; في نطاق الدعوة الجادة لتمكين الأزهر من أداء رسالته | مجلة المجتمع

العنوان في نطاق الدعوة الجادة لتمكين الأزهر من أداء رسالته

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 224

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

الأستاذ/ محمد عطية خميس يطالب «في مجلة الاعتصام» باستقلال الأزهر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، مطالبًا برد الأوقاف المسلوبة بالغصب، والخديعة من الأزهر منذ أيام محمد علي، كما طالعت قرارات، وتوصيات المعسكر الإسلامي لشــــباب جامعة القاهرة، والتي تضمنت الإشارة إلى »ضعف الأزهــر عن أداء دوره كحصن للإسلام، وأهم أسباب ذلك اختيار شيخ الأزهر بالطريقة الحالية، وهو ما يعد أمرًا مستغربًا«. وكلا المَطْلَبَين في الواقع من فرعيات قضيـة واحدة، من أخطر قضايانا الإسلامية والسياسية، والاجتماعية، ألا وهي: قضية استقلال الأزهر. وإذا كان الاتجاه في الدول الحديثة، وفي دولتنا، أن تتمتع هيئات معينة، باستقلال ذاتي، حتى تكفل لها الضمانات التي تعينها على أداء رسالتها، دون أن تعوقها المعوقات، أو تعرقل مسيرها مؤثرات التبعية للغير، فإن الأزهر بالذات هو أولى هـــذه الهيئات جميعها بالتمتع بهذا الاستقلال. استقلال هيئات أقل شأنًا: للجامعات العلمية استقلالها لأن رسالة العلم لا يليق أن تكون تحت وصاية. لمجلس الدولة استقلاله، وحين طرأت فكرة لضم مجلس الدولة إلى وزارة العدل قامت الدنيا وقعدت، وثار رجال مجلس الدولة على هذه الفكرة واحتجوا، لأن هـذه التبعية تتعارض مع رســـالة المجلس، وطبيعة واجبه فـي الفصل في المنازعات التي تقوم بين الأفراد والدولة، وبقي لمجلس الدولة استقلاله. والجهاز المركزي للمحاسبات الذي يقتصر على محاســـــبة الوزارات، والمصالح على المخالفات المالية والإدارية، له استقلاله الذاتي، حتى يستطيع أداء رسالته بعيدًا عن سيطرة، وتأثير أيَّة سلطة وزارية، أو سياسية، أو غيرها. والأمثلة كثيرة وكثيرة من هيئات أخرى، كفل لها القانون استقلالها. فهل الأزهر أقل من هـــذه الهيئات المختلفة؟ إنه يؤدي رسالة الجامعات بل وأســـــمى من رســـالة الجامعات. الأزهر هيئة عالمية إسلامية. لقد جاء في دائرة معارف »کولیرز« ويفد إلى الأزهر الآلاف من العالم الإسلامي، ويعتبر أقدم جامعة في العالم تقدم علوم القرآن، والســـنة، والشريعة مع العلوم التطبيقية، والأكاديمية،» وجاء في دائرة معارف القرن العشرين: إن جامع الأزهر أقدم جامعة علمية في العالم، فهو يعتبر مركزًا لإشعاع علوم القـــرآن عبر التاريخ«. والأزهر يحمل أمانة الفصل في الخلافات الشرعية التي تنتظم حياة الأمة كلها، أفرادًا وجماعات، وحكامًا، ومحكومين، والأزهر هو الجهاز المركزي للمحاسبات عن كل كبيرة وصغيرة من المخالفات التي تقع على دين الدولة. استقلال الكنيسة والباباوات وليس بدعًا أن يكون للأزهر استقلال كامل لا تنقصه تبعية، ولا تتحكم فيه وصاية، فها هي ذي أوروبا بالرغم من الصراعات التاريخية بين السلطة الكنسية والسلطة الزمنيـــة، بقي للكنيسة هذا الاستقلال. أمــــا في أمريكا: فقـــد نص الدستور الأمريكي صراحة علــى استقلال الباباوات، ليضمـــن للدين حريته، وانطلاقه فلا يصح أن يكون الدين ودعاته تحــت سيطرة زمنية ووضعية. وإذا كان هذا هو الشأن في أمريكا، وأوروبا، والعالم كله، فيما عدا الدول الشيوعية، فكيف لا تكفل مثل هذه الضمانات لأزهرنا ورجاله؟ الدين مصدر الدساتير إن الدين في الدولــة هــو أخطر مصــدر من مصـادر دساتيرها مثــلًا لقد نص دستورنا في مادته الثانية على أن »دين الدولة هـــو الإسلام«، فما معنى هذا، وهل للشخص الاعتباري دين؟ معناه أن الإسلام هو أغنى مقومات هذا المجتمع الذي نعيش فيه، ويجب أن تفنى غايتنا -حكامًا ومحكومين- في سبيل الاستقامة على هـــذا الدين القيم، ولابد من جهاز يعمل لتحقيق هذه الغايـــة، فيؤكد الصلة بين هذا الدين والحياة، ويربط بين هـــذه العقيدة الســــامية المقدسة والسلوك. والأزهر هو الذي حمل عبء هذه الأمانة التي حرص الدستور على النص عليها في مقدمة مواده، حملها طوال عشرة قرون وعلى مـــدى ألف عام من تاريخ مصر، ولقد أقر قانون تطوير الأزهر بهذا صراحة في مادته الثانية، فاعترف بأن الأزهر يقوم برسالة كبرى منها »تأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك«. وهذه الرسالة المقدسة التي يقوم بها الأزهر استجابة لله ورسوله، وتنفيذًا للإرادة الشعبية التــي نص عليهـــا الدستور ليست هي رســـالة مصر وحدها، وإنما يقــوم الأزهر برسالته للعالم الإسلامي كله، حـــتى أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة قررت ذلك بجلستها المنعقدة 13 فبراير ١٩٧٤، ومعترفـة له باستقلاله، فقالت: »ومن ثم فإنه إزاء هذه الرسالة السامية التي تتجه إليها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يعتبر الأزهر بهذا الوصف من الهيئات العامـــة«. الأزهر قيادة شعبية والأزهر قطعة غالية من تاريخ مصــــر، قاد واشترك مرارًا في حركات التحرر والتقدم الشـــــعبي في العصـــر العثماني، وفي عصر المماليك، وضد نابليون والحملـــة الفرنسية، وفي عصر محمد علي، وفي وقت الثـــورة العرابية، وضد الاحتلال البريطاني، وفي ثورة سنة 1919. فالأزهر هو الشـــعب؛ يمثل عقيدته وإيمانه، وعاطفته ووجدانه، وأمانيه وأحلامه. مؤامرات السلطة الوضعية ووضع الأزهر على هـــذه الصورة لسلطة شعبية، كان سببًا في عدم ارتياح السـلطة الوضـــعية، كانت السلطة السياسية، أو التنفيذية غـــير راضية عن استقلال هــــذه القوة الروحيـــة، فماذا يصنعون؟ كان الأزهر مستقلًا يعيش على الأوقاف الكثيرة التي وقفها الخيرون من المسلمين، فــلم يكن يأخذ مليمًا واحــــدًا من الحاكم. ويكفي لمعرفة ضخامة هذه الأوقاف أن بحيرة البرلس الكبيرة في شمال الدلتا، كانت بأسرها أحد الأوقاف الموقوفة على معهد دمياط الديني، وكانت هذه البحيرة واحدة من الأوقاف العديدة على هــــذا المعهد. وكانت هذه الأوقاف مصدر قوة الأزهر، وكانت مظهرًا قويًا من مظاهر الإرادة الشعبية في تقرير استقلال الأزهر، وتحريره من كل تبعية. ولكن هذا ضايق الحكام، فعملوا على تجريد الأزهر من جميع أوقافه ونهبها، فأخذ الحاكمون في عصر محمد على -كما قال فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود من قبـــل- يحتالون للأمر، حتى أمكنهم بالمكر والخديعة أن يستولوا على أوقاف الأزهر ويعطوه مالًا من خزينة الدولة، يضيق عليه فيه سنويًا، ولا تساير الدولة نمو الأزهر وتطوره، وأصبح الأزهر في ضيق يزداد ضيقــًا كل عــــام. وفي سنة ۱۹۱۹ أثناء الثورة المصرية، عمد الإنجليز بتعاون السلطة الحاكمة أثناء الثورة، على الدخول في الأزهر، وفي المكتبة الأزهرية، والاستيلاء على حجج أوقاف الأزهـــر، للقضاء على قوته، ولإضعافه، ولتدمير استقلاله، و جعله تابعًا و تحت الوصاية الوضعية. كانت هناك أوقاف جرايـــة لكل طالب ومجاور، حتى ييسر طعام طالب العلم، وكانت هناك أوقاف جراية، آلاف الأرغفة لشيخ الأزهــر، ليطعم أضيافه العديدين، وفقراء المسلمين، بل كانت هنــاك بعض أوقاف لبغلة شـــيخ الأزهر، حرصًا على توفير وسيلة النقل له، وغيرها وغيرها من الأوقاف الجليلة. قوانين الأزهـــر كل هذه الأوقاف غُصبت، ونهبت، و أصبحت أثرًا بعد عين، ومنذ الاحتلال البريطاني بدأت القوانين تصدر لتنظيم تعيين شيخ الأزهر، ولتنظيم تبعيته للسلطة الوضعية، ويكاد يكون أول قانون قد صـدر فـي هذا الشأن هو القانون ١٨۹٥، ثم القانون ۱۸۹۹، ثم في سنة ۱۹۰۸، و ۱۹۱۱، و 1923، و ۱۹۳۰، و 1936، وهكــذا صدرت القوانين العديدة حتى صدر قانون تطوير الأزهر في سنة ١٩٦١. ويلاحظ أن هــذه القوانين جميعها، لاحظت ما للأزهر من قدسية المكانة، وحافظت على استقلاله إلى حد ما، فجعلت تبعية شيخ الأزهر لرئيس الدولة، للملك في العهود الملكية، ولرئيس الجمهورية في العصر الجمهوري، ولكن بالرغم من هذه التبعية الشكلية والرســــمية لرئيس الدولة، كان التدخل السياسي يفرض دائمًا في تعيين شـــيخ الأزهر وعزله، وفي اختيار شيخ بالذات له مواصفات تتفق مع الرغبات الوضيعة. فمثلًا سنة 1937 توفــي المرحوم الشيخ أبو الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر، وأراد الإنجليز التدخل في شؤون الدين، منتهزين هذه الفرصة. فتقدم اللورد جورج لويـــد المندوب السامي البريطاني إلى توفيق نسيم باشا رئيس ديوان الملك، وطلب منه ترشيح الشيخ المراغي لمشيخة الأزهر، وأعيد الطلب على الملك فؤاد بصورة أخرى، كان النحاس باشا رئيس مجلس الوزراء في ذلك الوقت، وكانت الوزارة ائتلافية برئاسته، وكان محمد محمود باشا وأحمد خشبة باشـــا يمثلان الحزب الدستوري. وكلاهما من أبناء الصعيد،. وكانت تربطهما بالشيخ المراغي صداقة متينة، فأشارا على النحاس باشا باختيار الشيخ المراغي، وأبدى النحاس هذه الرغبة إلى الملك فؤاد، ولكن الملك ماطل في إجابة هذه الرغبة، فتوجه اللورد جورج لويد الى توفيق نسيم رئيس الديوان الملكي وعاد وطلب تعيين الشيخ المراغي وأنا هنا لا أريد المساس بالشيخ المراغي رحمه الله، ولكن أردت أن أعطي صـورة من صور تدخل الســـــلطة الوضيعة في تعيين شيخ الأزهر في ذلك الوقت. ولقد كتبت الأهرام في ۲۸ أبريل 1935 تحت عنوان »الرغبات البريطانية« المقول أن الحكومة البريطانية قد أثارت من جديد الأزمة التي بدأ بها المستر بيترسون فــي الخريف الماضي، وتريد أن تصفي جميع المسائل التـــي حركتها في ذلك الوقت، وتحقق جميع الرغبات، وقد تحقق منها حتى الآن. 1 - إسقاط وزارة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا. 2 - تقليد صاحب الدولة محمد توفيق نسيم باشا للوزارة. 3 - إبعاد صاحب السعادة زكي الإبراشي باشــا. 4 - تعيين صاحب الفضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخًا للجامع الأزهر، وهذه أخر رغبة حققت. لاستكمال استقلال الأزهر ولقد جاء قانون تطوير الأزهر في سنة ١٩٦١ ينـــص على: »الأزهر، يتبع رئاسة الجمهورية«، »للأزهر شخصية معنوية عربية الجنس«، ،«شيخ الأزهر الـــذي يمثل الأزهر» وقد يكون ربط الأزهـر بالرئاسة العليا للدولة تأكيدًا لأهميته، وخطورته، ولـــه مدلوله في وجوب استقلاله، ولكن نرى استكمالًا، وتدعيمًا لاستقلال الأزهر وجــوب تحقيق الأمرين اللذين أشارت إليهما الاعتصام الغراء فــي عددها الماضي البحث عن أوقاف الأزهر، وردها إليه. يكون الترشيح لعضوية مجمع البحوث الإســـلامية، بمعرفة المجمع نفسه وحده، والمجمع هو الذي يقوم بترشيح واختيار شيخ الأزهر. فبهاتين الخطوتين يستكمل الأزهر استقلاله كهيئة شعبية تحافظ على دين الدولة، وتحقق التوازن الدستوري. فالقوة الشعبية إذا أصبحت ظلًا للقوة الرسمية، اختل الميزان الدستوري، وانتقاص استقلال القوى الشعبية، فضلًا من الاعتداء عليه، يؤدي إلى إعدامها وإفقادها فاعليتها. وليس من المنطق الدستوري أن تكون المشروعية الإسلامية تابعة، وتحت وصاية المشروعية الوضعية. وفي النظام الإســـلامي، يعتبر العلماء هم أهل الشورى، والحل والعقد، علاوة على أنهم يمثلون الإرادة الشعبية، فاستقلال الأزهر -كقوة شعبية- من أهم الضمانات لتحقيق التوازن الدستوري، واستقلال الأزهـــر من أهم الضمانات لحماية الإسلام في هذه الأمة. ولذا فإنني أرى أن النص على استقلال الأزهر في القانون وحده ليس كافيًا، وإنمـــا يتعين النص على هذا الاستقلال صراحة في الدستور، كما نص الدستور الأمريكي على استقلال الكنيسة والبابوات. أعز الله كل من أراد للأزهر خيرًا، وقصم الله ظهر كل من رامه بسوء، ووفــق الله المسؤولين إلى الاستجابة لهذه المطالب التي نريدها، وشرح الله صدورهم لرفع كلمــــة الإسلام، وحمايته من عبث الشياطين، وعبيد الأهواء. محمد عطية خميس المحامي بالنقض
الرابط المختصر :