; في السياسة الشرعية- الحلقة (٢٠) | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية- الحلقة (٢٠)

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1982

مشاهدات 52

نشر في العدد 561

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 16-فبراير-1982

المضمون السياسي للشورى في التصوير السياسي الإسلامي

  • في الحلقة السابقة بدأنا نطرق الحقوق السياسية للفرد في ظل الشريعة الإسلامية، وكان أول حق نبحثه هو حق المشاورة، أي حق الناس في أن يشاورهم ولي الأمر والحاكم قبل أن يبت في الأمور المهمة المتعلقة بمصالحهم وحرياتهم الشرعية. ونستكمل في هذه الحلقة وربما في حلقة تليها البحث في المضمون السياسي لهذا الحق، فنقول وبالله التوفيق: نجد أن في القرآن نصين واضحين في آيتين شهيرتين:

[۱] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: ١٥٩).

[۲] ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (الشورى: ٣٨)

نجد في الآية الأولى أمرًا إلهيًّا للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يشاور قومه؛ وذلك لتأليف القلوب وإشاعة المودة بينهم نتيجة المشاورة، وتعويد المسلمين على هذا النهج في معالجة الأمور، لأن في الرسول عليه السلام الأسوة الحسنة لهم، فإذا كان يلجأ إلى المشاورة فهُم أولى بها. ونجد في الآية الثانية النص على الشورى كإحدى الصفات المميزة للمؤمنين والمذكورة بين صفات أخرى يمتازون بها وواجبة فيهم: «الصلاة والزكاة». يلاحظ كذلك أن الشورى كصفة ذُكرت مباشرة بعد ذكر الصلاة للتأكيد على ضرورتها، هذا بالنسبة لثبوت النص على الشورى في القرآن. وأما ثبوت النص على الشورى في السنة فنقول ما يأتي: والسنة حجة على جميع المسلمين، وأصل من أصول تشريعهم، ودليل من الأدلة الشرعية التي يجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها. والسنة هي ما أثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير، وتشتمل السنة على نوعين من الأحكام: الأحكام البيانية المبينة لما ورد في القرآن الكريم، والأحكام المؤسسة التي وردت فيما لم ينزل به نص قرآني. أما بالنسبة لمبدأ الشورى فإن السنة الشريفة ليست مؤسسة له ابتداءً، بل جاءت مثبتة ومؤكدة لما ورد عنه في القرآن الكريم. وبالنسبة للسنة الفعلية فقد حفلت ممارسات الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالشورى: في غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الأحزاب وصلح الحديبية وبيعة الرضوان.

 أما بالنسبة للسنة القولية، فقد رُوي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث يأمر بالشورى والأخذ بها، ومن تلك الأحاديث:

(۱) - «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشَد أمرهم». النسفي ج ٤، ص ٢٦٦.

(۲) - «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار». القرطبي ج ٢ ص ١٤٩٣.

(۳) - «ما شقي عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي». المرجع نفسه.

(٤) - عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن العزم فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم». ابن كثير، ج ۱، ص ٤٢٠

بعد هذا كله لا بد من البحث في مدى وجوب الشورى على ولي الأمر، أي هل يكون اللجوء للشورى أمرًا واجبًا «فرضًا» أم مندوبًا؟ فإذا كانت الشورى أمرًا واجبًا «فرضًا» كان ولي الأمر والحاكم ملزمًا أن يأخذ بها، حيث إنه يرتكب إثمًا بتركها. أما إذا كانت مندوبة فإن لجوء ولي الأمر إليها يكون اختياريًّا لا يأثم بتركها ولا يخطئ.

في هذه القضية نجد أمامنا في الفقه الإسلامي رأيين: رأي يقول إن الأمر بالشورى للندب، والثاني يقول إنه للوجوب. وسنعرض حجج كل رأي منهما ونبين ما نراه أقرب إلى الترجيح في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

الرابط المختصر :