العنوان في مجرى الأحداث: لون آخر من انتهاك الشرعية.
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1289
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 24-فبراير-1998
ما يجري الآن في البوسنة هو لون آخر من ألوان انتهاك الشرعية الدولية، ولكن أحدًا لا يسمع عنها شيئًا؛ لأن الذي يمارس الانتهاك ليس المسلمين، وإنما الطرف الآخر «الصرب» وبحماية ودعم القوى الكبرى، بل إن أطرافًا دولية لها وزنها على الساحة تمارس بنفسها الانتهاك على أرض البوسنة دون احترام لكيان الدولة أو سيادتها أو حتى وجودها، وهناك أطراف أخرى تتعامل مع هذه الدولة المسلمة الوليدة وكأنها غير موجودة من الأصل، وإن كان ما يعلن بحق البوسنة كدولة من جانب هذه الأطراف شيء وسلوكياتها شيء آخر، المثال الأكثر تجسيدًا لذلك هو الموقف الفرنسي المتحالف مع الصرب على طول الخط دون مراعاة لا لشرعية، ولا لاتفاقيات دولية.
الأسبوع الأخير استقبل قصر الإليزيه (المقر الرسمي للرئاسة الفرنسية) رئيسة ما تسمى جمهورية صرب البوسنة بيليانا بلافيتش كرئيسة دولة مستقلة بعد أن وجهت لها دعوة رسمية لزيارة فرنسا دون علم وزارة الخارجية أو الرئاسة البوسنية التي من المفروض أن تكون بيليانا تابعة لها وفق اتفاقية دايتون التي صنعها وصاغها الغرب ويشرف على تنفيذها، ولذلك جاء الأمر مفاجئًا للرئيس علي عزت بيجوفيتش الذي كان أقصی ما فعل هو توجيه رسالة إلى الرئيس الفرنسي اعتبر فيها ما حدث إهانة للشعب البوسني، وبشكل لا يمكن اعتباره تشجيعًا للقوى التي تطبق اتفاق دايتون، وقال بيجوفيتش إن هذا الموقف من فرنسا يدل على سياسة متعجرفة من دولة كبيرة تجاه دولة صغيرة (البوسنة) تصارع من أجل البقاء، وأن ذلك ليس هو السلوك الأول الذي يتعمده الجانب الفرنسي، فشعب البوسنة مازال يتذكر بألم منع القوات الفرنسية وصول المساعدات الدولية إلى السكان المحاصرين في سربيرينتسا مما أسهم بشكل كبير في المجازر الشهيرة التي وقعت في يوليو ۱۹۹٥م، والتي لم يحدث لها مثيل من قبل إلا في الحرب العالمية الثانية، وكشف الرئيس البوسني أن الأوامر التي صدرت إلى القادة الفرنسيين في البوسنة كانت من الرئيس شيراك نفسه.
إذا كانت تلك مسالك القوى الكبرى في البوسنة، فهل ينتظر من الصرب أو الكروات احترام اتفاقيات أو شرعية أو حتى حقوق الإنسان؟ فقد قام الصرب قبل أيام بتشييد جدار في العاصمة سراييفو يفصل ضاحية دوبرينا الواقعة تحت سيطرتهم عن بقية ضواحي العاصمة، وقطع الاتصال بينها وبين بقية ضواحي المدينة، وذلك فيما يشبه عملية سلخ لجزء مهم من العاصمة عن بقية أجزائها، حدث ذلك احتجاجًا على اعتقال الشرطة لأحد مجرمي الصرب المطلوبين للمحاكمة، ولا ندري لو أن الشرطة اعتقلت صربيًا بريئًا ماذا كان يفعل الصرب إذن؟
إن البوسنة بعد اتفاقية دايتون صارت عمليًا بين أيدي القوى الأجنبية (سياسية وعسكرية) تتلاعب بها كيفما تشاء، وتقوم بإعادة تشكيلها، أو بمعنى أصح تكريس تفتيتها وفق مصالحهم ومشاريعهم الاستعمارية المستقبلية دون حول أو قوة من أهلها أو حكومتها، فقد تم تجريد جيشها من قوته، وأصبح من حق القوات الدولية مهاجمة أي موقع بوسني وتجريده من أي سلاح تراه خطرًا، كما يحدث من فرق التفتيش في العراق مع الفارق، ومازالت البوسنة على أرض الواقع مشتتة في كيانات منفصلة، بل إن البوسنة الدولة والحكومة والرئيس لم تمتلك بعد من الصلاحية ما تختار به علمها وعملتها، وفرض النظام الدولي عليها العلم والعملة وفق ما يراه مناسبًا من وجهة نظره، إن ما لم تتمكن الحرب من تحقيقه هناك يقوم به الآن النظام العالمي وهو اللادولة، هل يستطيع الشعب المؤمن الذي صمد سنوات أمـام مـحـرقـة الـحـرب إبطال ما يدير له تحت شعار السلام؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل