العنوان في رحاب القرآن الكريم
الكاتب السيد عبد العزيز المطوع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975
مشاهدات 12
نشر في العدد 256
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 01-يوليو-1975
القاعدة المثلثة:
إني لأرى أن قاعدة السلب والإيجاب والحياد
تشمل الوزن أيضًا، فالتصاق إحدى كفتي الميزان بالأرض إيجاب، وارتفاع الأخرى سلب،
وتعادل الكفتين حياد، وكذلك الشأن في كل تعادل وكل وسط، وإن كل تعادل ووسط بين
شيئين قد يؤدي إلى شيء جديد، وقد يكون فيه علم مفيد، وإن الكون كله يقوم على قاعدة
التعادل، وعلى أساس هذه القاعدة فإن الماء يعتبر إيجابًا بالنسبة للهواء، والهواء
يعتبر سلبًا بالنسبة للماء، وإيجابًا بالنسبة للأثير بعده، ثم لعل الهواء يكون
بمثابة التعادل والحياد بين الماء والأثير، وهكذا الأمر في طبقات الأجواء
المختلفة، فالأثير يعتبر سلبًا بالنسبة للهواء، وإيجابًا بالنسبة للطبقة التي
تليه، وعلى هذا الأساس فإن كل طبقة تعتبر إيجابًا لما فوقها وسلبًا بالنسبة لما
تحتها، وكل طبقة بين طبقتين تمثل التعادل، شأن الهواء بين الماء والأثير، الأمر
الذي يحملنا على الاعتقاد بأن سلسلة هذه الطبقات مترابطة متماسكة بحكم اختلاف
الوزن سلبًا وتعادلًا وإيجابًا، ولا أدل على ذلك من أن الإشارات اللاسلكية
والإذاعات المسموعة والمرئية، تستقبل وترسل بين المحطات الأرضية والطبقات العليا
وأننا نرى الشمس نهارًا والقمر ليلًا، كما نرى الكثير من النجوم رغم أبعادها
الشاسعة، وفي ذلك كله دليل على تسلسل الصلة بين الأجواء وقوة ارتباطها.
على أن التعادل والحياد بين الأجواء المتنافرة
عامل مهم في هذا التماسك والارتباط، ولولاه لانفصلت الأجواء عن بعضها بحكم التنافر
والتسالب، ولما بقي على سطح الأرض ماء أو هواء، وإذا انعدم الماء والهواء انعدمت
جميع الأجواء المتفرعة عنهما، وانعدمت الصلة بين الأرض والسماء، وتداعى نظام الكون
واختفت سمة الحياة لارتباطها بالماء، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: 30).
ويظهر من قوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7) إلى قوله سبحانه ﴿وَالْأَرْضَ
وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (الرحمن: 10) أن الوضع للأرض مقابل الرفع للسماء، كما يظهر
من ذلك أيضًا، أن الأرض أقرب مفردات المجموعة نحو آخر مراحل الإيجاب المعروفة،
ولقد قرأت في كتاب «النجوم في مسالكها» للورد جيمس العالم الإنجليزي المعروف
وتعريب أحمد عبدالسلام الكرداني بك -وزير معارف مصر الأسبق- ما معناه أن «الأرض
والمجموعة تتخذ وضعًا انعزاليًا في إحدى زوايا العالم». ولعل في ذلك تأييدًا لما
تقدم.
وكما أن هناك تبادلًا بين الأرض والسماء في
مجالات الإرسال والاستقبال، فإن هناك تبادلًا في الأوزان ما خف منها أو ثقل، وأن
هذا التبادل يخضع لهذه القاعدة الثلاثية الشاملة، ويظهر من ذلك أنه إذا كان اتجاه
الانتقال نحو الأرض عموديًا فإنه يتجه إلى جهة الإيجاب مخترقًا بذلك الطبقات
السلبية في الأجواء الخفيفة حتى تصل إلى جو إيجابي تمثل فيه السلبية، شأن قطعة
الحديد في حيز الزئبق والتفاحة في حيز من الماء، ما لم ترتطم قبل ذلك بجسم صلب
كقاع الأرض أو قاع البحر أو ما شاكل ذلك، في مقابل أن الأجسام الخفيفة لا تستقر في
الأجواء الثقيلة، ما لم تقترن بثقل بل تنطلق مطرودة- بحكم القاعدة- نحو العلو حتى
تصل إلى جهة سلبية تمثل فيها الإيجابية بالنسبة إليها، شأن الأبخرة المتصاعدة من
مياه الأرض فإنها تتصاعد إلى أعلى حتى تستقر في مكان الإيجاب بالنسبة لما فوقها ثم
تعود إلى الأرض ماءً عذبًا طهورًا، ما لم ترتطم مثل هذه الأبخرة بجسم صلب- أثناء
انطلاقها- يحول بينها وبين متابعة مسيرتها إلى أعلى، وذلك كالأبخرة المتصاعدة من
ماء ساخن إلى سقف حمام مثلًا فإنه يحول بينها وبين انطلاقها حتى تتساقط رذاذًا،
وذلك كحكم ارتطام الأجسام الثقيلة بجسم صلب كالأرض أو ما شاكلها.
ومن الأدلة على أن الأرض هي أقرب مفردات
المجموعة نحو آخر مراحل الإيجاب المعروفة أن الهابطين بسفن الفضاء على القمر -مثلًا-
لا يستطيعون الهبوط عليه من الجهة المقابلة للأرض، وهذا ما ينطبق على جميع الكواكب
العليا لتعادلها وارتباطها بالأرض فيما أعتقد، وكذلك لا يمكن أن يستقر طائر أو
إنسان استقرارًا عاديًا من الناحية المقابلة للأرض على بالون أو غيره مما يحلق في
الفضاء، كما يشاهد أن الحمائم وأمثالها حين تأوي إلى أوكارها فإنها لا تستطيع
الهبوط عليها من الناحية المواجهة للأرض، وإذا كنا نرى الخفافيش وبعض الحشرات تسير
أو تستقر في سقف مثلًا، فمرجع ذلك إلى أن الله سبحانه قد خلق لها من وسائل التشبث
ما يجعلها قادرة على احتمال وزنها كشأن الأشجار المتسلقة والثمار المعلقة.
التعادل بين جهتي الوزن واللاوزن
أو بين الإيجاب والسالب:
ويظهر مما تقدم أن الجهة العليا سلبية وأن
الجهة السفلى إيجابية وأن الجهات الأربع الباقية بعد ذلك جهات حيادية في كل جرم أو
حجم. وأن في الوصول إلى نقط التقاء بين الإيجاب والسالب أو الوزن واللاوزن ما يفقد
الأجرام أوزانها بطريقة الازورار والتعادل، وذلك كما تربط إناءً مليئًا بالماء ثم
يدار به في الفضاء فإنه لا يفقد ما به من ماء، ولا يستبعد أن تكون الأجرام
المنطلقة من الأرض إلى منطقة ما يسمى بانعدام الوزن- خاضعة لتعادل جهتي الوزن-
لافتقار هذه الأجرام إلى التركيز على جهة الوزن أثناء دورانها حول الأرض، ما لم
تدفعها قوة ما نحوها، وإلا لبقيت هائمة دون ارتباطها بالأرض وكذلك حين ينطلق ممارس
الانزلاق على الجليد من مرتفع فإنه يظل حافظًا لتوازنه سابحًا في الفضاء بما يحمل
من زاحفات حتى يلامس الأرض، ومثله في ذلك من يمشي بين مرتفعين فوق سلك فإنه يهتدي-
لاشعوريًا- لطريق المواربة بواسطة عود يمسك به ليحفظ عليه تعادله، وكذلك توجد في
الألعاب السيركية أنواع متعددة من هذا القبيل، ويحضرني أنه بينما كنت أسير يومًا
في إحدى العواصم العالمية إذ شدت انتباهي مجموعة من الكبسولات الدوائية تتواكب في
طبق بيد بائع متجول، وقد تبين لي أن بداخل كل كبسولة منها كرة رش صغيرة، فبدا لي
أن الكرة حين تصل إلى وضع ما، تفقد الكبسولة وزنها وتثب متحركة إلى أعلى وسرعان ما
تزايل الكرة مكانها في الكبسولة، وفي أقل من ثانية تتكرر تلك الحركة فيحدث ذلك
دهشة لدى الناظرين فقلت في نفسي: سبحان الله! لعل في ذلك تجسيدًا لفكرة فقدان
الوزن عند نقطة التقاء جهتي الوزن واللاوزن، وقد تبادر لذهني أنه لو استطاع
الإنسان أن يثبت كرة الرش عند نقطة التعادل وأن يضع للكبسولة ما يشبه جناح الفراشة
مثلًا مع بعض الحركات الأولية لأمكن طيرانها، الأمر الذي يوحي بأن (تعادل انطلاقة
+ شكل طائر = طيرانًا بدون طاقة)، ولعل العلم قد استفاد من التعادل، وذلك بإمكان
هبوط طائرات التمرين وبعض أنواع الطائرات الأخرى إلى الأرض سالمة حين تتوقف
محركاتها لسبب ما، وأمر التكييف والتعادل في ذلك مع التيارات الهوائية معلوم كما
هو الشأن في الطائرات الشراعية وما شاكلها.
وضع الجبل أثناء تحليقه في
الفضاء:
مما لا شك فيه أن الجبل أكثر كثافة من مقدار
حجمه من الهواء، فاقتلاعه يستدعي طاقة رافعة مضادة تفوق وزنه، وبقاؤه معلقًا في
الفضاء- يكون بالتعادل بين جهتي الوزن بطريقة الازورار والمواربة بين الأفقي
والرأسي، كشأن سائر الأجرام السابحة في الفضاء ومن بينها الأرض لأنها جميعًا مائلة
بين الأفقي والرأسي الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بأن مركز الوزن يتعادل في الوسط،
وأن (تعادل + حركة = فقدان وزن)، بدليل أن الأجرام المنطلقة من الأرض نحو الفضاء،
تظل مرتبطة بها رغم بعدها، مستمرة في دورانها حولها ثم تتهابط نحوها بقدر ما
تتهادى إلى أن ترتطم بها في نهاية المطاف فكل وزن إذا تجرد من أحد العوامل
المتقدمة فإنه ينصب إلى جهة الإيجاب إحدى الجهات الست وهي جهة الأرض.
لكل شيء وزن:
ونؤكد ما سبق أن لكل شيء وزنًا كبر أم صغر،
فما لا وزن له في الماء له وزنه في الهواء، وهكذا الموازين في غير ذلك من الأجواء
مهما خف وزنها أو ثقل، فذرة الهيدروجين وهي أخف ذرة عرفها العلم في المحيط الأرضي
لها وزنها، بدليل أن العلماء جعلوا منها وحدة في أوزان الذرات الأخرى، وقد سبق
القرآن العظيم معايير العلم في ذلك فجعل من الذرة وحدة لموازين الأعمال كما جاء في
ختام سورة الزلزلة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8).
وحتى الإلكترون وهو جزء من الذرة لابد وأن
يكون له وزن في جو الذرة، وكذلك فيما إذا كان للإلكترون توابع وتوابع التوابع
كحلقات مسلسلة، على أن القرآن العظيم قد استبق العلم إلى ذكر ما هو أصغر من الذرة،
حيث يقول سبحانه في الآية 61 من سورة يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن
مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِك
وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُُّبِينٍ﴾ وكلمة مثقال مشتقة من الثقل الذي هو
الوزن.
جهة الوزن ومنتهى الثقل:
إذا صح ما نشر من اكتشاف ماء في القطب الجنوبي
يزيد وزنه كثيرًا عن وزن الماء العادي، فليس بعيدًا أن يتدرج ثقل هذه الأجواء إلى
ما هو أكثر ثقلًا فأكثر، كتدرج الأجواء الخفيفة إلى ما هو أكثر خفة نحو جهات الرفع
في حلقاتها المتتابعة.
وإذا كانت الكتابة- في مثل هذا التدرج- تنتهي
عادة بعبارة (إلى ما لا نهاية)- فإننا كمسلمين نؤمن بأن عرش الرحمن محيط بكل شيء،
كما قال سبحانه في آية الكرسي من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ
مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ
عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا
يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: 255)، ونؤكد
إيماننا مرة أخرى بأن هذا الاستمرار في تدرجه ينضوي تحت عرش الرحمن، وأن عرش
الرحمن هو منتهى الوزن لقوله صلوات الله عليه فيما معناه «سبحان الله وبحمده عدد
خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» وفي هذا التوجيه النبوي ما يثبت أن عرش
الرحمن أثقل ما في الوجود والتسبيح بهذه الصيغة غاية الكثرة ومنتهى صيغ الأعداد
والحساب وأن ذلك مما يوحي بأن الأجواء في تدرجها نحو الثقل ينتهي أثقلها إلى ما
تحت عرش الرحمن كذلك، يؤيد ذلك ما جاء في الآية السابعة من سورة هود: ﴿وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وأن كل ما ظهر في الوجود من وسائل الاختراع والكشف
كالطائرات والأقمار وغيرها- لم تستطع اكتشاف ما وراء القطب الجنوبي وأن ما أرسل من
صواريخ إلى ما وراء هذا القطب لم يعد ولم يعرف له مصير.
ويظهر من ذلك أن السموات والأرض وما بينهما-
خف أو ثقل- في كنف عرش الرحمن، وأنهما رغم المسافات الواسعة، والأبعاد الشاسعة، لا
تعدوان عن كونهما حلقة في فلاة، كما صور الحديث الشريف ذلك، فيما معناه أن الأرض
بالنسبة للسماء الأولى كحلقة في فلاة، وأن كل سماء بالنسبة لما بعدها كحلقة في
فلاة، وأن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة.
ولعل توسط الأرض فيما بين خفيف الأجواء
وثقيلها يجعلها في الوزن الوسط المتعادل بمثابة الحياد بالنسبة للكون كله، ولعل في
تكرار اقتران السموات بالأرض في كثير من آيات الله- ما يوحي بأهمية الأرض ومكانتها
الوسط وارتباط أجوائها بأجواء السماء على غرار القاعدة المتقدمة في تبادل الأوزان
بين الأرض والسماء إيجابًا وسلبًا وتعادلًا، ولا أدل على ذلك من قوله سبحانه في
الآية الرابعة من سورة الحديد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي
الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ
فِيهَا﴾ وقال جل شأنه في الآيات 4 ، 5 ، 6 من سورة طه: ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ
الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ
لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ
الثَّرَىٰ﴾ ولعل فيما جاء بسورة الأنبياء 30- 33 ما يحسن الرجوع إليه في هذا
المعنى.
تجارب علمية وملاحظات حولها:
وطالما تحدثنا عن الوزن وأقمنا عليه من الأدلة
ما سمح به المقام ووصل إليه فهمنا مستندين فيه إلى بعض ما جاء في كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم، فلابد لنا من استعراض ما قاله العلماء ثمرة لتجاربهم في
هذا الصدد، تيسيرًا على القارئ عند المقارنة بينها وبين ما يقرأه في هذا المقال.
فقد ورد عن أرسطو أنه قال: الأجسام الساقطة
تكون سرعتها متناسبة مع وزنها. أي إن الجسم الثقيل يكون أسرع سقوطًا إلى الأرض من
الجسم الخفيف، وكذلك نسب إلى جاليليو أنه قال: الأجسام الهابطة ثقيلة كانت أو
خفيفة تسقط بسرعة واحدة لولا مقاومة الهواء التي لا يشعر بها في حالة الأجسام
الثقيلة، ومعنى ذلك أن الجسم الخفيف أبطأ سقوطًا بسبب هذه المقاومة، فلما اخترعت
مفرغات الهواء أمكن إيجاد حالة فراغ تام، وثبت أن الجسم الخفيف كالريشة مثلًا يسقط
في وقت واحد مع قطعة معدنية وهذا لا يتعارض مع ما نحن بصدده، أولًا لأن في ذلك ما
يزيد إيماننا بهبوط الأشياء على اختلاف أوزانها إلى الأرض رغم الفراغ، وثانيًا لأن
الفوارق لا تكون إلا بالنسبة للأجواء، فإذا ما انعدمت الأجواء زالت الفوارق، بدليل
أن عامل المقاومة الهوائية لقطعة الورق، أقوى من عامل المقاومة لقطعة حديد مثلًا،
وإذا كان أحد العلماء قد ذكر بأن سر المقاومة يتمثل في شكل الورقة لا في وزنها، ثم
كور ورقة وألقى بها مع قطعة حديد من فوق كرسيه إلى الأرض فوصلتا معًا في وقت
واحد.. صحيح أن مقاومة الهواء لقطعة الورق في حال تكويرها تقل عنها قبل التكوير،
إلا أن تلاشي المقاومة غير صحيح، وربما فات هذا العالم أن فوارق المقاومة قد لا
تظهر واضحة في المسافات المحدودة والأماكن الضيقة، ولكنها تظهر جلية فيما لو أُلقي
مثل ذلك من مرتفعات عالية، وظهر مما تقدم أن ما قاله جاليليو لا يخالف ما روي عن
أرسطو من أن الجسم الثقيل أقل تأثرًا في مقاومة الجو من الجسم الخفيف، لهذا يكون
سقوط الجسم الثقيل إلى الأرض أسرع من الجسم الخفيف، كما يظهر مثل ذلك بصورة أقوى
في النطاق المائي، أما ما نسب إلى جاليليو من أنه ألقى من فوق برج بيزا بقطعتين
معدنيتين متفاوتتين وزنًا وحجمًا فسقطتا إلى الأرض في وقت واحد، فنسبة ذلك إليه
غير صحيحة، لأن الذي قام بهذه التجربة هو تلميذه فنشكزيو فنفاني، على أن هذه
التجربة أيضًا لا تختلف عن نظرية أرسطو إذا كان نوع القطعتين وشكلهما واحدًا وإذا
كان الأمر كذلك فإن من البديهي أن يكون مسطح كل قطعة متناسبًا مع وزنها، وبهذا
تكون مقاومة الهواء لكل منهما نسبية، ومعلوم أيضًا أن للهواء ضغطًا كما أثبتته
تجارب تورشيللي، وبهذا يكون الضغط عليها نسبيًا كذلك، وعلى هذا الأساس فإن فنفاني
لم يأت بجديد، على أنه لو أمعن تلاميذ أرسطو فيما قاله فنفاني وعلموا أن لكل قطعة
من القطعتين وزنًا يتناسب مع حجمها ومع مقاومة الهواء وضغطه عليها، لصححوا مفهوم
نظرية فنفاني لصالحهم بدلًا من اعتراضهم عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل