; الاخوان المسلمين فى مراية نجيب محفوظ | مجلة المجتمع

العنوان الاخوان المسلمين فى مراية نجيب محفوظ

الكاتب محمد المنتصر الريسوني

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973

مشاهدات 2

نشر في العدد 134

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 23-يناير-1973

القيم الإسلامية وأعني بذلك أن روائينا الكبير ليست له صلة -كما يبدو لي - بالقرآن الكريم والحديث الشريف والدراسات الإسلامية وهذا في نظري حرمان للعمل الروائي من معين ثري نقى ، ومناخ حي سخي .

وفي حديث الأستاذ نجيب عن الإسلام والعلم على لسان ( عبدالوهاب إسماعيل ) هجوم وقلب للحقائق يشبه الى حد بعيد هجوم المستشرقين المعروف اتهامهم الإسلام بالجمود ومحاولته عرقلة المسيرة المعرفية لترجع إلى الوراء ، ولو رجع روانينا إلى شريعة الإسلام لوجدها تقرر في وضوح بدون تلميح أو غموض - كما يزعم صادق جلال العظم في كتابه« نقد الفكر الديني » ـ وجوب الأخذ بالعلم وأسبابه من غير تمييز بين نوع من أنواعه واذكر أخانا نجيبا أن أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى ) ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ  خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ  ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ  ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ  عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ (العلق ١-٥)

كانت البداية رائعة جدا من القرآن الكريم في حديثه عن القراءة والقلم وهما مفتاحان يلج بهما الإنسان رحاب العلم في شتى صوره وأشكاله .

واردد على مسمع الأستاذ نجيب هذه الآيات ليتدبرها بإمعان باحساسه المرهف ، ففيها بيان وأي بيان عن العلم في الإسلام من غير الاحتياج إلى الاستشهاد بالأحاديث الشريفة رغبة في الاختصار قال تعالى ﴿  نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ  ﴾( سورة القلم:الآية 1) ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (سورة الزمر:9) ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا   (سورة طه 114 )﴿ انَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ( سورة آل عمران 190)

 

وقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم آية التفكر في خلق الله هذه فقال (ويل لمن قرأها ولم يتفكر ، ويل لمن قرأها ولم يتفكر . )

وعلى هذا الأساس انطلق على بركة الله أسلافنا يبنون الحضارة الإسلامية ، حضارة تقوم على العلم ، هندسة ، رياضيات ، فلك ، كميا ، فزياء، طب ، أدب . نقد . جغرافية فلسفة . كل هذا هضمه أهل الغرب فغير عقلياتهم رأسا على عقب بعد أن كانوا يضطهدون العلم في كل مكان حتى أدى بهم التعصب والجهل الى قتل العلماء وتشريد المفكرين ، وقد كانت الكنيسة في كل ذلك تقوم بالدور الرئيسي في هذه النكبات .

ثم أن الأستاذ نجيبا اعتبر مهنة (عبد الوهاب إسماعيل ) الإخواني كناقد مهنة جاهلية حسب تصور الإخوان الذين يمثلهم هذا الشخص ، وهذا خطأ فادح ، جد فادح إذ كلمة (جاهلي) تعني كل ما هو مخالف لمنهج الإسلام ، ومن يستطيع أن يزعم بأن النقد الأدبي فكرة جاهلية بمعني فكرة مناقضة للتصور الإسلامي ؟ أنا لا أعتقد بتاتا أن ( عبد الوهاب إسماعيل ) المثقف كما يحكي الأستاذ نجيب يعد مهنته تلك جاهلية ان كانت تدور في إطار الموضوعية والقيم الصالحة ، كلا ثم كلا ، الإسلام نفسه یا أستاذ نجيب حركة نقدية جد دقيقة ، حركة نقدية ، انتقدت الوضع الإنساني في تصوراته المنحرفة ، وسلوكه الشاذ وثقافته المتأثرة بأفكار فاسدة.

 النقد الأدبي في تصورك أمر مخالف للإسلام ، فهم غريب هذا ورب الكعبة اذ ان كل فنون القول وما يتعلق بها يحتضنها الإسلام في حنان وعطف في إطار زاويته المتمثلة في نظرته الفذة للكون والإنسان والحياة ، تلك النظرة الجامعة التي لا تشذ عنها إلا الفطرة الإنسانية المريضة.

وأضيف الى هذا أن القرآن الكريم مدرسة نقدية فريدة علمت نقادنا الكبار كالجرجاني والآمدي والقيرواني والرافعي والزيات والبشرى وغير قديما وحديثا أسرار البيان وصياغة التعبير وموازين التذوق الأدبي والنقدي.

 والتهمة الثالثة تتعلق بميول الأستاذ نجيب العاطفية للمذهب الماركسي و إيمانه بالمنهج العلمي على حين أن منهج الإسلام يغني عن جميع هذه المستوردات جميعها إذا عرفنا كيف نطبقه ، بروح مخلصة صادقة ، ولا احتاج الى ان أذكر أخانا نجيبا في أن الإسلام بمفاهيمه القيمة كان الدافع الاساسي الى تفوق المسلمين أيام عزهم في المنهج العلمي الذي أخذه عنا الغرب ودرسه في جامعاته كأبحاث الطوسي في الرياضيات وكتاب ابن سينا (القانون) في الطب وغير هذا مما كان له الأثر الكبير في المنهج العلمي عند الأوروبيين في العصر الحديث.

 ومهما يكن من أمر فإن آعجاب الأستاذ نجيب بالمذهب الماركسي ، وإيمانه بالمنهج العلمي جعله ـ كما يبدو لي - يغفل حقيقة العلم في الإسلام ، واسلوبه الخاص في استعماله استعمالا تتجلى فيه قدرة الإنسان وهيمنته عليه يتحكم فيه بإرادته حتى لا يصبح عبدا له كما هو الحال عند المعجبين بالعلم في الغرب.

وأنا أعلم بعد هذا التحليل للتهم الثلاث أن شخصية ( عبد الوهاب إسماعيل ) في (المرايا) لا يمكن بحال وهي المثقفة الواعية المسلمة - إن كانت مسلمة حقيقة ـ أن تنظر إلى العلم في الإسلام تلك النظرة الباهتة إلا أننا نكتشف من خلال العملية التحليلية الجيدة لنفسية ( عبد الوهاب إسماعيل) انه رجل ليس مخلصا لمبدئه الإسلامي الإخلاص الحقيقي ، لكونه نفعيا في دخيلة نفسه ، متأرجحا بين مطامحه . يقول نجيب متحدثا عن ذلك « وتذكرت في الحال موقفه الأعمى من الكاتب القبلي فأزعجني جدا اكتشاف ذلك الجانب الانتهازي في شخصيته وساورني شك من ناحية صدقه وأمانته ، واستقر في نفسي - رغم صداقتنا -نفور منه »

وفي نظري أن مثل شخصية (عبد الوهاب إسماعيل) ليست مما يحكم بها بجرة قلم على هيئة مسلمة كان لها أثرها الواضح الفعال في تربية الأفراد تربية إسلامية وتوجيهها توجيها صحيحا نحو الهدف المنشود ، وقد يكون ( عبد الوهاب إسماعيل) من جملة أولئك الانتمائيين الكثيرين الذين ينضمون إلى المنظمات من أجل تحقيق غرض شخصي ، وإن حاولنا جعل هذه الشخصية مقياسا دقيقا للحكم على حركة الإخوان ساغ لنا حينذاك أن نحكم على الإسلام اليوم من خلال تصرفات المنتسبين له بأنه دين شعوذة وتخلف ورجعية وذاك ما يمكن لعقل أن يتصوره.

وكان من الضروري للأستاذ نجيب وهو يرصد الظاهرة النفسية لعبد الوهاب اسماعيل أن يتحفظ خاصة في قضية العلم في الإسلام ويبرز بفنيته المعهودة الحقيقة مبينا للقراء فداحة التصور الخاطىء لدى ( عبد الوهاب إسماعيل ) وبهذا سيبرهن نجيب عن روحه المنصفة ورزانته في تناول القضايا الإسلامية وإن لم يكن مقتنعا بها.

وبتدبري لشخصية ( عبد الوهاب إسماعيل ) في ( المرايا ) تبادر الى ذهنى بالقرائن انه يقصد فردا مهما بعينه ، وأنا لا أريد أن أتورط في التصريح باسمه فقد أكون مخطئا مع نفسي وأرجو أن يتحقق ذلك من أعماق قلبي ، ولكن كيف يتحقق ؟ الجواب أتركه للقراء حين يرجعون للمرايا ليدلي كل من له قدرة على البحث برأيه عن المقصود بشخصية ( عبد الوهاب إسماعيل ) وإذا ما وقع الاتفاق على من ارشدتني اليه القرائن قمت بدحض التهم إنصافا للتاريخ ، و إرضاء للضمير .

ولا أود أن أنهي الحديث دون الإشارة ـ وهذا موضوع يستحق الكتابة والبحث - إلى أن الأستاذ نجيبا ومعه آخرون من الأدباء - بطاقته الفنية وقدرته التحليلية في الرواية ، وبعد نظرته لو حاول الاكباب على دراسة الإسلام في مصادره الأصلية ، و اكتناه أغواره واسراره ، وتقمص قيمه الرفيعة لاخرج أعمالا روائية رائعة عن قضايا الإنسان ومركزه في الحياة ، و الكون وتناسقه العجيب بطريقة إسلامية متفتحة مقطوعة الطلة بالخطابية والوعظية التي قد تظهر في العمل الفني عند من لا يجيد الصياغة الفنية وعملية النسج الروائي.

الرابط المختصر :