العنوان في الطريق إلى إحياء تراثنا الأدبي
الكاتب عبد الرحمن جميعان
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 544
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-سبتمبر-1981
غُلوَّات مفرطة تلك التي تقيد بعض الإسلاميين، وتجعل الغُلّ في أعناقهم، فيصبحوا أسارى ظنونهم الواهية، ليتسرب الريب إلى دخائل نفوسهم في تعلم العربية وآدابها، فيظنونها ضربًا من البدع أو إحياء لنعرة جاهلية خبيثة، اجتثت من فوق الأرض فما لها من قرار.
وغُلوّ هؤلاء في هذه القضية يذهب بهم أبعد المذاهب، ويرديهم أردى المهالك، ويؤدي بهم إلى أوعر المسالك، ألا تراهم يجفلون عن كل ما يتصل باللغة العربية وآثارها حتى وإن كان قرآنًا أو حديثًا؟ ومنشأ هذا الفهم الخاطئ وهذا الشعور تجاه لغننا وآداب أمتنا العربية إنما هو الاستجابة اللاشعورية لأقوال المستشرقين وأذنابهم.
إن كثيرًا من دعاة اليوم بينهم وبين لغتهم العربية الفصحى هوة سحيقة لا يستطيعون اجتيازها، ولا يحاولون ردمها، بل يخالون أنفسهم في نعمة وعافية وغنى بعيدين عن اللغة وأساليبها البيانية. قد يبدو هذا الكلام غريبًا أو عنيفًا، وقد تتطاول ألسنة البعض على كاتب هذه السطور، ويصفونه بالقومية تارة وبالعنصرية أخرى، ولكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بالحقيقة التي نعيشها، فنحن بعيدون كل البعد عن تذوق أساليب البيان القرآني والبلاغة النبوية، أليس كذلك؟ أليست هذه الحقيقة التي نحياها اليوم؟ أليست ألسنتنا أكلها الحصر ونطقنا التهمه العي؟ وأصبحنا نمزج العامية بالفصحى، فلا الألسنة تستقيم، ولا النطق يعتدل، ولا القلم يسير متيقنًا بين السطور. كم من خطأ وخطأ تجده بين ثنايا السطور في صفحة واحدة من مجلاتنا وجرائدنا؟ بل كم من لحن ولحن تسمعه من خطبائنا وقرائنا؟ إنها الحقيقة التي لا يجوز أن نضع رؤوسنا في التراب تغاضيًا عنها.
يجب أن نعلم أن اللغة العربية وآدابها جزء أساسي من الدين، وأن معركة اللغة هي معركة هذا الدين، لأن تحطيم اللغة العربية يعني أول ما يعني تحطيم القرآن والحديث ومن ثم تحطيم الإسلام.
على دعاة اليوم أولًا أن يدركوا أهمية الفصحى وقيمتها في الدعوة وأن لها ارتباطًاوثيقًا بالدين، وأن يحاولوا جاهدين تقويم ألسنتهم، وتعديل نطقهم، وعليهم ثانيًا أن يعوا حقيقة المعركة التي تدور، وأن هناك مخططات مرسومة لإسقاط العربية، ورفع الأعجمية والعامية بدلها، تلك المعركة التي بدأت في القرن التاسع عشر في مصر، وتولى كبرها في عالمنا العربي أدعياء الأدب في مصر المسلمة، ورؤوس الاستشراق في العالم المسيحي الوافدون إلى عالمنا العربي الإسلامي، حيث كان همهم استعمار العقول والأفكار، فوجدوا عاملًا مشتركًا قويًّا بين جميع المسلمين العرب والأعاجم، قد وحد رايتهم وزاد تماسكهم، ألا وهو القرآن الكريم الذي وقف حجرة عثرة في طريقهم، فكيف يزيحون هذا الكتاب من دربهم؟ لا بد من قطع حبال الصلة بين المسلمين وبين قرآنهم، وكيف يكون ذلك؟ لا يكون إلا بتحطيم اللغة العربية واستبدال العامية بها؛ فيعيش المسلمون أعاجم لا يفهمون كلمة واحدة من قرآنهم العظيم.
وكانت المحاولات لفصل اللغة عن الدين، والتي سنطرق جانبًا منها في هذه المقالة:
فهذا «سلامة موسى» ينادي في كتابه «الأدب للشعب»: «يجب أن يموت هذا الأدب الملوكي- ويعني به الأدب العربي القديم- أدب المجاز والاستعارة والتورية والبهارج والمحسنات»(1). وهذا «محمد فريد أبو حديد»- أحد أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة- «يصف الفصحى بالجمود، ويرى أن هذا الجمود قد باعد بينها وبين العامية المتجددة المتطورة، ثم نادى بوجوب العمل على التقريب بين الفصحى والعامية..»(2) .. فهذا رجل من رجال المجمع اللغوي!! ينادي بذلك، فانظر إلى أین وصل التغلغل في تحطيم لغة القرآن؟! ولكن لماذا كل هذا الحرص على تحطيم لغتنا العربية؟ الإجابة معروفة، ففي تصريح «بلجراف» المعروف يقول: «متى توارى القرآن ومكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العرب يتدرجون في سبيل الحضارة- الغربية- التي لم يبعدهم عنها إلا محمد وكتابه»(3).
نعم.. متى توارى القرآن تحطم المسلمون، وكيف يتوارى القرآن؟ هل عن طريق التبشير وإرسالياته؟ لا.. فهذا طريق قليل الفائدة، ولكن اختلاط اللغة العربية باللغات الأخرى كفيل بتحطيم معاني القرآن في نفوس المسلمين، هذا ما صرح به رجل من رؤوس المبشرين وعمدتهم وهو المسيو «شاتليه»، وكان ذلك في عام ١٩١١ فيقول: «ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية، تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس معتقديها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تسرب مع اللغات الأوروبية. فبنشر اللغات الإنكليزية والألمانية والهولندية والفرنسية، يتحكك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبل لتقديم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها إلا بعزلتها وانفرادها»(4).
فالفكرة الإسلامية لم تحافظ على كيانها إلا بتفردها وعزلتها عن بقية الأفكار، وإلا بتفرد لغتها عن باقي اللغات.
ويزيد القِس زويمر الأمر وضوحًا بقوله إن أحكم عروة يرتبط فيها المسلمون هي ارتباطهم باللغة العربية (5).
وهذا عميد الأدب العربي في العالم العربي يقول: «إن اللغة العربية عسيرة، لأن نحوها ما زال قديمًا عسيرًا، ولأن كتابتها ما زالت قديمة عسيرة»(6) ، ثم ينادي بتطور اللغة وعلومها، وينادي أيضًا باتخاذ لغة غير لغة القرآن وهي اللغة العامية(7).
إذن هناك جهود مبذولة لتحطيم قواعد اللغة العربية الغرض منها هو «تنشئة جيل جديد من أبناء العرب لا يستطيع أن يتذوق أساليب البيان العربي الأصيلة، ولا يحلو في أذنه وفي ذوقه إلا أساليب البيان الغربي وموضوعاته، وإذا نفر الشباب من شِعر المتنبي وأبي تمام- بل من أسلوب القرآن- وانصرف عنه، ثم عجز عن تذوقه وفهمه، فقد حكمنا على تراث الأدب العربي بالكساد ثم بالموت، وقد انقطعت صلة الأجيال المقبلة من أبناء العرب بقديمهم. وإذا انقطعت صلتنا بقديمنا أمكن أن نُقاد إلى حيث يُراد بنا وإلى حيث لا تجمعنا بعد ذلك جامعة تجعل منا قوة تخيف الكائدين وتأبى على الطامعين»(8). ثم نقول للدعاة الذين يريدون المحافظة على قرآنهم إن قضية هدم الدين بواسطة هدم اللغة هي أكثر خطورة من غيرها؛ لأن «الدعوات التي تستهدف هدم الدين أو الأخلاق قد تضل جيلًا من الشباب، ولكن الأمل في إنقاذ الجيل القادم يظل كبيرًا ما دام القرآن حيًّا مقروءًا، وما دام الناس يتذوقون حلاوة أسلوبه وجمال عباراته. أما هذه الدعوة الخطيرة فهي ترمي إلى قتل القرآن نفسه- وهيهات- والحكم عليه بأن يصبح أثرًا ميتًا، كأساطير الأولين التي أصبحت حشو لفائف البردي، أو بأن يصبح أسلوبه عتيقًا باليًا بتحويل أذواق الأجيال الناشئة عنه، وتنشئتهم على تذوق ألوان أخرى من الأساليب المستجلبة من الغرب»(9) فهذا هو الأمر الذي نرجو ألّا نصل إليه، بل نسأل الله أن يجعلنا مسلمين، وأن يجعل ألسنتنا عربية خالصة.
ولكن قد تأخذ البعض العزة ويلوون أعناقهم ويتطاولون علينا بكلامهم ويدندنون: «لابد من الدليل.. ائتونا بالدليل وإلا كان الجفا بيننا وبينكم.. رويدك أيها الأخ لا يسعك ما وسع الصحابة الكرام» فنقول له إننا بحمد الله لسنا مبتدعين بل متبعين، ونملك رصيدًا ضخمًا من أقوال سلفنا الصالح سنسوقها إليك: فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يكتب إلى بعض ولاته أن: «تعلموا الفرائض والسُنة واللحن كما تتعلمون القرآن»(10).
وهذا فقيه الكوفة- ابن مسعود- ومعلمها يقول: «جردوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي والله يحب أن يعرب»(11).
بل وأصدقهم(12) لهجة يفصح أكثر بقوله: «تعلموا العربية في القرآن كما تتعلمون حفظه»(13). وفعل ابن عمر- رضي الله عنه- يؤكد ذلك أكثر حيث كان يضرب أبناءه على اللحن في القرآن(14).
وكتب كاتب أبي موسى كتابًا إلى عمر بن الخطاب فيه: «من أبو موسى» فكتب إليه عمر:
«إذا أتاك كتابي هذا فاجلده سوطًا واعزله عن عملك»(15). فإن صحت هذه الرواية فهي دليل على تقفي الشبهات أمامه، وفيها دليل على اهتمام سلفنا الصالح بلغتنا العربية، وعدم رضاهم بالخطأ فيها والضرب على اللحن فيها لحفظها وصيانتها من الضياع.
وكتب عمر- رضي الله عنه- إلى ابن موسى- رضي الله عنه- «أن مُر من قبلك بتعلم العربية فإنها تدل على صواب الكلام، ومرهم برواية الشِعر فإنه يدل على معالي
الأخلاق»(16).
وأظن في هذه الأدلة كفاية لرد الشبهات، ولرفع الإهمال عن لغتنا العربية.
وإلى مقال آخر نتكلم فيه عن جانب من جوانب الثروة اللغوية العظيمة، ألا وهو دواوين شِعر العرب في جاهليتهم وإسلامهم.
الهوامش:
[1] الأدب للشعب/ 48- تاريخ الدعوة إلى العامية/ ١٤٧ د/ نفوسة زكريا.
[2] تاريخ الدعوة إلى العامية/ ١٧٩.
[3] أباطيل وأسمار/ 1058.
[4] السابق/ 186.
[ 5] السابق/ ۱۸۸.
[6] مستقبل الثقافة «طه حسين/١٩٥ نقلًا عن الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر 2/ 239.
[ 7] اتجاهات 2/ 242
[8] السابق 2/ 273.
[9] السابق ص ٣٦٥.
[10] إيضاح الوقف للأنباري 1/ 15 «واللحن هنا معناه: النحو».
[11]السابق 1/ 16 والقرطبي 1/ 23.
[12] أي «أبو ذر» استنادًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
[13]الإيضاح 1/ 23 – العقد الفريد 2/ 379.
[14] ميزان الاعتدال 3/ 639 واللحن هنا معناه الخطأ في إعراب الكلمات كرفع المنصوب أو كسر المرفوع.
[15] إيضاح الوقف 1/ 25 – البيان والتبين 2/ 344.
[16] إيضاح 1/ 31.