; في رحاب القرآن الكريم.. الوزن والقوة بين دافعة وجاذبة | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب القرآن الكريم.. الوزن والقوة بين دافعة وجاذبة

الكاتب السيد عبد العزيز المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1975

مشاهدات 78

نشر في العدد 255

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 24-يونيو-1975

في رحاب القرآن الكريم..

الوزن والقوة بين دافعة وجاذبة

      يقول الحق -تبارك وتعالى- منبئًا عن إسرائيل: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 63) ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (سورة البقرة:93) كما جاء مثل ذلك في الآية (154) من سورة النساء، والآية (171) من سورة الأعراف قال -سبحانه-: ﴿وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ (سورة النساء: 154) وقال جل شأنه: ﴿وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأعراف: 171).

      إن ذكر القرآن الكريم لأربع آيات في موضوع واحد بثلاث صور متفرقات يستدعى وقفة طويلة، ويسترعي انتباهًا خاصًا، ويقتضي تأملًا واعيًا، سيما بعد أن ذكر الله -سبحانه- في ثلاث من تلك الآيات الكريمة: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 63). 

     فاقتلاع جبل من موقعه -على هذا التصور القرآني- والارتفاع به إلى حيث يصبح وكأنه ظلة يدعو إلى الدراسة وغلى التعرف على بعض أسرار الطبيعة انتفاعًا بها، والاقتلاع عادة لا يتم إلا بقوة جاذبة أو دافعة، كما تدفع كرة في الفضاء مثلًا، أو يدفع الوقود جسم الصاروخ، أو تجذب قوة ما دلوًا من بئر، أو تشد قوة المغناطيس قطع الحديد نحوها، أو كما تستعمل الطريقة المروحية في تسيير السفن والطائرات وغير ذلك، أو كما يتحرك الماء بين المد والجزر بتأثير جاذبية القمر، والجاذبية أنواع أخرى لا ينبغي إغفالها -كجاذبية تماسك الخلايا فيما بينها في الجسم الحي، وتماسك الذرات في الجسم الميت، وجاذبية الوحدات في المجموعات من جهة ثانية، ولولا ذلك لتفككت أجزاء المجموعات الكونية -مثلًا- وتناثرت وحداتها، وقد جاء ذكر ذلك في مستهل كل من سور التكوير والانفطار والانشقاق، وغيرها من آيات الله، حين تنفطر السماء وتختل موازين الجاذبية الكونية، وتتناثر الكواكب، اجتزئ من ذلك قوله -سبحانه- في مستهل سورة الانفطار: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ﴾ (سورة الانفطار: 1) وقد سبق أن قدمت في الحلقة الثانية من الحديث حول سورة البقرة بالعدد الثاني من المجلد التاسع عشر من مجلة (البعث الإسلامي) التي تصدرها جمعية العلماء في -لكنو- الهند- بعض التفاصيل عن الأرض وعن أهميتها، وأن المجموعة كلها وكل ما في السموات مسخر للإنسان الذي هو من هذه الأرض، مما يحملنا على أن نقول: (كان الأحرى بهذه المجموعة أن تسمى بالمجموعة الأرضية بدلًا من تسميتها بالمجموعة الشمسية)  لا سيما وأن الأرض لم تخلق لفائدة الشمس وباقي المجموعة، بل العكس هو الصحيح، ولعل في الآية (67) من سورة الزمر ما يشير إلى هذا المعنى؛ حيث يقول -سبحانه-: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ (سورة الزمر: 67).

     ولعل في ذكر عبارة (الأرض جميعًا) ما يشير إلى المجموعة الأرضية، وبهذه المناسبة لا يفوتنا أن نقول: إن لفظ الارض في القرآن العظيم لم يأت بصيغة الجمع، وربما كان ذلك لثقل الكلمة في صيغة جمعها، ونتوئها عن سلامة الأسلوب القرآني، كذلك أنه لا يخطئ من يقول أرض القمر مثلًا، أو أرض المريخ أو غير ذلك من مفردات المجموعة، ولقد تركز بحثي في الحلقة الثانية المذكورة حول أربع آيات (9) إلى (12) من سورة فصلت، وظهرت لي منها أهمية الأرض بالنسبة للكون كله، ولعاها هي نواته ومنطلقه، لا سيما وأن عناصر الكون كله من  عناصر هذه الأرض، وأن الأجواء العليا كلها مربوطة بجوها.

جاذبية الإيمان والحب والتعاطف:

كما أن هناك جاذبية فيما بين عناصر تكوين المخلوقات المختلفة ومجموعاتها، هناك جاذبية حب وتعاطف بين مختلف الكائنات الحية كذلك، كما جاء في سورة يس: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (يس: 36) وفي المثل: «إن الطيور على أشكالها تقع».

وإن أسمى هذه الجاذبيات جاذبية الفضائل التي تتمثل في وشائح الإصلاح القائمة على النفع العام وفي التكتل للجهاد في سبيل الله وصالح المجتمع بين بني الإنسان، كتصديق عملي للإيمان الخالص وبهذا جاءت رسالات الله سبحانه، وقد ورد في الحديث الشريف: «ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل» كما جاء في الأثر كذلك «والذي نفس محمد بیده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم؟ أفشوا السلام بينكم». 

وجاء في الآية الثالثة من سورة الصف، بيان ما يفرق الصفوف ويحيل الحب الى جدل ومشاحنات بين الاحبة والى مقت كبير عند الله، وذلك عندما يشتد التنافس حول استغلال عواطف الدهماء بعبارات خلابة رعناء وصولا الى قمة زعامة جوفاء، دون إمكانية اقتران القول بالعمل، قال سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 3)، وإذا كان الله سبحانه يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون فإنه يحب اقتران العمل بالقول في كل ما هو صالح ومفيد، كما هو مفهوم الآية الرابعة من سورة الصف ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ (الصف: 4) ([1]) وقد جاء في الآيات ٥٤- ٥٦ من سورة المائدة الصفات الكاملة للمؤمنين المحبين لله الجديرين بحبه سبحانه، الذين سوف يأتي الله بهم على أنقاض المجردين من كل هذه الصفات أو جلها، أكتفي منها بذكر الآية ٥٤ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة: 54) 

التعادل والوسط أو الحياد عند الإنسان

وإذا كانت الجاذبية بين المخلوقات طبيعية، لتكوينها الثلاثي المؤلف من- الإيجاب والحياد والسلب- فإنها قد تختلف عنها في الإنسان كوحدة، لأن أصل تكوينه الفطري والفكري حيادي، غير أن إتمام القاعدة الثلاثية يكون باستقبال الإنسان الحيادي للتيارات الإيجابية في الخير من الله سبحانه وملائكته الأكرمين وكتبـــــه ورسله وعباده الصالحين، وباستعداده لاستقبال تيارات الشر من الجانب السلبي ممثلا في إبليس وأعوانه من الجنة والناس، بدليل أن ملائكة الله الكرام وإبليس، كانوا بالملأ الأعلى قبل خلق آدم عليه السلام، غير أن إبليس لم يتح له الجو الملائم للقيام بدوره ولم يكن له مناص من أن يتجه إلى اليمين الإيجابي أو يتلاشى، ولكن حينما خلق آدم حياديا تهيأ له فراغ الجو السلبي المناسب لطبيعته، فانحرف ليملأ مكانه ويقوم بمهمته، فتم بذلك التكوين الثلاثي تمشيا مع السنن الكونية مما هيأ لآدم التمركز الطبيعي، وذلك بتعادل الإيجاب والسلب، ومعنى ذلك الحياد، ولولا ذلك لما كان حياد ولا سلب، كما أنه لو خلق آدم في جو ملائكي دون إبليس، لانحاز إلى اليمين الإيجابي واختفى في غمار الملائكة الكرام، وتعطلت الحكمة بفقد مشكلتها، وتيتم العلم بغياب وعائه -ألا وهو الإنسان الحيادي ويتلاشى السلب والحياد كذلك، لو لم يعد آدم إلى ربه نادما مستغفرا، فيقبل سبحانه توبته ويقبل عثرته، ولكن إرادة الله الكلية غالبة، إذ لا بد لهذا الإنسان المعد للعلم من فلك نسبي يدور فيه وإرادة نسبية يستطيع صرفها نحو الإيجاب، كما يستطيع صرفها نحو السلب، وقد حمله الله الأمانة والمسئولية لقاء مواهب ميزه الله بها على الخلق كله.. ويتمركز آدم في الموطن، وكان ذلك هي الفطرة الأولى الموطن، وكان ذلك جي الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها وجاءت بها رسالات الله المختومة برسالة محمد «ص» وهكذا يقول سبحانه في الآية ٣٠ من سورة الروم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (الروم: 30) وفي الحديث الشريف «كل مولود يولد على الفطرة...» والفطرة هي الطبيعة والحياد، ويحفظ على الإنسان فطرته إيمانه السليم، وعمله القويم، قال سبحانه في مستهل سورة التين ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (التين: 4- 5- 6) وفي سورة العصر وغيرها في هذا المعنى من كتاب الله كثير. 

أي أن الإنسان الطبيعي في عقله وإحساسه وإرادته -مفطور على الخير- فإذا ما هبت عليه رياح غفلة فأثارت فيه بعض غرائزه فانحرفت به ثم استفاق على الأثر فعاد إلى فطرته مستغفرا تائبا إلى ربه وجد الله سبحانه -دوما- كما أنه أهل للتقوى فهو أهل للمغفرة، وهكذا..

في رحاب القرآن الكريم

ا جاء في ختام سورة المدثر ﴿هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ (سورة المدثر: 56).

اذا ما حاول إنسان ما، الانحياز نحو اليمين أو اليسار فإنه يكون قد اختار وضعًا منافيًا لطبيعته خارجا على إنسانيته، متباعدًا عن الهيئة التي خلقه الله من أجلها، الأمانة التي حمله إياها، وخصه بها دون الخلق أجمعين.

     على أن للإنسان المتزن ثقلًا يتمثل في رجاحة عقله، ومتانة خلقه، واستقامة سلوكه، فالأولى بمثله إلا الحرف نحو اليمين المعطل، أو اليسار المجرد، أو يستسلم لغرائزه دون سوابط تتكفل بارساء قواعد الصوالح العامة والخاصة، وبقدر زيادة الفراغ في حياة الإنسان بقدر ما يخف وزنه تستهويه الزخارف والمغريات، تنحرف به عن الطريق القويم، والصراط المستقيم.

      أما المجموعات البشرية -على ختلاف عصورها، وتغاير عقائدها، وتضارب سلوكها، وتفاوت أخلاقها- فلا بد لها أن تنصهر في بوتقة القاعدة المثلثة، بل وحتى بين صفوف المصطفين الأخيار، والصحابة الأبرار مصداقًا لقوله -سبحانه- في الآية (22) من سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ﴾ أجل لا بد لهذه المجموعات أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وإن انتسبت إلى عقيدة واحدة، أو حزب واحد (1) منحاز إلى اليمين نحو العقيدة، أو الحزب الواحد (2) منحاز الى اليسار (3) وسط بين اليمين واليسار، فلو تم عزل اليمين على حدة، واليسار على حدة، والوسط كذلك لانقسم كل قسم من هذه الأقسام إلى ثلاثة أيضًا، وكذلك الأمر كلما تكررت عملية العزل بحيث لا تقل المجموعة الواحدة عن ثلاثة.

     وفي كتاب الله وسنة رسوله في هذا المعنى كثير مما سيأتي بعد ذلك، ولعله إلى مثل هذا كان يهدف العالم الألماني هيجل الفكرية في قاعدته المثلثة. 

الوزن:

    إن في بحثنا لما يدور حول اقتلاع جبل بقوة مضادة تفوق وزنه، واستمراض قواعد الوزن ونظرياته احتكامًا الى العلم الذي جاء في الكتب المقدسة أنزلها الله سبحانه بعلمه، وختمها بالقرآن الكريم، فلقد ورد في بضع آيات من سورة الرحمن ما يفيد هبوط الانتقال إلى القاع، وارتفاع ما خف وزنه إلى أعلى، أذكر من ذلك قوله -سبحانه- في الآيات: (7 إلى 10) من سورة الرحمن: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ﴾ (سورة الرحمن: 7-10) ويظهر من ذلك أن الأنام مشدودة إلى الأرض بحكم أوزانها كهبوط كفة الميزان الراجحة صوب الأرض، وارتفاع الأخرى إلى أعلى، وذلك خلافًا لقاعدة الجذب المعروفة بأن الأخف وزنًا أكثر انجذابًا، وأن الوزن في مقابل الجذب أي مضاد له، وقد كان وضع الأرض للأنام خاضعًا لأوضاعهم وأثقالهم واحتياجاتهم تمشيًا مع قاعدة الوزن بدليل قوله سبحانه في الآيات (11 – 12) بعد الآية العاشرة من سورة الرحمن ﴿فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (سورة الرحمن: 11-12) ولا شك أن من آلاء الله -سبحانه- ونعمه أن جعل للفواكه والمحاصيل والرياحين أوزانًا تجعلها في متناول يد الإنسان، ولعل في ذلك توضيحًا وتفسيرًا لقوله -سبحانه- قبل ذلك في الآية السادسة من نفس السورة: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (سورة الرحمن: 6) ويرى أكثر المفسرين أن من المراد بالنجم هنا كل ما ينجم من الأرض، أو يكسو وجهها بالاخضرار، كالكلا وسائر النباتات، وفي هذا ما يشمل الحب ذا العصف والريحان، ومن المراد بالشجر كل ما علا وامتد ظله، أو تدلى ثمره نحو الأرض، وكل من النجم والشجر يسجد نحو الأرض، ويدنو منها تطبيقًا لقاعدة الوزن، ولقد عبر قيس عن هذا المعنى عندما قال لبعيره - اسجد لليلى- أي أنخ لها حتى تركب بيسر وسهولة، فالسجود في الصلاة، هو التصاق الجبهة والأعضاء بالأرض، ولعل في ذكر العصف ما يلفت النظر أولًا إلى أن للأجواء مقاومة تتأثر الأشياء الخفيفة بها قبل سواها، كالعصف الناتج من سيقان البر والشعير، وثانيًا لعله كناية عن السائمة؛ حيث إن هذا العصف لا يمكن مقاومته للعواصف إلا بتجميعه، وتكتيله كطعام لها، ككل ما نجم من الأرض في سجوده نحوها شأن الإنسان؛ حيث تقول الآية الرابعة عشرة من نفس السورة: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ﴾ (سورة الرحمن: 14) -وذلك بعكس المخلوقات الخفيفة الجانة فلها طاقاتها النارية، وأوزانها الخفيفة المتفاوتة في حمتها بالنسبة لجو الأرض، كما جاء ذلك في الآية (15) من سورة الرحمن؛ حيث يقول -سبحانه-: ﴿وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ (سورة الرحمن: 15) وسميت المخلوقات الخفيفة بالجان لأنها تجن عن البصر، وكما أن الإنسان لا يرى الهواء مع إحساسه بوجوده، فإنه لا يرى ما هو في وزنه أو أخف منه، على أن للمخلوقات الجنية خفة وطاقات لا ترتبط بالأرض إلا بحكم القاعدة المتقدمة في هذه الخفة، وتلك الطاقات المختلفة، بدليل ما وصف به القرآن جنود نبي الله سليمان من الجن المسخرة لخدمة مشاريعه فيما يحتاج إليه من أبنية ومصنوعات، حيث يقول جل شأنه:- ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد (ص: 37- 38) وفي هاتين الآيتين ما يشـير إلى أنهم على ثلاثة مستويات من الخفة «أ» الذين تتواءم خفتهم مع جو الأرض وهم البناؤون «ب» الذين هم أخف من جو الأرض مما يضطرهم إلى التحامل على أنفسهم حتى يمكن وصولهم إلى مصانع سليمان غوصا في الجو الأرضي كما يغوص الإنسان في النطاق المائي «ج» الذين لا يستطيعون الوصول والاستقرار على سطح الأرض إلا بأثقال تشدهم إليها شأن كل ما خف عن مقدار حجمه من الماء، كما يستعين من يروم الوصول سريعا إلى قاع البحر بأثقال تشده إليه.

الأطباق الطائرة:

وظهر ما تقدم أن في الفضاء الخارجي مخلوقات خفيفة ذكية عاقلة مسئولة تجن عن الأبصار وتتناسب في خفتها مع ما يحيط بها من الأجواء العليا، ولا يستبعد أن تكون الأطباق الطائرة التي زارت حديثا أنحاء الأرض مرارا من قبيل هذه المخلوقات الجنية التي هي أخف المستويات الثلاثة المتقدمة وأنها تستعين بثقل الأطباق لاختراق الجو الأرضي، كما جاء في قوله جل شأنه: - ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد (ص: 38)- أما النوعان الآخران فيمكنهما الوصول إلى الأرض بدون واسطة كما جاء في كثير من آيات كتاب الله.

هذا وإني أعتقد أن هناك قاعدة تمثل جميع الأوزان في جميع الأجواء وهي:

على قدر المسافات بين الجزئيات في الأحجام والأجواء- تكون معايير الوزن:

لقد نسق الخلاق العليم سبحانه جميع وحدات الكون ومجموعاته- مهما تناهت في الصغر أو الكبر على وتيرة واحدة لا تفاوت فيها من ناحية الخلقة والتكوين، مصداقا لقوله سبحانه في بضع آيات من مستهل سورة الملك، اجتزى منها قوله سبحانه في الآية الثالثة:- ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (الملك: 3) ([1])ويظهر من ذلك أن الخلق كله- ذراته الميتة وخلاياه الحية- تتكون وحداته من جزيئات متماسكة في نطاق يختلف في الحجم والمسافات بين هذه الجزيئات- على أن لكل نوع كثافته، فبقدر ما تتسع المسافات بين الجزيئات في النوع- بقدر ما تقل هذه الكثافة- والعكس بالعكس، فإذا كان مقدار الكثافة في الكتل أو الأنواع المجردة من عوامل الرفع والجذب يقل عن مقدار المثل من الجو ارتفعت نحو العلو، أما إذا زاد مقدار الكثافة عن مقدار المثل فإنها تهبط نحو القاع، علما بأن قاعدة أرشميدس عن الأوزان في الماء لا تختلف عما تقدم، لأن القواعد في جميع الأجواء واحدة، وأن الهبوط إلى القاع لكل ما زاد وزنه عن مقدار حجمه من الهواء قاعدة ثابتة تجفل الأطفال منه في أمهادها، وتخشاه الطيور في أعشاشها، وكذلك كل مخلوق يحمل غريزة حب البقاء، وعلى هذا الأساس فإن نظرية نيوتن لیست بدعا في قاعدة أرشمیدس، وليست جديدة بالنسبة إليها، ولا تخرج عن قاعدة مقادير الكثافات النوعية في الأحجام والأجواء، وندلل على ذلك بأن سقوط تفاحة نيوتن على الأرض إنما هو نتيجة زيادة الكثافة النوعية فيها بالنسبة لمقدار حجمها من الهواء ولو أن سقوطا صادف حوضا أو بئرا لحال الماء بينها وبين القاع، ولطفت فوق سطحه وذلك لأن كثافتها تقل عن كثافة مقدار حجمها من الماء، ومثل ذلك لو سقطت قطعة من الحديد في ماء لرسبت هذه القطعة في القاع بسبب زيادة كثافتها بالنسبة لمقدار حجمها من الماء، فلو صادف سقوطها إناء من الزئبق مثلا لحال الزئبق بينها وبين القاع، لأن كثافتها تقل عن كثافة مقدار حجمها من الزئبق. 

إن في المماثلة بين التفاحة في المجال الهوائي وبين قطعة الحديد في النطاق المائي لأكبر دليل على قانونية تفاحة نيوتن، وأن هبوط ما زاد وزنه عن مقدار وزن جوه إلى القاع- قاعدة ثابتة غير قابلة لإعادة النظر.

ويظهر مما تقدم أن إطلاق نظرية- نیوتن- لم يكن على القانون الواضح والمسلم به، بل على التعبير عنه وتفسيره بالجاذبية، ومعلوم أن كل نظرية قابلة لإعادة النظر على عكس القوانين الثابتة والقواعد الراسخة ومن هذا المنطلق فإنني أرى أنه كان في إمكان نيوتن أو تلاميذه من بعده أن يجعلوا من نظريته قانونا متمما لقانون أرشمیدس معلنين أن القواعد في الماء والهواء واحدة، وأن أرشمیدس لو مد قانونه المائي إلى المجال الهوائي لما ترك مجالا لاستحداث مثل نظرية نيوتن، هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في الجمع بين أرشميدس ونيوتن في قاعدة واحدة هي: على قدر المسافات بين الجزئيات في الأحجام والأجواء تكون معايير الوزن.. وإذا كانت هذه القاعدة عامة وشاملة في جميع الأجواء، فإنني أرى أن هناك قاعدة أخرى ربما كانت أعم شمولا للوزن في الأحجام والأجواء، وهي القاعدة المثلثة.

[1] من رحمة الله سبحانه- حفظ ذرات الكون من أن تنفطر، إذ لو انفطرت ذرة واحدة من ذراته لانشطرت واندفعت تستكمل نفسها ما جاورها- فتندفع الأخرى إلى مثل ذلك وهلم جرا وبسبب هذه الاستكمالات ينفرط عقد الكون وندق ساعة نهايته

الرابط المختصر :