العنوان في الطريق إلى إنشاء البنك الإسلامي الأردني.. دراسة عامة بناء على طلب من مجلس المنظمات والجمعيات الإسلامية بالأردن
الكاتب الدكتور سامي حمود
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1977
مشاهدات 91
نشر في العدد 344
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 05-أبريل-1977
يشمل اصطلاح «البنك الإسلامي» أية مؤسسة مصرفية تكون ملتزمة باجتناب التعامل بالفوائد الربوية على أساس كونها تعاملًا محرمًا من وجهة النظر الدينية التي تتفق فيها الأديان السماوية في الجملة من حيث أصل التحريم.
ومن هنا يمكن القول بأن الوصف الإسلامي لهذا البنك إنما يستهدف بيان هوية الالتزام المقررة في أسلوب التعامل الذي يسير عليه البنك الإسلامي في علاقته مع الناس سواء كانوا من المودعين أو المتمولين.
وبذلك يكون البنك الإسلامي من المؤسسات الوطنية التي تقدم خدماتها لكافة فئات المواطنين ممن يرغبون في الإفادة من أسلوب العمل المصرفي الملتزم في إطار هداية السماء، ودون أن يشكل وجود هذا البنك أي تناقض مع النظام المصرفي القائم ما دام هناك متسع للحياة المتجاورة لكلا النظامين.
أما دواعي إقامة هذا البنك في بلدنا فإنها تستند للاعتبارات التالية:
١- وجود العديد من أصحاب الأموال والمدخرات الذين لا يستسيغون أن يستثمروا أموالهم بطريق الإيداع نظير الفائدة، وهو ما يترتب عليه إبقاء هذه الأموال بعيدة عن المشاركة الاستثمارية.
٢- وجود الفريق الآخر من المواطنين الذين يحول نظام الإقراض المصرفي المستند للفائدة دون إقبالهم على الإفادة من التسهيلات المصرفية المتاحة لمن هم في مثل إمكانياتهم المالية.
٣- إحجام البنوك القائمة عن تمويل الأفكار والقدرات على أساس المشاركة التي تشجع المواطنين لإقامة المشاريع الجديدة أو المساعدة على تكوين رؤوس الأموال.
لذلك فإن دواعي إقامة البنك الإسلامي الأردني تستند في واقع الأمر لعدة اعتبارات من النواحي الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، وهي النواحي التي سوف تظل غير مغطاة في ظل النظم المصرفية التقليدية نظرًا لانحصار فلسفة هذه النظم في نطاق الأسلوب القائم على نظرية الفوائد المصرفية سواء باعتبارها حافزًا لجذب الودائع أو كونها عائدًا في نظير الإقراض.
ثانيًا- كيف يتلاقى وجود البنك الإسلامي مع أهداف خطة التنمية:
إن من يستعرض خصائص الجهاز المصرفي والسياسة النقدية التي عرض لها تقرير خطة التنمية الخمسية في الصفحات الواقعة بين ٥٥ - ٦١ يمكنه أن يتأكد بالدليل العلمي الملموس مدى حاجة الأردن لوجود البنك الإسلامي القادر على التلاقي مع ما ترمي إليه خطة التنمية من حشد للطاقات والأموال الوطنية المتاحة للتوظيف والاستثمار، وإننا في معرض بيان أبرز ما أوردته الخطة في تقريرها من أوجه القصور في كفاية النشاط المصرفي لا نقصد سوى الاستدلال على أهمية ما يحققه وجود البنك الإسلامي الأردني من ناحية القدرة على استكمال ما لا تستطيع هذه البنوك أن تغطيه من فعاليات واحتياجات.
فما هي أبرز النقاط التي تطرق إليها تقرير الخطة من ناحية القصور الذي أخذته خطة التنمية على الجهاز المصرفي مما يمكن أن يعالجه وجود البنك الإسلامي.
١- القصور في مجال اجتذاب المدخرات.
أبرز التقرير ظاهرة ارتفاع نسبة النقد لدى الجمهور إلى عرض النقد وتدني نسبة الودائع لأجل والتوفير إلى عرض النقد، مما استنتج معه واضعو التقرير بأن الجهاز المصرفي كان يستطيع القيام بجهد أكبر لزيادة موارده باجتذاب المزيد من الودائع وأن هذا الجهاز لم يطبق أية حوافز مجزية لاجتذاب المزيد من المدخرات المتاحة لدى الجمهور.
فإذا قارنا هذه الملاحظات العلمية مع الواقع المعروف من ناحية عدم تقبل الكثيرين من المواطنين لفكرة إيداع أموالهم في الحسابات المصرفية المنتجة للفائدة، فإن من السهل أن نتبين مدى ما يمثله وجود البنك الإسلامي من حفز لاجتذاب المدخرات البعيدة عن المشاركة والعمل على تحويل نسبة ليست بالقليلة من الأموال المودعة في حسابات الطلب لكي تصبح في عداد الحسابات الاستثمارية التي يفتحها البنك الإسلامي للمودعين الراغبين في توظيف هذه الأموال وفق الأسلوب اللا ربوي القائم على فكرة المشاركة في حصيلة أرباح الاستثمار عند نهاية العام.
وهكذا يساهم وجود البنك الإسلامي في إنقاص حجم الأموال الداخلة في تكوين عرض النقد وذلك عن طريق تشجيع تحويل القسم الأكبر من هذه الأموال إلى ميدان الاستثمار المتوافق مع تطلعات الفئات الراغبة في الابتعاد عن الوقوع في نطاق التعامل الربوي الحرام.
ب- القصور في مجالات الاستثمار:
لاحظ واضعو التقرير المشار إليه خاصية تركيز قروض البنوك التجارية في التمويل القصير الأجل للعمليات التجارية مع تجنب منح القروض المتوسطة والطويلة الأجل لتمويل المشاريع الإنمائية.
ورغم أن مسألة التركيز على القروض التجارية لم يستفد منها قطاع التجار الذين لا يقترضون من البنوك بسبب الفوائد، إلا أن إبراز مسألة تجنب التمويل التنموي يعكس بحد ذاته مدى قصور النظام المصرفي عن تغطية الجوانب الأساسية في مرحلة البناء الاقتصادي للوطن.
ومن هنا یبرز دور البنك الإسلامي كمؤسسة مصرفية متخصصة في تغطية الجوانب التي لا تستطيع البنوك القائمة أن تشملها بنشاطها المعتمد على أسلوب الفائدة التقليدي، وذلك دون أن يكون هناك قصور في إيجاد الوسائل المتلائمة مع احتياجات التجارة والصناعة وغيرها من القطاعات التي يود العاملون فيها لو فتح لهم الطريق للحصول على التمويل الحلال.
وهكذا يجد صاحب الفكرة والمشروع الجديد لدى البنك الإسلامي نفس الاستعداد الذي يلاقيه التاجر النشيط دون تفريق بين من يعملون في سبيل تحقيق الازدهار والرفاهة لهذا الوطن في إطار من العدل في المعاملة القائمة على أساس التوازن بين من يقدم المال ومن يقدم العمل وفق أحكام الشريعة الغراء.
ج- القصور في مجال تطوير سوق رأس المال:
لم يغفل تقرير خطة التنمية الإشارة الصريحة إلى تقاعس البنوك التجارية في مجال تطوير السوق النقدي الذي يمكنها من أن تعمل بنسبة أدنى من السيولة ويمكن الشركات من الرجوع إلى هذا السوق للحصول على أموال جاهزة بشكل عاجل.
وإن من الطبيعي أن يكون النظام المصرفي السائر على نظرية الفوائد المنفرة للحس الشعبي العام غير مؤهل لاجتذاب الأموال اللازمة لإیجاد سوق رأس المال المنظم وذلك رغم أن الأردن محاط بالدول العربية الغنية بمواردها المالية.
ولو كان البنك الإسلامي قائمًا بالعمل في بلدنا لأمكن لهذا البنك أن يكون رائدًا في طریق إیجاد سوق رأس المال وتطويره وذلك عن طريق إصدار سندات المشاركة في الأرباح حيث تكون هذه السندات حصيلة قادرة على إمداد الشركات والمشاريع المختلفة بالتمويل الإنمائي الذي يحتاج إليه الوطن في مسيرته نحو التنمية والبناء.
وإن وجود سوق رأس المال في هذا البلد المتوسط بين الدول العربية الغنية سوف يجعل من طاقات أبنائه الخلاقة هدفًا منظورًا في سبيل تشجيع العمل الإنتاجي الذي هو كفيل بأن يحول الأردن إلى بلد التجارة والصناعة والزراعة المتطورة وبذلك يتبين أن البنك الإسلامي يتلاقى مع ما تتطلع إليه خطة التنمية الوطنية من سعي لاجتذاب المدخرات المحلية والتمويل الخارجي، وأن هذه الأهداف جديرة بأن تجعل من البنك الإسلامي المؤسسة المصرفية التي تستحق أن تحمل بجدارة اسم المؤسسة التنموية الوطنية وذلك بالنظر لانفراد هذه المؤسسة بتغطية الجوانب التي لا تستطيع البنوك القائمة أن تغطيها في ميدان العمل الذي تمارسه في المجال المحصور في نطاق الفائدة.
فهل يكون من مصلحة الوطن أن يكون التاجر مخيرًا بين الانعزال مكتفيًا برأس ماله المحدود أو الإقبال على الاقتراض بالفائدة وهو قلق أحيانًا أو متألم من جراء اضطراره لمخالفة ما يعلم أنه يتعامل بالحرام؟ وهل يكون من مصلحة البلد أن يبقى هناك مواطنون قادرون على إحداث المشاريع الجديدة لو توافر لهم الشريك الممول بما يدعم إمكانيات الإنتاج ويشجع العاملين على أن يصبحوا هم أصحاب المشروع الذي يعملون فيه؟
وهل يجوز أن تترك قطعة أرض صالحة للبناء دون أن تدرس إمكانية تعميرها على أساس أن تسدد التكاليف المالية من ناتج الدخل الذي تحققه ما دام مالك هذه الأرض لا يرغب في الاستدانة بالفائدة الربوية؟
إن هذه الأمور كلها تؤيد الصبغة التنموية التي يتمتع بها هذا البنك بالمقارنة مع غيره من البنوك التقليدية القائمة، وهو البنك القادر على أن يؤدي هذه الخدمات بدون أن يكون هناك أية ضرورة للتعامل بالفائدة من قريب أو بعيد
ثالثًا- كيف يعمل البنك الإسلامي بدون ربا؟
يوجد الربا بحسب المفهوم الإسلامي في حالتين هما الديون والبيوع. أما ربا الديون فإنه يقوم ابتداء كلما كان هناك ارتباط دائن بمدين حيث تكون كل زيادة يتقاضاها الدائن فوق رأس ماله ربا محرمًا ولو كان كما قال عبد الله بن مسعود قبضة من علف. وأما ربا البيوع فإنه يقوم في المجال المصرفي حال تبايع النقود «كالدينار أو الدولار بالإسترليني» بعضها ببعض على أساس السعر الأجل.
وكلا النوعين من الربا ليست أهدافًا بحد ذاتها في العمل المصرفي وإنما هي وسائل للعمل المقصود من ورائه تحقيق الأرباح. فإذا أمكن تحقيق هذه الأرباح بغير طريق الربا فإن ذلك يفي بالمقصود مع توفير عامل الطمأنينة النفسية وراحة الضمير.
أما بالنسبة لربا الديون وهي الفوائد المصرفية في التطبيق المعاصر فإن البديل فيها يكون عن طريق تحقيق الأرباح الجائزة في مجالات المشاركة والتوسط المالي الذي سنبينه في موضعه، وأما ربا البيوع فإن اجتنابه ممكن بدون أية عوائق نظرًا لأن التعامل في مجال بيع وشراء العملات الأجنبية على أساس السعر الآجل ليس شائعًا في بلادنا ولا تمارسه البنوك الوطنية نظرًا لخطورته.
وهذا يمكن للبنك الإسلامي أن يقدم كافة أنواع العمل المصرفي بأسلوبه المتفرد على أساس اجتناب كافة أشكال التعامل الربوي.
للبحث صلة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل