; سياحة القلب المؤمن- في رحاب القرآن (الحلقة الثامنة) | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن- في رحاب القرآن (الحلقة الثامنة)

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1978

مشاهدات 91

نشر في العدد 393

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-أبريل-1978

الفاتحة.. توحيد وشريعة وسلوك

الحمد لله رب السماوات السبع رب العرش العظيم، والصلاة والسلام على هادي الأمة وكاشف الغمة، ومبدد الظلمة ونبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: في سلسلة حديثنا عن: الفاتحة.. توحيد وشريعة وسلوك، فنقول وبالله التوفيق:

مدى حاجة الناس إلى الصراط المستقيم

إن كل إنسان في أشد الحاجة إلى الصراط المستقيم، في عقيدته ويقينه في عبادته ودستوره، في أخلاقه وسلوكه في صلته بالكون والحياة، بل في كل قول وعمل وفكرة وخاطرة، وإذا لم يهتدِ المرء إلى الصراط المستقيم في كل ما ذكر وقع إما في الإفراط وإما في التفريط، وكلاهما فيه الهلكة والضياع والخسران المبين، ولا نجاة إلا في الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، وهو الصراط المستقيم الذي تدعو إليه الآية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6)، وإليك أيها القارئ الكريم مزيدًا من التفصيل والبيان فيما ذكرناه آنفًا؛ فبالنسبة للعقيدة: من لم يهتدِ فيها إلى الصراط المستقيم فهو بين أمرين: إما أن ينكر وجود الصانع لهذا الكون، ويزعم أن الحياة ليست سوى وليدة المصادفات والتفاعلات العادية، وأن وجودنا على هذه البسيطة على حد قول القائل: «إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر» فيهلك مع الهالكين، وهذا هو جانب التفريط في العقيدة وهو أحد الطرفين الهالكين.

وإما أن يقول بتعدد الآلهة، ويتخذ مع الله أندادًا وشركاء فيحشر في زمرة المشركين، وهذا هو جانب الإفراط في العقيدة، وكلا الجانبين يدفع إلى سواء الجحيم والعذاب الأبدي الأليم.

أما الحد الوسط في العقيدة فهو الاعتقاد بوحدانية الله تعالى، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وهذا هو الصراط المستقيم في العقيدة، وهو الذي تدعو إليه الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6)، وبالنسبة للعبادة من لم يهتدِ فيها إلى الصراط المستقيم فهو بين أمرين:

إما أن ينكر وجوبها ويجحدها فتنقطع صلته بالمعبود- جل في علاه- وتكون عاقبة أمره خسرًا، وهذا هو جانب التفريط في العبادة.. وإما أن يزيد فيها شيئًا عما ورد في الشريعة الحكيمة؛ بحجة التقرب إلى المعبود سبحانه وتعالى، فيحشر في زمرة المبتدعين الذين يزيدون في العبادة ما ليس منها، وهذا هو جانب الإفراط في العبادة وهو كالتفريط عاقبته الخسران والضلال. والحد الوسط في العبادة هو التزام ما شرع الله ورسوله وما سنّه الخلفاء الراشدون المهديون مع الاحتكام إلى الكتاب والسنة ما أمكنه في المسائل الخلافية، وهذا هو الصراط المستقيم في العبادة، وهو الذي تدعو إليه الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6).

وبالنسبة للأخلاق والسلوك من لم يهتدِ فيها إلى الصراط المستقيم فهو بين أمرين: إمّا أن يتحلل من الفضائل كلية ويتجرد من التحلي بها؛ فيتردى إلى الدرك الأسفل من البهيمية المسفة والحيوانية الدنيئة فيهلك مع الهالكين، وهذا هو جانب التفريط في الأخلاق.. وإما أن يشتط في تصور الفضيلة ويلتزم طرف التشدد والتنطع فيها بلا حجة ولا برهان؛ فيحشر في زمرة المتنطعين الهالكين، وهذا هو جانب الإفراط في الأخلاق والسلوك، والحد الوسط في الأخلاق والسلوك بين الطرفين المذمومين هو الفضيلة وهو الصراط المستقيم الذي تدعو إليه الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6)؛ فالشجاعة محمودة وهي وسط بين رذيلتين هما: الجبن والتهور.

والكرم محمود وهو وسط بين رذيلتين هما: البخل والإسراف، والعفة محمودة وهي وسط بين رذيلتين هما: الشره والرهبانية.

والاقتصاد محمود وهو وسط بين رذيلتين هما: الشح والتبذير ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (الإسراء: 29)، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان: 67)، والصبر محمود وهو وسط بين رذيلتين هما: الجزع والتبلد، وهكذا تجد دائمًا الفضيلة وسط بين رذيلتين، وأن الصراط المستقيم الذي تدعو إليه الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6) هو الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، وهذا ما أشار  إليه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(البقرة: 143).. وبالنسبة لصلة الإنسان بالكون والحياة من لم يهتدِ فيها إلى الصراط المستقيم فهو بين أمرين: إمّا أن يكون ماديًّا خالصًا فلا يعرف شيئًا وراء المادة مما يقع عليه حسه، من مطعم ومشرب ومنكح وغلبة وبطش، وجمع للأموال وتكاثر وتفاخر بالدنيا وزينتها، وتجرد تام من كل المعاني الروحية؛ فيهلك مع الهالكين وهذا هو جانب التفريط في العلاقة بالكون والحياة، وإما أن يلتزم جانب التبتل والزهد والانقطاع عن الحياة والأحياء، وينظر إلى الكون نظرة شؤم وعداء وبغض، فلا زواج ولا سعي، ورهبانية متطرفة وهذا هو جانب الإفراط، وهو يؤدي إلى الدمار والهلاك، والحد الوسط- في الصلة بالكون والحياة- هو النظر إلى هذا الكون على أنه صادر من الحبيب جل جلاله وكل ما صدر من الحبيب فهو حبيب، والإقبال على الحياة والتمتع بطيباتها مع التزام الحدود المشروعة والتوجه بالحياة الدنيا إلى الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا مزرعة الآخرة» وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (البقرة: 172)، وقال جل ذكره: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (الأعراف: 32)، فعلى المسلم أن يعلم بأن الله تعالى استخلفه في هذه الأرض للإصلاح والتعمير والبناء على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر، فليأخذ بالأسباب وليسلك المنهج السوي في علاقته بالكون والحياة، بحيث يملك الدنيا ولا تملكه ويسخرها ولا تسخره؛ فتكون الدنيا في يده والآخرة في قلبه أو بعبارة أخرى يمتطي الدنيا إلى الآخرة، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وهذا هو الصراط المستقيم في العلاقة بالكون والحياة، وهو الذي تدعو إليه الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6).

وهكذا إذا لم يهتدِ الإنسان إلى الصراط المستقيم في عقيدته ويقينه في عبادته ودستوره، وفي أخلاقه وسلوكه وفي صلته بالكون والحياة، في كل عمل وفي كل فكرة وخاطرة وقع في أحد الطرفين: الإفراط أو التفريط؛ فهلك وخسر.. فما أشد حاجة الإنسان إذن إلى الاهتداء إلى الصراط المستقيم، الذي هو المبدأ الوسط الذي تسير عليه الشريعة الإسلامية في جميع أحكامها وآدابها وتشريعاتها؛ فصلحت به لكل زمان ومكان واستحقت به الخلود والبقاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وإن الذين ينحرفون عن الصراط المستقيم يمنة أو يسرة تتفرق بهم السبل ويضلون ضلالًا بعيدًا.. من أجل كل هذا- أيها القارئ الكريم- أمر الله عباده في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6) أن يسألوه سبحانه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الذي لا ينجو إلا من سلكه ولا يفوز إلا من اتبعه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله لنتحدث عن الآية التالية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (الفاتحة: 7)، والله الموفق والمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل