; فى ندوة مستقبل المغرب العربي: مستقبل المنطقة مرهون بمشاركة الإسلاميين وحل أزمة الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان فى ندوة مستقبل المغرب العربي: مستقبل المنطقة مرهون بمشاركة الإسلاميين وحل أزمة الجزائر

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 78

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

نظّم مركز البحوث الجغرافية والاستراتيجية والحدود الدولية، ندوة حول مستقبل المغرب العربي بلندن يومي 6 و7 أكتوبر الجاري حضرها ممثلون عن عدد من الحركات الإسلامية المغاربية وخبراء غربيون ومثقفون وسياسيون من منطقة شمال إفريقيا، وترجع أهمية هذه الندوة إلى الظروف السياسية الحساسة التي تعيشها بلدان المغرب العربي الإسلامي وخاصة ما يتعلق بالوضع في الجزائر.

وتناولت الندوة في اليوم الأول أوضاع الأقطار المغاربية الرئيسية الثلاثة «الجزائر والمغرب الأقصى وتونس» من وجهة نظر مفكرين وسياسيين ينتمون إلى المنطقة، في حين خصص اليوم التالي لتقديم وجهات نظر الخبراء على نطاق مغاربي وأنجلو - ساكسوني «إنجليزي وأمريكي» وأوروبي.

المأزق السياسي في تونس والجزائر

وبعد افتتاح الندوة من رئيس المركز المشرف عليها جورج جوفي، تم استعراض الوضع في تونس، وتناول الكلمة عن المعارضة أحمد بن صالح رئيس حركة الوحدة الشعبية الذي تحدث عن خصائص المجتمع المدني، كما تحدث عبد الرؤوف بولعابي ممثل حركة النهضة «الإسلامية» عن النهج التعددي والاعتدالي لهذه الحركة باعتمادها القانونية والحوار مقابل مواجهتها من طرف النظام بالقمع، وعرج الوزير الأول التونسي السابق محمد مزالي على هذه المسألة «سياسة النظام تجاه المعارضة».

من جهة أخرى تحدث ممثل السلطة سعيد ناصر رمضان عن حقوق الإنسان، أما محمد الطرابلسي فقد استعرض تاريخ نضالات المنظمة النقابية الاتحاد العام التونسي للشغل متوقفًا عند حدود عام 1987 تاريخ صعود بن علي إلى الحكم.

وركزت أسئلة الحاضرين عقب هذه المداخلات على انتهاكات حقوق الإنسان وتزييف الانتخابات في تونس والمفارقة الكبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع وإغلاق المساجد أو المصليات في المؤسسات ومنع الحجاب حسب المنشور رقم 108 إلى حد أن ممثل السلطة شعر بحرج كبير وصرح قائلا: أعتقد أن قرار منع الحجاب غير ذكي!

وبخصوص الوضع في المغرب الأقصى تحدث عن حزب الاستقلال محمد العربي المساري الذي وصف الحركة السلفية والإطار الموضوعي للحركات الإسلامية، بل إن بعض أعضاء هذا الحزب التحقوا بها، وألقى عبد الإله بن كيران ممثل حركة الإصلاح والتجديد الإسلامية في المغرب الأقصى كلمة عرف بها بحركته ونهجها حيث عدلت عام 1982 عن المواجهة والنهج الانقلابي وتتبنى الآن الملكية من حيث الشرعية السياسية مع الاحتفاظ بحقها في المعارضة، وقام بعملية قراءة نقدية لعلاقة النخبة بالشعوب وضعف ثقة هذه الأخيرة بالسياسيين، وتجدر الملاحظة أن حركة العدل والإحسان لم تكن مدعوة كطرف إسلامي له حضور فاعل في المغرب.

الجبهة الإسلامية هي الحكم

وأما بخصوص الوضع في الجزائر فقد تحدث عبد الكريم ولد عدة ممثلًا للجبهة الإسلامية للإنقاذ بدلًا عن رابح كبير الذي منعت ألمانيا منحه تأشيرة خروج إلى بريطانيا، وبعد أن استعرض التطور التاريخي للأزمة الجزائرية التي تشهدها البلاد في الوقت الحاضر اعتبر ولد عدة أن قضية الجزائر نقطة سوداء بالمقارنة إلى هاتين، وأكد على أن الجبهة هي الحزب الأقوى وتمثل ذاكرة شعب ومطمح أمة، ودلل على ذلك سقوط خمس حكومات وتغييرات في أعلى هرم السلطة وبقاء الجبهة شامخة رغم الخسائر والتضحيات «25 ألف سجين بالإضافة إلى آلاف الضحايا».

وعن الحوار ذكر أن الجبهة ليست مسؤولة عن الأزمة وإنما الانقلابيون، ولكن رغم ذلك قبلت الحوار شعورًا منها بمسؤوليتها التاريخية وحرصًا منها على مصلحة الإسلام والجزائر أرضًا وشعبًا، وحول كفاءة رجالات الجبهة أشار «ولد عدة» إلى مستوى إطاراتها مثل المرشحين للبرلمان ومسؤولي الولايات، وعن القضية البربرية اعتبر أن النظام مسؤول عن إهمال الخاصية البربرية وأكد على أنه كل من يريد أن يَقضي على جزء من تراثه فقد حاول القضاء على جزء من ذاكرة شعبه وتاريخه، واستشهد بمقولة للشيخ عبدالحميد بن باديس يتحدث فيها عن صهر الإسلام للعنصرين العربي والأمازيغي «البربري».

وتناول عبدالحميد الإبراهيمي مسؤول سياسي سابق الكلمة واعتبر الأزمة الجزائرية عميقة لا يمكن مناقشتها بسطحية لتشعبها، كما اعتبر أن النظام مسؤول عنها مؤكدًا وجود نخبة واعية وإطارات في كافة المجالات لكن ما ينقص هو الديمقراطية.

وفي الوقت الذي تغيب فيه الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة المجتمع الإسلامي «حماس» فقد حضر الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة النهضة وتحدث عن عوامل تعميق الأزمة الجزائرية ومنها الاحتكار السياسي وتمكين التيار الفرنكفوني المتطرف والمهيمن على مراكز التأثير ومصادر القرار، ثم استعرض المراحل التي مرت بها عملية الحوار الوطني بين مد وجزر وفشل الجولات الأخيرة بسبب تجاوزات السلطة، وأشار إلى أن تحريك التيار البربري يهدف إلى إيهام الرأي العام بأن البلد مهدد بتفكك الوحدة الوطنية لكنه أكد على تفاؤله لغلبة منطق الحوار على منطق القوة والاستئصال، كما أكد على أن إنجاح الحوار الوطني تحول إلى قناعة مشتركة بين أغلب القوى والشخصيات السياسية ورئيس الدولة نفسه.

غياب الاستقرار الاقتصادي والتعددية

وبعد التوقف عند وضع البلدان المغاربية الرئيسية «المغرب - الجزائر - تونس» استعرضت الندوة وجهات نظر الخبراء حول مستقبل المنطقة، فمن وجهة نظر مغاربية قدم محمد المناعي مداخلة حول الوضع الاقتصادي في البلدان المغاربية الخمسة مشيرًا إلى غياب وحدة اقتصادية بالنظر إلى عدم اعتماد السياسات الاقتصادية في هذه البلدان خيار التكامل وإنما التنافس على الأسواق الخارجية الأوروبية التقليدية، كما أشار إلى عدم تنوع الأنشطة الاقتصادية بعد مرور 30 سنة على الاستقلال حيث بقي كل بلد أسير القطاع المهيمن والنتيجة ارتفاع نسبتي البطالة والأمية.

من ناحيته تحدث عبدالسلام البلاجي عن واقع الديمقراطية وآفاقها في المغرب العربي، وبعد إجراء مقارنة بين القواعد المشتركة والتمايزات بين بلدان المنطقة حلل الآفاق المستقبلية فيما يتعلق بمدى ديمقراطية الأنظمة القائمة مشيرًا إلى صفة الاستمرارية وعدم تجذر التعددية وغلبة صفة الانتقائية عليها، كما تناول موضوع حقوق الإنسان والحريات الأساسية واعتبر المغرب الأقصى نموذجيًا من حيث حرية التعبير والصحافة. أما عن الحركة الإسلامية فقد تحولت إلى واقع ولا مفر من مشاركتها في الحياة السياسية.

وتحدث الشيخ راشد الغنوشي عن الحركة الإسلامية في المغرب العربي بين الوحدة والاختلاف، وبعد التعريف بالحركة الإسلامية وعوامل أو مبررات نشأتها ومنها غياب الشرعية واغتراب الدولة أشار إلى حدة صدمة الحداثة في تونس بحكم قوة التغريب فيها، واعتبر أن من القواسم المشتركة بين جل الحركات الإسلامية في المنطقة التقاؤها حول نقطة الانطلاق المتمثلة في موضوع الهوية وكذلك قبولها بآليات الديمقراطية وشدد على أنه لا يوجد مشكلة في اقتناع الإسلاميين بالتعددية والديمقراطية -عدا بعض الفصائل- وإنما المشكلة في الطرف المقابل موضحا أن التطرف العلماني يدفع بقطاع من الحركة الإسلامية إلى التشدد.

المغرب العربي في نظر الغرب

وقدم بعد ذلك خبراء من الفضاء الأنجلوساكسوني والأوروبي وجهات نظرهم بخصوص مستقبل المنطقة المغاربية، وتحدث د. كليمون هنري موره عن التحدي الإسلامي والسياسة الأمريكية المعاصرة، مشيرا إلى الاهتمام الأمريكي المتنامي بالمنطقة المغاربية مع بقاء الأولوية لمنطقة الشرق الأوسط لوجود عنصرين أساسيين يضمنان المصالح الأمريكية: النفط وإسرائيل، كما أشار إلى وجود لوبي صهيوني يخوف من الأصولية، ويصف هذا التيار الحركات الإسلامية بالغول الذي احتل مكان الاتحاد السوفيتي سابقًا، وفيما يتعلق بوضع المنطقة المغاربية، أكد على خطورة غياب النخبة المثقفة أو هامشيتها كما هو الحال في الجزائر.

وتناول جورج جوفي رئيس المركز المشرف على الندوة موضوع المشروطية والمعونات الأوروبية للمغرب العربي، وذكر بأن الدول الأوروبية المقدمة للمعونات وضعت معايير عديدة ومنها سياسية لتقديم معوناتها. ومن هذه الشروط استقلالية القانون وضرورة احترام الحقوق الأساسية ويرى بأن الخطر الذي يمثله الإسلام حسب عدد من السياسيين والمثقفين مبالغ فيه والخطر الحقيقي مصدره العقلية المعادية للإسلام من داخل أوروبا، وفي نفس الإطار تحدث ديميرل انقلز عن علاقة المجموعة الأوروبية بالمغرب العربي.

من جهته يرى فرانسوا بورغا الكاتب والمفكر المشهور بأن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى قبول الغرب بالاعتراف بحق الثقافات غير الغربية في منافسة الثقافة الغربية، وتمنى أن تحصل تطورات في الموقف الفرنسي وتفهم مواقف الحركات الإسلامية العقلانية، من ناحيته شرح فولسكا فورتيس الموقف الألماني المؤيد للنهج الفرنسي مع وجود اختلافات خفيفة، وتلتزم ألمانيا بالتعامل مع الحكومات وتدعمها عسكريًا واقتصاديًا، أما عن دور المثقفين الألمان فإن بعض الأكاديميين يحثون حكومتهم على التعرف على المعارضة الإسلامية وعلى عدم وضعها كلها في خانة الإرهاب.

انتصار إرادة الشعب

وانتهت الندوة بتنظيم جلسة نقاش تم التعرض خلالها إلى المواقف الغربية الرسمية والفرنسية منها بالخصوص. وصرح الغنوشي بقوله: «نحن متألمون من الحكومات الغربية في خطها العريض المناوئ للحركات الإسلامية». وأضاف: «ولا نقر السياسة المصلحية البراغماتية»، لكنه عبر عن تمنيه انتشار التيار التحريري العريق في أوروبا، بل اعتبر أن مصير العالم والحضارتين العربية والإسلامية مرتبط بمدى تأثير العقلاء عندنا وعندهم، وأكد على أن الإسلام يراهن على السلم والحوار وتبادل المنافع وعلى عالم تسير فيه الأفكار بلا حواجز.

ومن جهته يرى جاب الله رئيس حركة النهضة الجزائرية بأن دعم فرنسا للتيار الفرنكفوني في الجزائر الداعي للاستئصال والقطيعة ليس في صالح فرنسا ولا أتباعها مؤكدًا على انتصار إرادة الشعب والحوار الذي أصبح قناعة، أما عبدالحميد الإبراهيمي فإنه يرى بأن الفرنسيين أصبحوا أوصياء على الشعب الجزائري وأن المساعدات التي يقدمونها لا تستثمر لصالح الاقتصاد الجزائري بل يستفيد منها الاقتصاد الفرنسي نفسه.

وتناول النقاش مسألة التعددية لدى الحركات الإسلامية ويرى الغنوشي، أنه ثمة بعض الاختلافات بين وجهات نظر الحركات الإسلامية في هذا الموضوع وقال: إننا في حركة النهضة التونسية أصّلنا التعددية في فكرنا ولا نعتبر أنفسنا ناطقين رسميين باسم الإسلام، وإنما لدينا وجهة نظر نقدمها، كما دافع كل من ممثل الجبهة الإسلامية وحركة النهضة الجزائرية عن مبدأ التعددية، بل إن الشيخ جاب الله اعتبر بأن الإسلام ارتفع بمستوى المعارضة من الحق إلى الواجب فالتعددية ليست مجرد حق يمارسه الشعب بل هي واجب..

ودار النقاش أيضًا حول خصوصيات الدولة الإسلامية كما تطرحها الحركات الإسلامية، وقام الغنوشي بمقارنة بين الدولة القائمة الآن والتي ابتلعت المجتمع وبين الدولة الإسلامية التي تقوم بمهمة إقامة العدل فهي ليست شمولية والسلطة الأكبر تعود للمجتمع.

الشيخ جاب الله يرى من ناحيته أن الدولة الإسلامية ليست دينية بالمفهوم الغربي وإنما تجمع في مرجعيتها إلى المراجع الإسلامية والتجارب البشرية وتم اعتبار الدولة في إيران تجربة من التجارب.

وعن مستقبل المنطقة يرى مسؤول الجبهة الإسلامية بأنه لا استقرار في الجزائر دون مساهمة الجبهة في حل المشكل أو الوضع في هذه البلاد ولا استقرار في المنطقة دون استقرار الجزائر، أما الشيخ جاب الله فهو يعتبر أن هذا المستقبل معلق بعودة الحق في السلطة للشعوب.

الرابط المختصر :