -بمحاذاة الخط الأخضر على طول حدود غزة- أعلنها منطقة عسكرية مغلقة وهو ما يهدد بتخريب شريط من أخصب الأراضي الزراعية بطول حدود القطاع مع «إسرائيل».. وقد شهد بهذا كل أعضاء المنظمات الإنسانية الذين رافقوا الصيادين وسجلوا خروقات واعتداءات لا حصر لها على المياه الإقليمية الفلسطينية، وخصوصًا في أثناء التهدئة التي سبقت العدوان الأخير على غزة، والتي استمرت ستة أشهر.. ونحن - حملة شريان الحياة -تحيا فلسطين- لم نأخذ معنا إلا قارب صيد واحد، ولذلك أناشد كل من يقرأ مقالي هذا أن يفكر في هؤلاء الصيادين، وهم جزء من صيادي البحر الأبيض المتوسط وأن يدعموهم بمزيد من قوارب الصيد حتى يستمروا في ممارسة عملهم الشريف.
أما بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني «جوردون براون» الذي يرسل أسطوله إلى سواحل غزة، فهل يقدم بعض الحماية إلى صيادي غزة حماية ضد الأسطول «الإسرائيلي» الذي سميته في مقال حديث لي «قراصنة المتوسط» بسبب ممارساته وسلوكه الإجرامي غير القانوني.
خبر حصري عاجل!
أحب -كصحفية- أن أكون أول من يعرف أو يصل إلى خبر ولذلك فإنني عندما وقعت على خبر حصري لم أتمالك نفسي.. كنت قد انتهيت للتو من بث حي الشبكة «Press Tv» أمام عشرات من أعضاء قافلة شريان الحياة - تحيا فلسطين عند وصولها إلى المملكة المغربية.. استمعوا جميعًا.. لينصت الجميع».. صحت فيهم وهم متجهون إلى فنادقهم من الساحة التي أوقفنا فيها مركباتنا، وجاء جميع من سمعوا النداء، وتحلقوا حولي، وانطلقت الكلمات من فمي معلنة الخبر السعيد: «منذ عشر دقائق فقط تم إطلاق سراح المعتقلين الثلاثة بدون ضمانات، وبدون قيد أو شرط، وهم في طريقهم الآن للالتحاق بالقافلة»
فتح تاريخي للحدود بين الجزائر والمغرب التي ظلت مغلقة زهاء عشرين عامًا.. من أجل مرور القافلة إلى غزة
لا أرى رد فعل الناس في أكثر الأحيان على أخباري العاجلة والحصرية، ولكني رأيته هذه المرة، ولقد كان مدهشًا.. قفز أعضاء القافلة من الفرح، وصاحوا جميعًا «الله أكبر».
وكنت أشير إلى الرجال الثلاثة الذين اعتقلتهم الشرطة البريطانية في إطار حملة لمناهضة ما يُسمَّى «الإرهاب»، في الليلة ذاتها التي انطلقت فيها قافلة «جورج جالاوي» التاريخية لإغاثة أهل غزة.
لم تتح لي فرصة رؤية رد فعل «جالاوي» على إطلاق سراح هؤلاء الثلاثة، ولكنه كقائد للقافلة المتجهة إلى غزة - وبها مائة وعشر مركبات - قد عبّر عن غضبه من توقيف شرطة «لانكشاير» لتسعة أبرياء من أعضاء القافلة التي يقودها.
أم بريطانية تصارع مرض السرطان انطلقت معنا وقطعت آلاف الأميال من أجل أطفال غزة!!
وقد أطلق سراح ستة منهم بدون أية ضمانات، واتجهوا إلى تونس فور الإفراج عنهم لينضموا إلى القافلة التي كانت قد وصلت في ذلك الوقت إلى هناك، ثم أطلق سراح الثلاثة الباقين بعد أن قضوا زهاء أسبوع رهن الاعتقال وقد كان لاعتقال هؤلاء التسعة أثر سلبي هائل على القافلة إذ انخفضت التبرعات بنسبة ٨٠٪.
تجاهل الإعلام الغربي
والمحزن حقًا أن أجهزة الإعلام الغربية ظلت تتجاهل أخبار قافلة «شريان الحياة» ما عدا استثناءات قليلة من بينها «Press T»، وهذا يدعو إلى الخجل.. ولقد فاتهم الكثير من الأخبار الحصرية والممتازة من بينها:
- «إنقاذ القافلة لحياة عشرين شرطيًا مغربيًا كادوا يموتون في حادث تصادم قاتل».
- «الأم اللندنية البطلة التي تصارع السرطان، إلا أنها انطلقت معنا تقطع آلاف الأميال من أجل أطفال غزة».
- «الفتح التاريخي للحدود بين الجزائر والمغرب، التي ظلت مغلقة زهاء عشرين عامًا من أجل أن تمر قافلة الغوث والرحمة المتجهة إلى غزة».
ولكن لأن كل هذه أخبار إيجابية عن الإسلام والمسلمين فإن أجهزة الإعلام الغربية المصابة بعقدة «الإسلاموفوبيا» «الخوف المرضي من الإسلام» لا تفضلها.. ولو كانت أخبارًا إسلامية سلبية لأخذت طريقها للنشر، وتسليط أضواء أجهزة الإعلام عليها، وهذا -لعمري- يسيء إلى تلك الأجهزة ولا يسيء إلى قافلة إغاثة غزة التاريخية التي كان يجب على بريطانيا أن تفخر بها لكونها انطلقت من أراضيها.
ترجمة: جمال خطاب