العنوان الفريق الشاذلي يطرح لـ المجتمع رؤيته الاستراتيجية حول القضايا الراهنة- لا بديل للعرب عن امتلاك السلاح النووي لردع إسرائيل
الكاتب رجب الدمنهوري
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 86
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-يونيو-1998
القنبلة الباكستانية تحسب لصالح ميزان القوى الإسلامي.. وعلى الدول العربية والإسلامية أن تقدم العون المادي والمعنوي إلى باكستان
التفوق العسكري الإسرائيلي وميزان القوى الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل والأمن القومي العربي، ونظيره الإسلامي، والسباق النووي وموقف العرب منه، والمخطط الإمبريالي الذي يستهدف فصل جنوب السودان عن شماله، هذه القضايا وغيرها كانت محور حوارنا مع الفريق سعد الدين الشاذلي - رئيس أركان القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م، الذي يطرح استراتيجية تستهدف وحدة الهدف العربي كمقدمة لتحقيق الأمن القومي العربي والإسلامي، في مواجهة الكيان الصهيوني، ويطالب الأنظمة العربية والإسلامية بتقديم الدعم والمعونات الاقتصادية إلى باكستان، والتصدي للمخطط الإمبريالي الذي يهدف إلى فصل جنوب السودان عن شماله حتى لا تهيمن دولة معادية على منابع النيل، وفيما يلي نص الحوار:
- أجرت الهند ثم باكستان تفجيرات نووية أثارت ردود أفعال متباينة في العالم..... من خلال رؤيتكم الاستراتيجية كيف تنظرون إلى هذه المستجدات؟
ما قامت به الهند أولًا من تفجيرات نووية هو إنجاز ضخم وفتح الباب أمام دول العالم الثالث للتمرد ضد الديكتاتورية الدولية الأمريكية، والخطوة الهندية شجعت باكستان على السير في الطريق نفسه، ووضعت أمريكا في حرج شديد أمام الرأي العام العالمي، لأنها في الوقت الذي تطالب فيه دول العالم الثالث بعدم امتلاك أسلحة نووية، تقف صامتة إزاء امتلاك إسرائيل لهذه الأسلحة، كما أن أمريكا نفسها - ضمن دول النادي النووي – تمتلك أسلحة نووية.
أما فيما يتعلق بالتفجير النووي الباكستاني. فإنني أدعو الأنظمة العربية والإسلامية إلى تأييد باكستان في هذا الإجراء الطبيعي والمنطقي والاستراتيجي؟ لأن باكستان أصبحت مهددة بعد إجراء التفجيرات الهندية، وبالتالي كان لا بد من هذه التفجيرات لردع الهند، ولإحداث توازن معها، كما أن القنبلة النووية الباكستانية تحسب لصالح ميزان القوى الإسلامي، ويمكن أن تستخدم في ردع أي عدوان ضد أي دولة عربية أو إسلامية، لذا يجب على الدول العربية أن تقدم المعونة الاقتصادية إلى جانب التأييد السياسي لباكستان لتعويضها عن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا والأمم المتحدة.
والحقيقة أن الأيام القادمة سوف تشهد اختبارًا شديدًا أمل أن يسفر عن موقف إسلامي ووطني بدعم باكستان، ويؤيد موقفها العادل، ولا يستجيب للضغوط الأمريكية، ولعل موقف الأمم المتحدة الغريب والموغل في الازدواجية بعد التفجيرات الباكستانية يفضح سياسة الكيل بمكيالين، ويوجب على الأمة العربية والإسلامية أن تقف مؤيدة لباكستان، بل يحض على المسارعة لامتلاك الأسلحة النووية، فبالرغم من أن الأمم المتحدة قد التزمت الصمت إزاء التفجير النووي الهندي على مدى سبعة عشر يومًا، إلا أنه في حالة باكستان اجتمع مجلس الأمن في اليوم نفسه وأصدر قرارات بتوقيع العقوبات على باكستان، وهذا يؤكد ما سبق أن أعلن بأن أمريكا والحلف الأطلسي يعتبرون الإسلام العدو الأول بعد انهيار الشيوعية.
لا يوجد أمن عربي أو إسلامي لاختلاف الأهداف وعدم الاتفاق على العدو الاستراتيجي
- بدأت مصر برنامجها النووي مع الهند... بصفتكم مراقبًا استراتيجيًا لماذا تأخرت مصر عن نظيرتها الهند في مجال امتلاك الأسلحة النووية؟
من الناحية الفنية، كان يمكن أن تسير مصر في الطريق نفسه، بل وتسبق الهند، لكن السير في هذا الطريق قرار سياسي بالدرجة الأولى، وأعتقد أنه كان خطأ كبيرًا الا نسير في هذا الطريق، ولعل التفجير النووي الهندي ومن بعده التفجير الباكستاني يكون صكًا تشجيعيًا لمصر وغيرها للسير في الطريق نفسه، لأن الأمان الوحيد في مواجهة إسرائيل هو أن تكون لدينا أيضًا أسلحة نووية.
والإجراء الأول في هذا الإطار أن تعلن الانسحاب من معاهدة حظر السلاح النووي، لأنه من الخطأ الكبير أن نوقع على هذه المعاهدة فيما ترفض إسرائيل - وهي عدونا الاستراتيجي .. التوقيع على المعاهدة، وتغض أمريكا والأمم المتحدة الطرف عن امتلاكها للأسلحة النووية.
- أكد أحد الخبراء الإسرائيليين «إسرائيل شاحاك»، أن إسرائيل تمتلك ثمانين رأسًا نوويًا موجهة إلى عدد من العواصم العربية وبعض مؤسساتها ... ما تعليقكم على هذا التصريح، وهل يمكن أن يحدث ذلك؟
إسرائيل منذ عام ١٩٧٥م تمتلك أكثر من مائتي رأس نووي لها قوة تفجيرية عالية، ولا يمكن أن نستبعد استخدام إسرائيل لهذه القوة، إما للضغط على العرب لقبول ما تريده أو لتحقيق أطماعها التوسعية وإحداث ضغط نفسي رهيب في أوساط العرب والمسلمين.
وأعتقد أن العرب يعلمون تمامًا أن إسرائيل لديها أسلحة نووية، وقد سبق لها أن أجرت تفجيرات نووية في جنوب إفريقيا، والحل الوحيد الردع الكيان الصهيوني أن تبادر الدول العربية إلى الانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النووية وإجراء تجارب نووية، لأن امتلاك العرب والمسلمين للقنبلة النووية هو الرادع الوحيد لإسرائيل.
التفوق النوعي لصالح إسرائيل
- ما رؤيتكم لميزان القوى الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل؟ وكيف يمكن مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي؟
من الخطأ الفادح أن تجرى مقارنة بين ما تملكه الأمة العربية مجتمعة من أسلحة، وما تملكه إسرائيل، لأن الأسلحة العربية جميعها غير موجهة ضد إسرائيل.
لكن لو افترضنا جدلًا أن جميع الأسلحة العربية التقليدية موجهة ضد إسرائيل في هذه الحالة نجد تفوقًا ساحقًا من ناحية العرب، وعلى سبيل المثال فإن أحدث الأرقام لعام ۱۹۸۸م تؤكد أن العرب يملكون ١٩٤٩٠ دبابة، في مقابل ٤٣٠٠ دبابة إسرائيلية، ويملكون ١٦٧٦٠ قطعة مدفعية، مقابل ۲۷۹۰ قطعة مدفعية إسرائيلية، ويملكون ۳۰۷۷ طائرة قتال، في مقابل ٦٩٨ طائرة إسرائيلية، ويملكون ٧٠٥ طائرة هليكوبتر مسلحة في مقابل ۱۳۰ تملكها إسرائيل، وأنفقوا على التسليح ٣٩ مليار دولارًا خلال عام ١٩٩٧م . ۱۹۹۸م، في حين أنفقت إسرائيل خلال العام نفسه ٩.٦ مليار دولارًا، هذا إذا افترضنا تجميع الأسلحة العربية التقليدية ضد إسرائيل، لكن هناك تفوقًا نوعيًا في بعض الأسلحة لصالح إسرائيل، والاستراتيجيون يرون أن التفوق الكمي أحيانًا يلغي جزءًا من هذا التفوق النوعي.
وكما قلت سابقًا: المقارنة بهذا الشكل افتراضية ومن الناحية العملية مقارنة خاطئة: لأنه إلى جانب أن هذا الأسلحة العربية مجتمعة غير موجهة ضد إسرائيل، فإن كثيرًا من هذه الأسلحة مصدرها أمريكا، والأخيرة لا تسمح بسلاح أمريكي يضرب إسرائيل، والمقارنة الحقيقية تكون بين دولة عربية واحدة وبين إسرائيل، حتى دول الطوق نفسها لا تجتمع ضد إسرائيل، فمصر والأردن لديها معاهدات سلام مع إسرائيل، ولبنان ليس لها جيش إلا للقيام بشؤون الأمن الداخلي، وسورية هي الدولة الوحيدة التي تقف في خندق الدفاع، وفي هذه الحالة سنكتشف أن إسرائيل متفوقة تفوقًا كبيرًا على سورية، وسورية لا تستطيع أن تشن هجومًا ضد إسرائيل، لأن هذا ليس في إمكاناتها، كما أنه ليس في صالحها سياسيًا وعسكريًا، لكنها تستطيع أن تصد أي هجوم إسرائيلي، ويمكن أن تلحق به خسائر فادحة، هذا فيما يتعلق بالأسلحة التقليدية.
أما في مجال الأسلحة النووية، فإن إسرائيل تمتلك هذه الأسلحة بشكل معلن عنه، في حين لا توجد أية دولة عربية لديها هذه الإمكانات وبالتالي فالتفوق العسكري الحالي في جانب إسرائيل، أضف إلى ذلك أن الموقف السياسي العالمي بقيادة أمريكا يدعم إسرائيل، ولا يستطيع العرب في ظل هذا الضعف والتفكك أن يشنوا هجومًا عليها .
حالة تطبيع وصداقة
ينبغي على مصر أولًا والدول العربية والإسلامية ثانيًا دعم السودان سياسيًا وعسكريًا لأن مخطط تفتيته موجه ضد العرب والمسلمين
- لكن كيف يمكن للدول العربية أن تحسن من إمكاناتها العسكرية في ظل الظروف الدولية التي تفرض قيودًا على التسليح العربي؟
هذا سؤال افتراضي، فمن قال إن الدول العربية جميعا تريد أن تحسن إمكاناتها؟
إن مسألة التسليح تنبع أولًا من التصنيع المحلي، وهذه العملية تحتاج إلى برنامج قد يستمر لمدة عشر سنوات أو أكثر، وأية دولة عربية تنوي عمل هذا البرنامج عليها أن توفر الإمكانات المادية «التقنية والفنية وغيرها» وتستورد العقول القادرة على التصنيع والابتكار.
- هذا يقودنا إلى إثارة قضية الأمن القومي العربي.. وما رؤيتكم لهذه القضية وكيف يمكن تفعيلها في مواجهة التحديات المختلفة؟
الحقيقة المرة أنه لا يوجد الآن أمن عربي، فليس هناك فكر موحد، ولا اتفاق حول هدف موحد، لا بد أن يتوحد العرب أولًا، وأن يتفقوا على عدوهم الاستراتيجي، وأن يحشدوا طاقاتهم وإمكاناتهم من أجل هذا الهدف، فليس هناك اتفاق على من هو العدو؟ إذن لا بد من تحديد العدو الاستراتيجي؟ وأيضًا الصديق الاستراتيجي، وإذا حدث خلاف بين دولتين عربيتين، فليكن خلافًا تكتيكيًا، وينبغي ألا يستمر أكثر من بضعة شهور تعود بعدها المياه إلى مجاريها الطبيعية، فقد يختلف النظام المصري مع نظيره السوداني، لكن هذا الخلاف لا ينبغي أن يستمر أكثر من بضعة شهور، لأن السودان امتداد استراتيجي لمصر، وهما صديقان استراتيجيان، هدفهما واحد، وآمالهما واحدة.
- ننتقل إلى دائرة أوسع.. ونسأل عن الأمن القومي الإسلامي، ما أهم ملامحه وكيف يمكن أن يتبلور؟
يجب أن نفرق بين الفكر الإسلامي وبين إمكانية تحقيقه، فقد ثبت أن هذا الفكر يمكن أن يلعب دورًا فاعلًا في تجميع شتات الأمة، لأنه يهدف إلى إسعاد البشر في الدنيا والآخرة، وتقوية شوكة الأمة في مواجهة الأخطار والتحديات، فالرجل المؤمن بالقرآن والسنة هو رجل هذا الزمان الذي انتشر فيه الظلم، وهضمت فيه الحقوق، وانتهكت الحرمات، والحقيقة أن الحركة الإسلامية بذلت مجهودًا كبيرًا في إطار بعث الإسلام وإيقاظه من جديد وهذا هو المطلب المعضل الآن، أي أن تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة، بات أمرًا ملحًا.
فصل جنوب السودان عن شماله يعني سيطرة دولة معادية على منابع النيل وتهديد أمن مصر والسودان
- ما أبعاد المحاولات التي تبذل الآن لفصل جنوب السودان عن شماله، وكيف يمكن مواجهتها؟
إنها أبعاد خطيرة جدًا، وجزء من المخطط الإمبريالي الذي تقوده أمريكا وإسرائيل ضد الإسلام، والمسلمين، وليس بالضرورة أن تكون الوسائل والآليات المتبعة في ذلك عبر الحرب العسكرية، فالحرب هي السياسة بوسائل أخرى، كما يقول العسكري الألماني الشهير كلاوزفتر، أي أنه يمكن تحقيق الأهداف من خلال المؤامرات وتشجيع الفتن والمكائد، فمن المؤكد أن الدول الإمبريالية بزعامة أمريكا تقف ضد أي وحدة عربية أو إسلامية، وتستغل أية بؤرة توتر في أية دولة . كما هو حادث في السودان - وتتدخل لتفتيتها وزرع بذور الفتنة، وإشعال الأحقاد للوقوف ضد أية محاولة من شأنها تقوية الإمكانات العربية وإسرائيل ومن خلفها أمريكا لديها استراتيجية معلنة تستهدف من خلالها تفتيت كل دولة عربية إلى دويلات.
- لكن ما توقعاتكم لمؤامرة فصل جنوب السودان عن شماله؟
من الممكن أن ينجح هذا المخطط التآمري إذا وقفت الدول الإسلامية والعربية موقف المتفرج، كما وقفت من قبل إبان فرض الحصار على السودان، لأن هناك عناصر قوية« أمريكا وإسرائيل» تقف وراء هذا المخطط، وأول هذه الدول العربية التي ينبغي عليها الوقوف إلى جانب السودان سياسيًا وعسكريًا هي مصر لأنها أول من يكتوي بنار هذا المخطط، وعليها أن تمد السودان بكل الإمكانات التقنية والعسكرية التي تساعده على تجاوز هذه المحنة والتصدي لهذا المخطط الخطير، فهو ليس موجها ضد مصر فقط، ولكنه موجه ضد جميع الدول العربية والإسلامية، وأي موقف سلبي يعد خطأ كبيرًا.
- وما أثر هذا الفصل على مصر؟
هل هناك أكثر من أن تسيطر دولة معادية على مصادر النيل، وهو شريان الحياة بالنسبة لمصر والسودان، فمصر تعتمد على المياه التي تأتي من أعالي النيل، وإذا سيطرت دولة معادية على هذه المتابع، فإنها بهذا سوف تهيمن على مصير مصر والسودان، هذا فضلًا عن أن السودان هو الامتداد الاستراتيجي لمصر، وإذا انفصل الجنوب عن الشمال، فإن ذلك يعتبر افتقادًا لأغنى جزء من أرض السودان، وقد يكون هذا المخطط مقدمة الفصل شرق السودان أيضا، هذه المؤامرة يمكن أن تتحقق إذا وقف العرب والمسلمون متفرجين .