; في الوحدة والتعدد داخل الحركة الإسلامية المغربية | مجلة المجتمع

العنوان في الوحدة والتعدد داخل الحركة الإسلامية المغربية

الكاتب مصطفى الخلفى

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

  • تميز الحركة بين دائرة المرجعية التي لا خلاف عليها، ودائرة المشروع الاجتهادي التي توجب التعاون في المتفق عليه، والتحاور في المختلف فيه

  • التفكير داخل الحركة يتجه للعمل على ضبط الخلافات وبناء أرضية خصبة تساعد على إنجاز هدف الانصهار والتوحيد

  • أهم أسباب الانشقاقات التي عرفتها الحركة الإسلامية المغربية: غياب المشروع المجتمعي.. الافتقاد إلى رؤية متكاملة، والتشتت التنظيمي.

يحفل التطور التاريخي للحركة الإسلامية المغربية بتجارب عدة غنية في مجال الوحدة والانشقاق، وقبل عرضها بشيء من التفصيل، فإنه ينبغي التنبيه في البداية إلى أن مختلف مكونات الحركة الإسلامية، تتفق على هدف السعي نحو توحيد هذه المكونات، فـ «عبد السلام يس»- مرشد جماعة العدل والإحسان- اعتبر أن المهمة الأولى «جند الله» هي تأليف جماعة المسلمين القطرية وتربية رجالها وتنظيمهم([1])، كما أن حركة التوحيد والإصلاح تعتبر أن دورها المركزي في العمل الإسلامي هو التوحيد والإصلاح؛ حيث ورد في ميثاقها «وتوحيد المسلمين والتقريب بينهم فريضة شرعية وضرورة واقعية (..) ومن ذلك السعي إلى توحيد جهود الدعاة، وتحسين العلاقات، ودعم التقريب والتعاون بينهم»، والشيء نفسه نكاد نجده عند مختلف الجماعات، ويدل هذا الأمر على أن اتجاه الجماعات والتنظيمات الإسلامية إلى الوحدة، ليس توجهًا تكتيكيًا ظرفيًا محكومًا بمنطق ميزان القوى، وكيفية تصريف التناقضات المحتملة أو القائمة بين مكوناته، ذلك أن الحركة الإسلامية، مدعوة وملزمة بالسعي إلى التوحد والعمل الجماعي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153)، ولقوله أيضًا: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وأيضًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».

إن وجود هدف التوحيد عند مختلف التكوينات الحركية لا يعني الاتفاق على مضمونه، فباستثناء حركة التوحيد والإصلاح التي تطرح الوحدة على أنها وحدة اندماجية شاملة، نجد جماعة العدل والإحسان لا تجاوز عتبة التنسيق الجزئي مع الجماعات القائمة، وفي الظرف الراهن نعتبر أن تصورها لكيفية التوحيد والتنسيق بين العاملين في الحركة الإسلامية لم يحن بعد أوان بسطه([2]).

أما الحركة من أجل الأمة فهي تميز بين دائرة المرجعية التي لا خلاف حولها، ودائرة المشروع الاجتهادي الذي ينبغي التنسيق والتعاون في المتفق عليه والحوار في المختلف فيه، والوحدة مضمون وتعاقد، وفي غياب حدود التعاقد حول أصول العمل، فالوحدة تصبح بدون معنى([3])، وفي السياق نفسه تطرح حركة البديل الحضاري أن الوحدة هي وحدة مشروع عوض أن تكون وحدة تنظيم.

أما من الناحية المنهجية، فيجب أن تلفت الانتباه إلى أن دراسة تجربة الحركة الإسلامية في مجال الوحدة والانشقاق يجب أن تأخذ في اعتبارها النقاط الآتية:

۱- ضرورة الاتصال بأطرها وكذا بأرشيفاتها حسب الإمكان، وذلك نظرًا لندرة الكتابات التاريخية في هذا المجال.

2- أن تجربة الحركة الإسلامية المغربية تجربة تحتضن في أحشائها تجارب فرعية بعضها لم يعلن عنه، أي أنه في طور السرية، وهو ما يقتضي الدقة والحذر عند التطرق إليها، فضلًا عن المجازفة بإصدار أحكام عامة أو نهائية. 

3- أننا سنلتزم بمقاربة تاريخية للموضوع، أي مقاربة تنطلق من رصد التطورات والوقائع الملموسة في التجربة التاريخية، ثم العمل بعد ذلك على تفسيرها وتحليلها للخروج في نهاية المطاف بخلاصات وتعميمات نظرية عامة قابلة للمناقشة.

4- أننا سنقصر حديثنا عن الحركة الإسلامية في شخص التعبيرات التنظيمية ذات الأهداف التغييرية الشاملة، ولهذا لن نتطرق إلى التعبيرات الهلامية المرتبطة بتجارب وزعامات فردية في هذه المدينة أو تلك، أو المقتصرة على مجال من مجالات التغيير، كالمجال الثقافي، أو الاجتماعي، أو التربوي، حيث يمكن اعتبار عدد كبير منها بمثابة واجهات للتعبيرات التنظيمية الشاملة، التي نذكر منها: جماعة العدل والإحسان، وحركة «التوحيد والإصلاح».

وتأسيسًا على ما سبق؛ فإننا نعتبر أن رصدنا لموضوع الوحدة والانشقاق داخل الحركة الإسلامية، سيتم انطلاقًا من اعتبار التطور التاريخي لهذه الحركة الإسلامية، هذا التطور الذي تنظمه معادلة صعبة، تجمع بين الوحدة والانشقاق في تداخل لافت، وقد مرت بمرحلتين تعبر أولاهما عن التوحد، والثانية عن الانشقاق، بما يمكن من القيام بتحقيب تاريخي تمتد فيه المرحلة الأولى منذ نشأة الحركة الإسلامية إلى منتصف الثمانينيات، والتي امتازت بهيمنة سيرورة الانشقاق والتعدد، وضمور سيرورة التوحيد، أما المرحلة الثانية فتمتد من منتصف الثمانينيات إلى منتصف عقد التسعينيات، والتي اتسمت بهيمنة مسار التوحيد، وخفوت حدة مسارات الانشقاق رغم بقائها.

1. التعدد والانشقاق «من النشأة إلى منتصف الثمانينيات»

تعود جذور الحركة الإسلامية المغربية في صيغتها التنظيمية إلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، حيث شهد مقر جمعية أنصار الإسلام- أسست سنة ١٩٦٠م بالبيضاء، من طرف الفقيه محمد السرغيني- تأسيس جمعية الشبيبة الإسلامية، برئاسة د عبد الكريم مطيع، ونيابة د. إبراهيم كمال في أكتوبر ۱۹۷۷م.

وفي سنة ١٩٧٦م تأسست بمدينة فاس جمعية الدعوة الإسلامية، برئاسة د. عبد السلام الهراس، وفي مدينة القصر الكبير تأسست أيضًا الجمعية الإسلامية، برئاسة د. أحمد الريسوني، وعلى إثر الخلافات التي قامت في صيف ۱۹۷۸م بين قيادة الشبيبة الإسلامية بالمغرب ود. عبد الكريم مطيع الذي غادر المغرب إثر حدث اغتيال عمر بن جلون، حصل تصدع داخل الشبيبة الإسلامية، أنتج ثلاثة توجهات: توجهًا ساند قيادة الداخل، إلا أنه سرعان ما تفكك ليلتف حول د. عبد السلام يس فيما بعد، ثم توجهًا ساند د. عبد الكريم مطيع، أما التوجه الثالث فقد التبس عليه الأمر ودعا إلى «التبين»، ثم تحول إلى تنظيم قائم بذاته رأسه د. عبد الحميد إبراهيم، وبعده د. عبد الرزاق المروري.

وقد أصدرت الشبيبة الإسلامية إبان ذلك كتابًا باللغتين العربية والفرنسية، تعتبر فيه ما حصل من محاكمات بسبب اغتيال الزعيم اليساري عمر بن جلون مؤامرة على الشبيبة الإسلامية، هدفها تشويه الحركة، وإبعادها عن الساحة، واستمرت الشبيبة الإسلامية بعد ذلك في العمل خارج المغرب.

وفي أبريل ۱۹۸۱م قررت المجموعة المساندة للدكتور عبد الكريم مطيع التحول إلى تنظيم جديد، أطلق عليه اسم «الجماعة الإسلامية» في الوقت ذاته، وصدر بيان الانفصال عن عبد الكريم مطيع في يناير ۱۹۸۲م، بسبب مواقفه السياسية من القضية الوطنية، وتبنيه خيار العمل السري والعنيف، وقد قاد هذه الخطوة د. عبد الإله بنكيران، بمعية د. محمد يتيم ود. سعد الدين العثماني.

 

بموازاة مع هذا التحول اتجهت جماعة أخرى من أبناء الشبيبة- والتي تأثرت سياسيًا بحدث الثورة الإيرانية- إلى تأسيس تنظيم خاص بها، عرف بتسميات متعددة، نذكر منها «الاختيار الإسلامي». 

وأضيف إلى المشهد الحركي الإسلامي في سبتمبر ۱۹۸۱م تنظيم جديد رأسه د. عبد السلام يس تحت لافتة «أسرة الجماعة»، بعد إخفاق محاولاته الرامية إلى توحيد العمل الإسلامي، وقد تحول في أبريل ۱۹۸۳م إلى «جمعية الجماعة الخيرية»، ثم في سبتمبر ۱۹۸۷م ارتفع شعار «العدل والإحسان»، الذي عرفت به فيما بعد.

وفي منتصف الثمانينيات أضيف إلى هذا المشهد كل من «منظمة المجاهدين بالمغرب» الذي أسسه د. عبد العزيز النعماني- أحد قادة الشبيبة في السبعينيات- وقد تم كشف هذا التنظيم في صيف ۱۹۸۳م، وأجري له ما عرف بمحاكمات مجموعة ٧١ في يوليو ١٩٨٤م، وكذلك «فصيل الجهاد - كتيبة بدر»، وهو تنظيم يحتوي العناصر المتبقية من الشبيبة الإسلامية والمحافظة على ارتباطاتها بعبد الكريم مطيع، غير أنه تعرض لضربة أمنية أدت إلى القضاء عليه في صيف ۱۹۸۵م، بعد محاكمة قاسية عرفت بمحاكمة مجموعة ٢٦ في سبتمبر ١٩٨٥م. 

وبالتأمل في مجمل تطورات هذه الحركة يمكن القول: إن الحركة الإسلامية التي انطلقت في بداية السبعينيات مجسدة في «الشبيبة الإسلامية»، لم تكن سوى مشروع حركة إسلامية أجهضت في البدايات الأولى لتحركها في أحشاء المجتمع، وهو ما جعلها تغرق في إشكالات تنظيمية عدة وسياسية حالت بينها وبين استيعاب التنظيمات الجديدة من جهة أولى، وإلى حصول انشقاقات من داخلها من جهة أخرى، تعارف أبناء الحركة الإسلامية المغربية على تسميتها «بفتن».

والمتابعة المفصلة والمتأنية لمجمل الأحداث التي أنتجت هذه السيرورة الانشقاقية تبرز الخلاصات التالية:

  • يبدو أن غياب المشروع المجتمعي والافتقاد إلى الرؤية المتكاملة للعمل الدعوي، فضلاً عن غياب هيكل تنظيمي واضح، يمثل السبب المركزي في مجمل الانشقاقات التي عرفتها الحركة الإسلامية.

  • أن محاولات التوحيد التي فشلت- لا سيما تلك التي تمت برعاية د. عبد السلام يس- لم تفشل لكونها كررت تجربة «الشبيبة الإسلامية» المتمثلة في ضبابية المشروع الفكري والسياسي، وإنما أيضًا لأن «الجماعة الإسلامية» اتخذت موقفًا صريحًا منه، يتمثل في عدم الاستجابة لدعوته، كما أن المحاولة تزامنت مع محاولة موازية قام بها أبناء الحركة، كان مصيرها هي الأخرى الفشل.

  • رغم مسارات الانشقاقات هذه، فإنه بالموازاة مع ذلك انتعشت سيرورة التوحيد هذا الانتعاش الذي تمثل بالأساس في جمع الجزء المركزي من «الشبيبة الإسلامية»، ولا سيما في المواقع الرئيسة له بمدن فاس- الرباط- البيضاء، وإعادة توحيدها انطلاقًا من عملية مراجعة للتصورات، وبناء ما اصطلح عليه بـ «التوجه الجديد» القائم على مراعاة خصوصية الصحوة الإسلامية بالمغرب.

التوحيد والتجميع «منتصف الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات»

بدت الحركة الإسلامية المغربية في منتصف الثمانينيات، وقد اكتملت بداخلها عملية الفرز، وتوضحت بالتالي التعبيرات الرئيسة لها، فالتعددية داخلها أصبحت واقعًا ملموسًا، ليس بما هي تعددية تنظيمية فقط، بل بما هي تعبير عن تباين في الاجتهادات الحركية الخاصة بقراءة الواقع والمجتمع، وتحديد إشكالاته وطريقة التعاطي معها، أي تعددية تكشف عن تعدد اختيارات تغييرية وسياسية، وكونها وصلت إلى هذا المستوى، فقد أنتج ذلك واقعًا من التعددية المرضية المتجلية في اندلاع حملات النقد والتشهير، والتي استهدفت بشكل كبير «جمعية الجماعة الإسلامية»، لا سيما من طرف كل من «جماعة العدل والإحسان»، وباقي التوجهات السرية بسبب الخط السياسي للجماعة الإسلامية القائم على الإسهام والمشاركة في الحياة السياسية الوطنية، كما أن حملات الخلافات بين التوجهات غير العلنية والصغرى هي الأخرى كانت حادة لا سيما في الأوساط الجامعية والطلابية، وفي ظل هذه التطورات أصبح التفكير داخل الحركة الإسلامية المغربية يتجه للعمل على ضبط الخلافات؛ حتى لا تتحول إلى حروب استنزاف وتآكل داخلي، وهذا التوجه في التفكير شكل الأرضية الخصبة المساعدة على انطلاق سيرورة التجميع.

انطلقت هذه السيرورة بالحوار الذي عرفته كل من «جمعية التبين» والتي ستتحول فيما بعد إلى جمعية الشروق، مع «جمعية الدعوة الإسلامية» بفاس «الجمعية الإسلامية» بالقصر الكبير، ثم انضاف إليها «الاختيار الإسلامي» الذي ما لبث أن انسحب في حدود ۱۹۹۳م، وقد أنتج هذا الحوار الثلاثي الإعلان عن تأسيس «رابطة المستقبل الإسلامي» في أبريل ١٩٩٤م، برئاسة د. أحمد الريسوني.

ثم بعد ذلك تطور الحوار الذي كانت تقوده «جمعية الدعوة الإسلامية» بفاس مع «حركة الإصلاح والتجديد»- الجماعة الإسلامية سابقًا، والتي غيرت اسمها في يناير ۱۹۹۲م- ليصبح بين هذه الأخيرة و«رابطة المستقبل الإسلامي»، ويتوج بالإعلان عن «حركة التوحيد والإصلاح» في نهاية أغسطس ١٩٩٦م. 

بالإضافة إلى هذه التطورات التنظيمية، هناك تطورات فكرية في اتجاه خدمة سيرورة التوحيد، وخصوصًا لدى «جماعة العدل والإحسان» التي لم تكن تقبل بالتعددية، حيث صرح د. عبد السلام يس في الطبعة الأولى من «المنهاج النبوي»، «أن التعددية في أوساط العاملين للإسلام هي حكم بغير ما أنزل الله» «۱۹۸۱م»، ليصبح هذا الموقف في الطبعات الموالية: «إن ما لا يقبله الشرع هو التعدد العدائي»، وقد عبر عن ذلك بوضوح د. فتح الله أرسلان في حوار له مع جريدة الراية المغربية، حيث أشار «أنهم في جماعة العدل والإحسان كانوا مثاليين أكثر من اللازم، وأن المصلحة المعتبرة شرعًا تقتضي القبول بالرأي الذي يقول بالتعددية»، بل إنه- مؤخرًا- اعتبر أن من التحديات التي تعترض الحركة الإسلامية «العمل على إيجاد صيغة للتنسيق والعمل المشترك».

إلا أن هذه التطورات التنظيمية والفكرية الإيجابية لا تعني أن سيرورة الانشقاق اندثرت، بل إنها استمرت، وأحيانًا طغت على سيرورة التوحيد، وهو ما تظهره المخططات التالية:

  • التمايزات التنظيمية بين الأطراف الإسلامية بالجامعة المغربية اتخذت أحيانًا صيغًا صدامية، لقد انطلقت التجربة الإسلامية في الجامعة في هيئة كتلة موحدة، إلا أنه ما لبث أن خرجت من رحمها تنظيمات متتالية لتستقر في نهاية المطاف في ثلاث فصائل: «فصيل الوحدة والتواصل» التابع لحركة التوحيد والإصلاح، وفصيل «العدل والإحسان»، و«طلبة الميثاق»، ذوو العلاقة مع بعض التوجهات الإسلامية الأخرى.

  •  حدث إقالة/ استقالة د. محمد بشيري- عضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان، والذي كان بمثابة القائد الكاريزماتي الثاني في الجماعة- وذلك في صيف ١٩٩٦م، والذي آلى على نفسه أن يخوض حملة تصحيح داخل الجماعة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على التمهيد لحركة انشقاقية داخل جماعة العدل والإحسان، ولا سيما بعد أن صرح باستعداده الالتحاق بجماعة يؤسسها المنسحبون من العدل والإحسان بسببه، بشرط أن يكون هذا التنظيم ذا «حصيلة بشرية مهمة من حيث العدد ومن حيث الكيف».

  •  الخلاف الذي طرأ داخل المجموعة التي تصدر «جريدة الجسر»، وهي المجموعة التي عرفت في السابق بالاختيار الإسلامي، وتشكلت من مجموعة من عناصر الشبيبة الإسلامية التي رفضت مسار الجماعة الإسلامية في ۱۹۸۱م، وتأثرت بالتوجهات السياسية للثورة الإيرانية مع تحفظها على الفكر المذهبي الشيعي، وبقيت طيلة الثمانينيات والنصف الأول للتسعينيات تعمل في إطار السرية، ثم بدأت تدريجيًا في الخروج للعمل العلني القانوني بإصدار «جريدة الجسر» في ۱۹۹۳م، وبعدها صدور جريدة أخرى هي «النبأ»، حيث قامت المجموعة التي ما زالت تصدر «جريدة الجسر» بالإعلان عن إنشاء تنظيم إسلامي يحمل اسم «البديل الحضاري»، بزعامة د. الأمين الركالة ود. محمد المعتصم، وذلك في اكتوبر ١٩٩٥م، أما المجموعة الأخرى، فأعلنت في أكتوبر ۱۹۹۸م عن تأسيس «الحركة من أجل الأمة»، بزعامة محمد المرواني وعبد الحفيظ السريتي.

وبالإضافة إلى هذه المحطات، نجد الصعوبات التي اعترضت عملية التوحيد لحركة التوحيد والإصلاح في أثناء المرحلة الانتقالية «١٩٩٦م- ۱۹۹۸م»، والتي جعلت عدداً من الأفراد يجمدون عملهم أو ينسحبون، وهي صعوبات استطاعت الحركة تجاوزها، لكن بعد جهود مضنية، وبحسب أحد قيادات الحركة، فإن هذه الصعوبات تعبر عن سيرورة مضادة لسيرورة التوحيد. وقد أدى ذلك إلى الحفاظ على تنظيم جمعية الدعوة الإسلامية بفاس الذي قام بتجديد هياكله، وإعادة بناء ذاته في سنة ١٩٩٨م. 

إن معطيات السيرورة الثانية- سيرورة التوحيد- تفسر هي الأخرى بعناصر تحليلية عدة نجملها في الآتي:

  • ساهم الانتماء إلى المرجعية الإسلامية نفسها- وتحديدًا مرجعية أهل السنة والجماعة- في توفير أرضية فكرية تخدم مسار الوحدة، معززة بالالتزام بمبدأ الشورى، وكذا الالتزام بمقررات الأجهزة المسؤولة.

  • العامل السياسي إجمالًا- والموقف من النظام السياسي المغربي تحديدًا- شكل أحد معوقات عملية التوحيد، بل إن سيرورة التوحيد لم تستطع تجاوزه إلا من خلال عمليتين، الأولى: اعتبار ما هو سياسي يأتي في الدرجة الثانية في البناء التصوري لحركة التوحيد والإصلاح، أي أنه ليس أساس الاجتماع داخل الحركة، وهذا تحول مفصلي ساعد على استيعاب مختلف الاجتهادات السياسية التي من المتعين عدم إغفالها أو تجاهلها.

  • لئن كانت سيرورة التوحيد نجحت بسبب تجميد الملف السياسي وخوض حوارات لاستيعاب مختلف مفاصله، فإنه في المقابل نجد أن استمرار سيرورة الانشقاق يعود بالأساس إلى الإعلاء من شأن ما هو سياسي.

  • الملف السياسي يعضده ما هو فكري، تربوي، حيث إن الإشكال التربوي عند جماعة العدل والإحسان لعب دورًا مقدرًا في عدم تبلور إرادة التوحد معها عند عموم الأطراف الإسلامية الأخرى، خصوصًا في ظل اصطداماتها الميدانية معهم، كما أدت إلى انسحاب قطاعات عريضة منها «البيضاء، وحدة، أسفي....» بسبب الحملة التي شنها العضو القيادي السابق داخلها د. محمد البشيري على ما أسماه التوجه التربوي الصوفي من جهة، والاستبداد التنظيمي الداخلي من جهة أخرى.

  • أن سيرورة التوحيد تنجح إذا ما تم تجاوز ظاهرة الارتباط بالأفراد، وكذا الحساسيات الشخصية، وتفشل أو تتعثر إذا ما بقي الارتباط قويًا بالأفراد.

آفاق سيرورة الوحدة والانشقاق

تقدم التجربة المعاصرة للحركة الإسلامية دليلًا إضافيًا على الخاصية الانقسامية للنسق السياسي المغربي، وهي خاصية يحكمها قانون الانشطار/ الانصهار، والتي على الرغم من الانتقادات الموجهة لها تبقى عنصرًا مساعدًا على فهم دينامية النسق السياسي المغربي.

واستتباعًا لذلك لا يمكن القول إن الحركة الإسلامية المغربية، ستتجه إلى التحول إلى حركة واحدة موحدة، كما لا يمكن الجزم بالعكس أيضًا، فكلا السيرورتين سيستمر متعايشًا ومتنافسًا: سيرورة التوحيد/ الانصهار من جهة، وسيرورة الانشقاق/ الانشطار من جهة أخرى، وهو ما يعني أن الواقع التعددي داخل الحركة الإسلامية المغربية في أحسن الحالات سيتجه نحو التنسيق والضبط الإيجابي للخلاف، ولعل المؤشرات التالية تنحو إلى اتجاه ذلك:

  • عمق الاختلافات الفكرية والتربوية بين مكونات الحركة الإسلامية المغربية.

  • التباين الحاصل في الأداء السياسي بين قطبي الحركة الإسلامية المغربية «العدل والإحسان/ التوحيد والإصلاح» ولا سيما بعد وفاة العاهل المغربي الحسن الثاني، وصدور مواقف متباينة من العهد الجديد.

  • الإشكالات التاريخية التي أنتجت حساسيات نفسية حادة بين عدد من قيادات الحركة الإسلامية، والتي تعوق في أحيان كثيرة، حتى إمكان الجلوس للحوار.

  • أن التطورات السياسية التي عرفتها الحركة الإسلامية المغربية- منذ منتصف التسعينيات وإلى الآن- أدت إلى إحداث فرز عميق بين توجهاتها من جهة، ودفع الأطراف المتقاربة إلى تعميق هذا التقارب من جهة أخرى، فإن الوضعية الراهنة ستتجه بنسبة كبيرة نحو مسارين:

الأول: هو مسار تثبيت نتائج سيرورة التوحيد، ولا سيما على صعيد حركة التوحيد والإصلاح، وهذا المسار إذا ما بلغ درجة من التمكن الذاتي، فسيكون له إشعاعه ليس على الصعيد المحلي، بل حتى على صعيد العالم الإسلامي.

الثاني: المزيد من تعميق سيرورة الفرز داخل التوجهات الأخرى، ولا سيما منها التي عرفت تلكؤًا بصدد مسارات التوحيد.

وختامًا، تبقى تجربة الحركة الإسلامية في الوحدة والانشقاق، تجربة غنية، ينبغي الاعتبار بها لفهم محدودية أداء الحركة الإسلامية في الحياة السياسية المغربية.. 

الهوامش

([1]) عبد السلام يس «المنهاج النبوي تربية وتنظيمًا وزحفًا» من ٢٦-٢٥، الطبعة الرابعة، دار البشير- مصر ١٩٩٥م.

([2]) فتح الله أرسلان الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حوار مع جريدة الصحيفة الجديدة المغربية عدد ۲۸، ۱۹/۳/۱۹ ص5.

([3]) د. محمد المرواني، رئيس الحركة من أجل الأمة - جريدة الصحيفة عدد «٤٠» 11/6/1999م ص11.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل