; في رحاب القرآن.. الفاتحة (توحيد وشريعة وسلوك) (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب القرآن.. الفاتحة (توحيد وشريعة وسلوك) (الحلقة الثانية)

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1978

مشاهدات 79

نشر في العدد 386

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-فبراير-1978

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده- وبعد:

أيها القارى الكريم: يسعدنا أن تتابع معنا الحديث عن: الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك. وقد‏ كانت آخر فقرة تحدثنا عنها في حلقتنا السابقة هى- البسملة- إظهار للعجز وتبرؤ من الحول والقوة وفي حلقتنا هذه نواصل الحديث عن البسملة فنقول وبالله التوفيق:

«البسملة تدريب على فعل الخير والفرار من الشر»

إن المؤمن حين يفتتح أموره وأعماله ببسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يتحرى منها ما يرضي ربه فيفعله، وما يغضبه فيحذره «ولا شك أن في الإقدام على ما يرضي ربنا والإحجام عما يغضبة الرحمة كل الرحمة والسعادة كل السعادة في الدنيا وفي الآخرة وأن في عكس ذلك الشقاء في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة».

ومن هنا لا تجد القاتل حين يقتل ولا الزاني حين يزني، ولا شارب الخمر حين يشربها، ولا منتهك الحرمات حين ينتهكها ولا معتدى الحدود حين يتعداها لا تجد واحدًا من هؤلاء يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.

‏ لأنه يفعل ما يفعل «باسم الشيطان» الذي أغواه بالشر وأغواه بالفتنة والفساد، وزين له سوء عمله فرآه حسنًا فأورده بذلك موارد الفتنة والضياع. ولو أنه وقف عند حدود بسم الله وتحرك من منطلقها لفر إلى الله تعالى من هذه الشرور والموبقات فراره من الوحش المفترس، وبهذا يتضح لك أيها القارئ الكريم أن في مواظبتك على البسملة في كل أمورك وأعمالك مع إيمانك بها تدريبًا لك على عمل الخيرات والفرار من الشرور والسيئات:

«‏البسملة تغرس في القلب الشجاعة والتعالي على شهوات الدنيا وآلامها» 

حين ينطق قلب المؤمن مع لسانه بسم الله تتضاءل الدنيا أمام عينيه حتى تصبح في حجم البعوضة: فلا يغتر بها إذا أقبلت ولا يجزع عليها إذا أدبرت: لأنه حين يقول بسم الله الرحمن الرحيم متفاعلًا معها فقد ارتبط بالحقيقة الأحادية العلياورحمانيتها المحيطة الشاملة واستمد قوته من حولها وقوتها، وأوى إلى ركنها الركين، وحصنها الحصين فلا تستطيع قوى الأرض أن تهدده أو تغريه لأنه يعمل ما يعمل ويقول ما يقول مستهدفًا رضاء ربه الذي ينطق باسمه غير مبالٍ في سبيل ذلك بغضب جبابرة الأرض وبطشهم لأنهم بالقياس إلى جبروت الله وبطشه صعاليك مهازيل:

‎﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (البروج: 12) بل هم أمامه أحقر من ذبابة فإنه «وقد ارتبط باسم الله» ينظر إليهم بعين الله ويواجههم بسلاح الإيمان الذي لا يصمد أمامه سلاح ولا يقف في وجهه قوة.‏

«البسملة تغرس القلب بشجرة الرحمة»‏

إن المؤمن الذي يعيش مع البسملة «وهى كما نعلم مشتملة على وصف الرحمة» ويرتوي قلبه من ينابيعها تنبت في قلبه شجرة الرحمة، وتمتد في جوانب نفسه فروعها وأغصانها، فتؤتى ثمارها في جميع شئونه، وفي علاقاته بغيره مما خلق الله من إنسان وحيوان وطير، ويتأثر بها حتى تصبح شعاره في كل ما يأتي ويذر.وتكمن الرحمة وراء كل عمل يعمله أو شيء يتركه، أو كلمة ينطق بها لسانه، أو كلمة يمسك عنها لسانه فلا تراه فظًا غليظًا، ولا جهولًا ولا بذيئًا ولكنك تراه دائمًا رحيمًا شفيقًا متواضعًا كريمًا.والآن ننتقل بكم إلى الحمدلة وهي «الحمد لله رب العالمين»«الله رب العالمين خلقًا وتكوينًا، ورب العالمين حكمًا وتشريعًا»

«الحمد لله رب العالمين» مربى جميع العوالم والكائنات االسماوية والأرضية، الروحانية والمادية، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.والإنسان مع اشتراكه مع الكون في التربية الكونية العامة قد خصه الله تعالى بأنواع أخرى من التربية تؤهله لسيادة هذا الكون وللقيام بمهمة الخلافة التي أستأثره الله بها وأتمنه عليها وسخر له كل شيء في هذا الوجود ومكنه من السيطرة على كثير من خلقه وسلمه مقاليد الأرض ليعمرها لا ليدمرها وليصلح فيها لا ليفسد ولينشر فيهاالأمن والعدل والخير لا الفزع والجور والشر. خص الله الإنسان دون غيره بأنواع من التربية تؤهله ما ذكرناه آنفًا.

منها التربية العقلية والفكرية، ومنها التربية الروحية ‎التي هى نفخة من روح الله في الكيان الإنساني استحق بها أن تسجد له ملائكة الرحمن في الملأ الأعلى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ (ص: 71-72).

ومنها التربية التشريعية: التي تكفل للبشرية سعادتي الدنيا والآخرة «وهذه سبيلها الوحي وإرسال الرسل»﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52). وإذا كان الله سبحانه لا شريك له في الخلق والتكوين فإنه كذلك لا شريك له في الحكم والتشريع فهو وحده رب العالمين خلقًا وتكوينًا وهو وحده رب العالمين حكمًا وتشريعًا.

هل يجرؤ أحد أن يزعم بأن له مع الله شركة في خلق هذا الكون أو ذرة منه، فكيف يقتحم الإنسان مجال الألوهية الآخر «وهو مجال التشريع والتقنين» فيقنن لعباد الله ويشرع قانونًا وشرعًا غير قانون الله وشرعه. أيها الناس: إنه وحده رب العالمين تشريعًا وتقنينًا، كما إنه وحده رب العالمين إيجادًا وتكوينًا فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حكم إلا بما أنزله الله. «وَمَن لم يحكم بمَا أنزل الله فَأُولَٰئِكَ هُمُ الكافرون.. الظالمون... الفاسِقون». ألا فليحذر الذين يشركون شرع الله ويهجرون كتابه وسنة نبيه ئم يحتكمون إلى شرائع الغرب أو الشرق أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)فمتى تفيق البشرية من غفوتها وتدرك الهوة السحيقة التي تردت فيها بسبب تركها لشريعة الله التي لا سعادة لها إلا بها. واحتكامها إلى شريعة المخلوق الذي علم شيئًا وغابت عنه أشياء فكان الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة.

فستعلمون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

‏هذا وللحديث صلة فإلي الحلقة القادمة إن شاء الله.. والله الموفق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :