; في رحاب البيت العتيق نفحات ودروس وعظات | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب البيت العتيق نفحات ودروس وعظات

الكاتب د. محمد البصيري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994

مشاهدات 107

نشر في العدد 1101

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 24-مايو-1994

يوم أن أتم الله عز وجل على البشرية منته ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15–16) وأكمل دينه وشريعته ﴿ٱليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3) مشرعاً لهم حج بيته العتيق الذي جعله مثابة للناس ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلبَيتِ مَنِ ٱستَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا﴾ (آل عمران: 97) شرعه لهم ليطهرهم به من الذنوب ويخلصهم من الآثام فتصفو قلوبهم للحق، وتعلق نفوسهم من رق المادة وقيد الشهوات وتسمو أرواحهم إلى الملأ الأعلى، ويذهب عنهم رجز الشيطان فيكون حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وعملاً متقبلاً مأجوراً ليس له من جزاء إلا الجنة، وسط هذه النسمات المباركة والنفحات الطاهرة تتعانق القلوب في شوق.

وتتجاذب الأرواح في لهفة، وتتصافح النفوس في حب وحنين وتتلاقى في تعارف وتآلف تسعد به الأفئدة التي أخبتت إلى ربها. وأقبلت على بارئها في شوق ضارع ترجو رحمته وتسأله فيض عطائه. لقد جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.. منافع الطاعة والعبودية المتذللة المتجردة لله عز وجل. ومنافع التوحد والترابط والتعاون على البر والتقوى ومنافع التحاب والتآخي في الله عز وجل ومنافع التجافي عن دار الفناء والركون إلى دار البقاء، جاءوا متجردين من الدنيا وزينتها، وخلعوا شاراتها وألقابها، تجردوا لله عباداً متساوين؛ الكبير والصغير، الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس تجردوا من العجب والشرور والكبر والغرور، فيذكر الواحد منهم إذا كان فرداً أنه لبنة في بناء صرح الأمة وأعلام مجدها، فلا ينبغي تحت ضغط الشهوات أن يكون عنصر هدم وتخريب لبنيانها، وإذا كان قائداً أو رئيساً فإنه راعي الأمة وأمينها المسؤول عن مصالح كل فرد فيها لا جلادها وطاغيتها المستبيح لأعراضها الوالغ في حرماتها، المبدد لثرواتها والمفرق لجماعتها والخادم لأعدائها، وإذا كان مسؤولاً عن عمل فيذكر أن نجاحه في امتلاك القلوب بالحب لا في استعدائها بالكبر والعجب، وبالتواضع لا بالتعالي والغرور وانتقاص الآخرين.

جاءوا من كل حدب وصوب ليشهدوا موطن الدعوة الأول ولتمتلئ قلوبهم ونفوسهم بعظمة الداعية وجلال التضحيات التي قدمها ليبلغ دعوة الله إلى الناس يوم وقف على الصفا وحيداً فريداً إلا من عون الله والثقة في نصره ينادي الناس إلى رب الناس صابراً محتسباً «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» ويبذلون من أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم في سبيل نصرة دين الله وإقامة منهجه في الأرض.

جاءوا من كل مكان ليلتحقوا بهذا الجمع الحاشد المتوحد في مظهره ومخبره في قوله وفعله فيعرفون منزلة الاتحاد، وفائدة الجماعة فيحرصون على وحدة الأمة ويسعون في ترابطها وإعادة مجدها الغارب ويعلمون أنهم لا قيمة لهم إلا بهذه الوحدة، وهم في هذا الجمع يتزاحمون فيتراحمون ويتعاطفون ويتسامحون فيحرصون على أن يكون هذا هو منهج حياتهم فينبذون الشقاق والنزاع والتقاتل الذي فرق الأمة شيعاً وأحزاباً بسبب الحرص على الزعامة والرئاسة فضرب بعضهم رقاب بعض وبذلوا في قتال بعضهم البعض، وحرب بعضهم لبعض ما لم يبذلوه في قتال أعداء الأمة من اليهود والنصارى والمشركين المتربصين بنا الدوائر في فلسطين، والبوسنة وكشمير والفلبين وأراكان وكمبوديا وغيرها. بل في كل بقعة فيها مسلمون يتعرضون لحرب الإبادة ويستغيثون ولا مغيث ولسان حالهم يقول:

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا *** شنوا الإغارة فرساناً وركباناً

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهاناً

جاءوا وقد تجردوا من المخيط والمحيط وتجردوا معه من الطمع والحرص والبخل والشح والغش والنفاق خالصي النية صادقي العبودية لرب الناس الذي يعلم السر وأخفى فصبروا على المشاق وتصادوا للمتاعب وتجاوزوا عن جهل الجاهل وحماقة السفيه بحلم وصفح وتجاوز متأسيين بقول القائل:

وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم *** وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

يتذكرون وهم يطوفون حول البيت العتيق أن لهم قضايا مركزية ينبغي أن يلتفوا حولها ويحوطوها بقلوبهم وأفكارهم وأجسادهم كما يطوفون حول البيت العتيق في صبر ومصابرة وسعي ومثابرة دون كلل ولا إعياء ولا يأس ولا إحباط كل يسلم الراية لمن يليه ليظل علم الجهاد مرفوعاً. فإذا رجموا الجمرات رجموا معها أهواءهم وشهواتهم التي مزقت الأمة كل ممزق فتقاتل الإخوة وتناحر الأهل وضاعت الأوطان ووقف الأعداء يرمقون المتناحرين وهم في غاية السعادة والسرور حين حققنا لهم هدفاً كم بذلوا في سبيل الوصول إليه.

إن ما يحدث في بعض بلاد المسلمين اليوم من تقاتل لا يسر صديقاً، ولا يغيظ عدواً ولكنه يزرع في قلب كل مسلم غيور على دينه وعرضه وكرامته من الألم ما لا تزرعه حقول الحنظل؛ فهل يكون لنا في درس الحج وعبرته عظة وعبرة أسأل الله ذلك فهو وليه والقادر عليه.

والله المستعان!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 180

142

الاثنين 17-ديسمبر-1973

يوميات الحج

نشر في العدد 246

112

الثلاثاء 22-أبريل-1975

حول الكعبة (شعر)

نشر في العدد 1700

540

السبت 06-مايو-2006

وجهة نظر أم فتوى؟!