العنوان في الصحوة الإسلامية: إنعاش الصحوة بأسلوب الرفق واللين
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987
مشاهدات 50
نشر في العدد 819
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 26-مايو-1987
من واجبات شباب الإسلام في تنمية الصحوة وازدهار الدعوة أن تكون الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وسلوك الأسلوب اللين والترفق والمحاسنة.. انطلاقًا من مبدأ اللين والترفق الذي أمر به القرآن، وأرشد اليه رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فالقرآن الكريم أمر كل من يتصدى للعمل الإسلامي، ويدعو إلى الله عز وجل: أن يدعو غیره بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يجادل الغير بالتي هي أحسن.. قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).
كما أنه أثنى على نبيه عليه الصلاة والسلام في كونه سلك مع أصحابه بعد مخالفتهم وفشلهم، وظهور المشركين عليهم في أحد.. سبيل اللين والترفق ليظلوا ثابتين على الحق، واثقين بالنبوة، مؤمنين بالإسلام.. قال جل جلاله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). والنبي عليه الصلاة والسلام قد أكد على جانب الرفق، وأرشد إليه وحض في أكثر من حديث عليه: روى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
وفي رواية أخرى لمسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه».
ويحضرني -يا شباب- هذه القصة التي رواها التاريخ عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور: دخل واعظ على أبي جعفر فأغلظ عليه بالكلام، فقال له أبو جعفر: يا هذا ارفق بي، أرسل الله سبحانه من هو خير منك إلى من هو شر مني؛ أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون فقال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 44) فخجل الرجل على ما بدر منه وعلم أنه لم يكن أفضل من موسى وهارون عليهما السلام، وأن أبا جعفر لم يكن شرًّا من فرعون!
فمن الذي أوردناه -يا شباب- يتبين أن تحليكم بالرفق واللين والمحاسنة.. هو من أهم العوامل في استجابة المدعوين لدعوتكم، وفي ثقتهم بكم ومحبتهم لكم، وأخذهم عنكم.. بل هو من أعظم الأسس في تعزيز القاعدة الصلبة، وفي دفع عجلة الصحوة، وفي إقبال الناس على الإسلام.. فما عليكم إلا أن تسلكوا هذا المسلك وتسيروا في هذا الطريق.. إن أردتم لأمتكم العزة، ولإسلامكم الانتشار، ولبلادكم التقدم والازدهار.
ومن القضايا التي يجب أن تدركوها جيدًا لتحقيق وحدة الصف، وتماسك بناء الجماعة، ودفع عجلة الصحوة، واضطراد مسيرة الدعوة.. هو تجنبكم الخلافات الفقهية، والإثارات المذهبية حين تقومون بمهمة الدعوة إلى الله وتأخذون مواقفكم في ميدان التوعية والإصلاح وشد الناس إلى الإسلام.. وفي ذلك ضمان لوحدة الصف الإسلامي، وعامل التماسك بناء الأمة الواحدة؛ ذلك لأن المجمع عليه عند أهل العلم: أن المنكر لا يكون منكرًا إلا إذا أجمع على إنكاره، أما إذا كان محل خلاف بين المتخصصين من أهل الفقه والاجتهاد فلا يعد في الشرع منكرًا.
فبناء على هذا فلا يجوز شرعًا لمن كان شافعي المذهب الذي يتبع مذهبه في عقد اليدين في الصلاة مثلًا.. أن ينكر على من كان مالكي المذهب الذي يتبع مذهبه في إسبال اليدين في الصلاة، ومثل ذلك: الحنفي المذهب الذي يحل في بلد شافعي أو حنبلي فيجد الناس يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند الرفع منه، أو يجدهم يقرءون الفاتحة وراء الإمام، أو يرفعون أصواتهم بالتأمين، أو لا يسلمون إلا بعد أن يفرغ الإمام من تسليمته.. فقد يبادر إلى إنكار ما عليه القوم وهو لا يعلم أن هذا مذهبهم الذي يتعبدون الله على أساسه.
فلماذا الإنكار على متبع المذهب الحق وهو يقلد عالمًا إمامًا في الاجتهاد، جبلًا في العلم، قدوة في الصلاح، آية في الذكاء، مثالًا في الورع.. وقد قالوا قديمًا: «من قلد عالمًا لقي الله سالمًا»؟
وفي هذا المجال ينقل المقدسي عن الإمام النووي قوله: «إن المختلف فيه لا إنكار فيه، ولكن إذا ندبه على جبهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إلى فعله برفق».
قال المحقق المقدسي: «هذا ما قاله النووي، وهو التحقيق الذي عليه جماهير العلماء من جميع المذاهب»، ويقول: «ملا علي القاري»: «وكلامه هو أقرب للحق وألصق بروح الشريعة.. لا إنكار في المختلف فيه بناء على أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد إلا أن المخطئ غير متعين لنا، مع أن الإثم موضوع عنه وعمن تبعه...». ويضيف «القاري» قائلًا: «ليس للمجتهد -على الأصلح- أن يجعل الناس على مذهبه، سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا، فلم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين».
ويقول الإمام «الغزالي» في كتابه «إحياء علوم الدين» حين تعرض لتغيير المنكر وشروطه: «... أن يكون كون المنكر منكرًا معلومًا بغير اجتهاد، فكل ما هو محل لاجتهاد لا حسبة فيه» «أي لا إنكار فيه».
فمن هذه الأقوال وأقوال كثيرة غيرها -يا شباب- يتبين أن لا إنكار أبدًا في الأمور الاجتهادية المختلف فيها كالإنكار على من يقلد إمامًا كبيرًا في عمله واجتهاده وورعه تلقت الأمة الإسلامية فقهه بالقبول جيلًا عن جيل، كالأئمة الأربعة ومن سار على نهجهم، رضي الله عنهم ورحمهم.
ولا شك أن في اختلاف الأئمة الثقات رحمة لهذه الأمة، بل كان هؤلاء الأئمة رحمهم الله لا يعيب بعضهم على بعض، ولم يحملوا الناس على اتباع مذهبهم.
وإليكم -يا شباب- ما يؤيد ذلك كما ذكره المحقق «العجلوني» في كتابه «كشف الخفاء»: يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة».
ويقول الإمام «يحيى بن سعيد»: «أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا».
قال الخليفة العباسي «هارون الرشيد» لمالك بن أنس: «يا أبا عبدالله، تكتب هذه الكتب «يعني مؤلفاته الفقهية» وتفرقها في آفاق الإسلام تحمل الأمة عليها». قال الإمام مالك: «يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى».
وذكر «ابن سعد» في طبقاته عن «القاسم بن محمد» أنه قال: «كل اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للناس».
من هذه الأقوال يتبين -يا شباب- أن على كل من يحمل لواء الدعوة الإسلامية، ويتصدى للوعظ والإرشاد.. أن يتركوا الناس وما يتعبدون به أخذًا عن مذاهب فقهية موثوقة معتبرة.. وأن لا يجبروهم على اتباع مذهب معين، وأن لا ينكروا على أحد إلا ما كان متفقًا على إنكاره؛ لأن في ذلك ضمانًا لوحدتهم، واجتماعًا لكلمتهم وتوسعة لحل مشكلات حياتهم، وتضافرًا لجهودهم على درب العزة والنصر.
وعلى شباب الدعوة في كل مكان أن يرفعوا الشعار الذي رفعه رائد العمل الإسلامي في العصر الحديث الإمام البنا رحمه الله: «نعمل فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه». فحذار -يا شباب- أن تدخلوا مع الناس في خلافات فقهية، وتعصبات مذهبية ومجادلات فرعية.. فإنها -والله- هي الأداة المزلزلة لكيان الشعوب، والحالقة لتآلف القلوب، والممزقة لوحدة الصفوف!
فما أجمل أن ينضوي العاملون للإسلام تحت لواء الوحدة الإسلامية، وتحت راية الاعتصام بحبل الله.. ليظلوا أوفياء لدعوتهم، أصفياء في تفاهمهم، أقوياء أمام عدوهم.. فما عليكم -يا شباب الإسلام- إلا أن تتجنبوا في دعوتكم وتحرككم للعمل في سبيل الله.. كل ما يؤول إلى فرقة قائمة على الجدل الفقهي، والتعصب المذهبي.. وإن أردتم لدعوتكم الامتداد، ولإسلامكم الانتصار، ولأمتكم التقدم والازدهار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل