العنوان في المحراب.. الله جل جلاله
الكاتب عطية محمد سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1975
مشاهدات 85
نشر في العدد 255
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-يونيو-1975
في المحراب.. الله جل جلاله
لا يتم إيمان المسلم بالله -عز وجل- إلا إذا آمن بأسمائه وصفاته.
ولا تتحقق المعرفة الكاملة به -سبحانه- إلا إذا عرفت هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا، ووضعت في موضعها الصحيح من قلب المسلم الذي يريد أن يعرف الله، ويعبده حق عبادته.
قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 180).
وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ (سورة طه: 8). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: »إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة«
وليس العدد هنا للحصر، فقد وردت في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسماء أخرى غير التسعة والتسعين.
ونود أن نستعرض هنا بعض أسمائه وصفاته -سبحانه-، فالله -سبحانه وتعالى-: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ (سورة الإخلاص:1-4) فهو واحد لا شريك له، لا ند له ولا نظير له.
﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ (سورة الشورى: 11). وهو الرحمن الرحيم، والحي القيوم، والملك القدوس، والكبير المتعال. كما أنه هو العليم الخبير والسميع البصير والقريب المجيب.
وسع سمعه الأصوات وأحاط علمه بالكائنات فلا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات وهو الحي الذي لا يموت والباقي الذي لا يزول. هو علام الغيوب ومفرج الكروب ومستجيب الدعوات .
هو خالق كل شيء ورازق كل حي. تفرد بالألوهية كما تفرد بالربوبية. هو الله وحده لا شريك له. رب كل شيء ومليكه. وخالق كل شيء ومدبره.وكل من عداه عبيد له خلقهم بقدرته ودبرهم بحكمته.
فالسموات السبع ومن فيهن والأرض ومن عليها. وكل ما في الكون من عوالم منظورة أو غير منظورة كلها خاضعة لناموس ربوبيته مندرجة في سلك عبادته تسبح بحمده وتقدس له وإن من شيء إلا يسبح بحمده.
وهو الغني الحميد. غني عن عبادة من عبده. قال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا»
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم: 8). ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: 16- 17)
هذه بعض أسماء الله الحسنى وصفاته العليا.. وهي غيض من فيض وقطرة من بحر مما لله من صفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى. فالتمسوها في مواضعها من كتاب الله ومن سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه. فإنهما المورد الصحيح الذي يجب أن يرده كل مسلم ليعرف الله عز وجل
وقد انشغل بعض المسلمين في الماضي بالفلسفة اليونانية وبعلم الكلام وبالجدل العقيم حول الاسم والمسمى والذات والصفات وحولوها إلى جدل عقيم يمرض النفوس ويميت القلوب. وطريق العلاج الوحيد هو العودة إلى النبع الصافي الذي بعث الله به رسوله محمدا صلوات الله وسلامه عليه.
منهج عبادة
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه أن يضرعوا إلى الله ويسألوه بأسمائه الحسنى في كل الظروف خاصة في لحظات الكرب والهم وغلبة الدين.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله يعلمنا هذا الدعاء لتفريج الهم. «اللهم إني أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمى»
وسمع صلى الله عليه وسلم زوجه عائشة تدعو تقول.. اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم. فقال لها: أصبته. أصبته. أي أصابت الحق.
وسمع رجلا يدعو فيقول في دعائه:- اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال صلى الله عليه وسلم: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى.
نعيم الدنيا:
لأسماء الله الحسنى حلاوة يتذوقها المؤمن الخاشع الذي يتعامل مع الله وحده ويستغني به عمن سواه فيأنس به في وحدته ويستعين به في كربته ويعتد به في كل مواقفه. وكل اسم من أسماء الله الحسنى وكل صفة من صفاته تترك أثرها في نفس المؤمن الموحد فإيمانه بالله العليم الخبير يجعله يوقن أنه بين يدي من لا تخفى عليه خافية. وإيمانه بالله السميع البصـير يجعله يتعامل مع الله وحده الذي يسمع نجواه ويرى مكانه فلا يبالي بشيء في سبيل دعوته. ﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ (طه: 46) ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 218- 219)
وايمانه بالله ولي المؤمنين يجعله يسخر من كل قوى الباطل مجتمعة. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف: 195- 196)
وإيمانه بالله الرزاق ذي القوة المتين يجعله لا يحمل هموم الرزق التي تثقل كواهل الناس وتقعدهم عن العمل لدعوته والجهاد في سبيله مخافة الفصل من الخدمة أو قطع العيش. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58)
وهكذا يجد المؤمن متعة كبرى في معرفته لله عز وجل ويشعر بسعادة دائمة تجعله حي الشعور رقيق الحس قريب الدمعة مما يعرف من عظمة الله وقدرته ورحمته ورضوانه.
قال الإمام ابن تيمية رضوان الله عليه. مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا لذة نعيمها. قيل له: وما لذة نعيمها قال:معرفة الله عز وجل والتمتع بذكر أسمائه وصفاته. رزقنا الله وإياكم لذة الإيمان وحلاوة اليقين.