العنوان في ذكري الشهيد المعلم
الكاتب محمد عمر حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1366
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
إثر رحيل الإمام الشهيد حسن البنا بدأت رحلة سيد قطب إلى الشهادة، فانضم لموكب الدعوة، وقد كان لتحوله الفكري وانتسابه الحركي لجماعة الإخوان المسلمين، فيما بعد كبير الأثر في تنظيم أفكاره وتطوير منهجيته وتعميق انتمائه.
لقد عاش سيد قطب الفترة ما بين ١٩٥٤م إلى ١٩٦٥م حبيسًا في سجنه، ولكنه كان – طليقًا في فكره وأصيلًا في انتمائه، وحرًا بعبوديته الله سبحانه.
إن الذي يقرأ ما كتبه الشهيد في تفسيره الحركي في ظلال القرآن ويستعرض ما خطه في المستقبل لهذا الدين، وخصائص التصور الإسلامي، ومقوماته، وهذا الدين يشعر أنه يستعرض ملحمة إيمانية كان غذاؤها روح كاتبها وحروفها نبض قلبه.. ولعل هذا هو مكمن قدراتها على التأثير والتنوير، وما تماسك الفكرة الإسلامية واستمرارها على الرغم من الضربات وما تعاني من قيود إلا بفضل تضحيات أبناء الأمة المخلصين ومواقف الدعاة المشرقة المتصلة بالتبع الإلهي الكريم
لقد واجه الأستاذ سيد اضطهادًا حاقدًا مجنونًا، وعذب عذابًا رهيبًا، ومع ذلك فقد قدم لأمته الإسلامية والباحثين عن الحق ما قدم من بيان وتأصيل وهداية، ولقد خيل للظالمين يومها أنهم يستطيعون خنق أنفاس الحق ليستريحوا من الشهيد... لقد لاحقتهم الهزائم متتاليات وكان حقًا على الله نصر المؤمنين إن فكر سيد قطب اليوم ينتشر في العالم ليرتب مدارك المصلحين ولتستروح في ظلاله أجيال طالما لفحتها الجاهلية بسمومها، وتشعبت بها السبل بعيدًا عن ملة التوحيد وشريعة القرآن وبركات السنة المطهرة.
لقد بدأت علاقة الشهيد بضباط الثورة الذين تتلمذوا على بعض كتبه ومقالاته التي تبشر بالإصلاح الإسلامي للوضع السياسي والاجتماعي وتهاجم المسؤولين عن الفساد من رجال البلاط والأحزاب والإقطاعيين وعملاء الإنجليز وتوثقت العلاقة بهم بعد الثورة حيث كانت له معهم جهود إصلاحية والتفوا حوله مستشارًا للثورة في الأمور الداخلية، واعترافًا بدور الأستاذ سيد قطب في التهيئة للثورة على النظام الملكي المتعفن في مصر، عقد الضباط الأحرار في عام ١٩٥٢م حفلًا لتكريمه، وألقي الأستاذ محاضرة بعنوان التحرر الفكري والروحي في الإسلام، وقد أناب اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الدولة يومئذ من يلقي كلمته التي جاء فيها عن سيد قطب إنه رائد الثورة ومعلمها وراعيها وقائد قادتها ورئيس رؤسائها، وقد كان مما قاله الأستاذ سيد في محاضرته، وإن الثورة قد بدأت حقًا، وليس لنا أن نثني عليها لأنها لم تعمل بعد شيئًا يستحق أن يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة. بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام ثم قال لقد كنت في عهد الملكية مهيئًا نفسي للسجن في كل لحظة، وما أمن على نفسي في هذا العهد أيضًا، فأنا في هذا العهد مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل.
وعلى هذا الأساس فقد استمرت العلاقة برجال الثورة بضعة أشهر كان قد تبين له فيها عداء ومكر مجموعة مقربة من عبد الناصر، كانت توغر صدره بالأكاذيب على الإخوان وتوحي له بالصدام معهم، وتجرؤه على ذلك.
وفي مطلع 1953م برزت فكرة تأسيس هيئة التحرير، وهي تقضي بحل شعب الإخوان وانصهارهم في حزب سياسي يكون واجهة للثورة، وقاعدة شعبية تدافع عنها وتتبنى أهدافها، رفض الإخوان الانضمام خصوصًا بعد ما سمعوا من منظري الهيئة من أن فكرها لا يقتصر على محمد r كله وعمر وخالد y، بل تتسع لتشمل لينين وماركسوفرويد!!
حاول الشهيد أن يمنع الصدام الذي كانت تتراءی بوادره، ولما استيأس من الجمع والإصلاح ترك مغرياتهم ومناصبهم، لأنها تتعارض مع تفكيره الإسلامي وهدفه السامي وتدرج في انقطاعه حتى وصلت علاقته خلال شهرين للانفصال والقطيعة.
لقد انضم سيد قطب للإخوان وهو يرى أنها الحقل الصالح للعمل الإسلامي وحركة النهضة الشاملة، وأنه ليس لها بديل مكافئ للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية، وهي السد المنيع وقتئذ في وجه تيار الأفكار الإلحادية والانحلال الأخلاقي.
لقد انضم الشهيد لإخوانه، وهو يعلم أن سماهم ملبدة بغيوم محنة، مقادير الحقد فيها فاقت تقدير الماكرين، وبهذه الخطوة تقيدي بوضوح معادن شخصية المسلم الذي يرفض منطق المتاجرة بالمبادئ، ويمتنع عن إيثار السلامة والعافية بعيدًا عن تحمل مسؤولياته تجاه دينه ودعوته.
كان الخلاف قد دب بين الإخوان والثورة بسبب رفض الحكومة لبرنامج الإصلاح الإسلامي، واتسع الخرق بتوقيع معاهدة الجلاء مع الحكومة البريطانية عام ١٩٥٤م، لكونها تراعي مصالح بريطانيا على حساب مصر والإسلام وبلغ الاصطدام ذروته بتلفيق حادثة المنشية التي اتهم فيها الإخوان باغتيال جمال عبد الناصر، وكانت المناسبة المفتعلة التي اغتنمتها ثورة يوليو لتصفية حركة الإخوان والعبث بهوية ومقدرات الشعب المصري المسلم!!
وقد لاقي «الإخوان المسلمون» في سجون عبد الناصر أبشع الوان التنكيل والاضطهاد وقد كان من مشاهد تلك المحنة، أن أصر قضاة المحكمة في إحدى جلساتها على الأستاذ ليقول الحقيقة -كما يريدونها - فأقدم على تمزيق قميصه بجرأة في قاعة المحكمة، وكشف عن أثار السياط والكي بالنار و مواضع نهش أسنان الكلاب البوليسية المتوحشة في ظهره، ثم أدار ظهره للحضور ليشهدوا !!؟
وفي ٢١ أغسطس من عام ١٩٦٦م، حكم على الشهداء سيد قطب ومحمد يوسف هواش وعلي عبد الفتاح إسماعيل بالإعدام شنقًا.. فقامت إثر ذلك مظاهرات استنكار عمت أنحاء العالم الإسلامي، وخاطب كبار العلماء والوجهاء والزعماء عبد الناصر ليثنوه عن مخططه ولكن سولت له نفسه أن يتجاوز تلك الالتماسات ليقترف خطيئة تضاف إلى سجله المشؤوم، وكان موعد التنفيذ قبل بزوغ فجر ٢٩ أغسطس ١٩٦٦م.
يقول الشهيد «لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاني اللحظة، لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعًا أن أعمل هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو من لي في الحياة، ولكن الحسرة أن تأكل قلبي إذا لم استطع، إن آخرين سوف يقومون بها، إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء أفراح الروح».
وعندما ألقي عليه القبض في المرة الأخيرة قال «لقد عرفت أن الحكومة تريد رأسي هذه المرة، فلست نادمٍا لذلك ولا متأسفًا لوفاتي، وإنما أنا سعيد للموت في سبيل ذلك، وسيقرر المؤرخون في المستقبل من كان على الصراط المستقيم، الإخوان أم نظام الحكم القائم» (الخالدي :١٥١).