العنوان في الساحة العربية ماذا يمكن أن تقدم مصر للقضية الفلسطينية؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984
مشاهدات 93
نشر في العدد 652
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 03-يناير-1984
* هل عادت القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى جلباب الأنظمة العربية؟
* هل صحيح أن الشعب المصري متمسك باتفاقيات «كامب ديفيد»؟
إذا كانت فلسطين جزءًا من أرض الشام، فهي أقرب أجزاء الشام إلى مصر، وإذا كانت «العريش» أكبر مدن سيناء المصرية، فإن سكانها أقرب إلى أهل فلسطين في لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
وفي التاريخ القديم غزا الهكسوس مصر من فلسطين، وغزا تحتمس فلسطين من مصر. وفي التاريخ الإٍسلامي توجه المسلمون لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص بعد فتحهم لبلاد الشام، وفي العهد الأيوبي توجه صلاح الدين من مصر لتحرير بلاد الشام من الصليبيين، وفي عهد المماليك توجه قطز من مصر لحرب التتار وهزيمتهم في «عين جالوت»، وفي عام 1948م كانت كتائب المجاهدين من مصر في طليعة من قاتل لصد الهجمة الصهيونية على فلسطين.
مصر العربية المسلمة إذن مؤهلة وقادرة بثقلها السكاني والجغرافي والحضاري على أن تقود أمة العرب والمسلمين نحو الوحدة والتحرير والتقدم بالمفهوم الإسلامي، ليكون المسلمون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ (آل عمران: 110). هذه مسلمة من المسلمات التي لا يختلف عليها اثنان... ومصر الفرعونية المتوقعة، أو الاشتراكية التابعة، أو الليبرالية العملية مؤهلة أيضًا وقادرة على إحباط حركة النهوض الإسلامي والخلاص من الاستعمار والهيمنة والإذلال.
لذلك كان تركيز فرنسا أولًا في غزواتها على مصر والشام في عهد نابليون، ثم تركيز بريطانيا بعد ذلك لاحتلال مصر باسم الحماية، ومن ثم التنافس بين روسيا وأمريكا للهيمنة: على مصر الشعب عن طريق مصر النظام.
ولعل خضوع مصر للنفوذ الأجنبي يفسح المجال لاستقرار الكيان اليهودي الدخيل في فلسطين، بل وتوسعه فيما بعد. ولما كانت بريطانيا تعلم أن بقاءها في مصر دائم فقد عملت كل ما تستطيع لتثبيت اليهود في فلسطين قبل خروجها من مصر.
وفي الخمسينات، حلت أمريكا محل بريطانيا في «مصر الثورة»، وحلت فرنسا محل بريطانيا في فلسطين التي أصبحت تسمى «إسرائيل».
لقد كان السفير الأمريكي هو السفير الوحيد الذي سمح له «رجال الثورة» بالدخول على الملك فاروق قبيل رحيله، ثم جاءت المعونات الأمريكية النقدية والعينية –دولارات وقمح- أما في فلسطين فقد تدفقت طائرات المستير الفرنسية ومن بعدها الميراج.
ثم جاء دور الاتحاد السوفيتي ليمد جسوره إلى القاهرة عن طريق الخبراء والأسلحة، وليمد جسوره إلى إسرائيل عن طريق المهاجرين اليهود. كانت هناك شروط ألا تستخدم الأسلحة الروسية في مصر إلا للدفاع، وألا تتعدى الطائرات المصرية في طلعاتها منطقة «العريش» أي لا تقترب من الحدود الدولية بين مصر وفلسطين. وكانت بعض الدول الاشتراكية في أوربا -رومانيا والنمسا- محطات تجميع لليهود الروس القادمين إلى فلسطين المحتلة. ولما كانت مصر «الإسلامية» هي القادرة على القيام بالدور الإيجابي تجاه القضية الفلسطينية، فقد كان إحياء الإسلام في مصر بالنسبة للغرب والشرق على حد سواء غاية في الخطورة، ولذلك ضرب عبد الناصر الإسلاميين مرتين: الأولى في الخمسينات لإرضاء أمريكا، والثانية في الستينات لإرضاء الاتحاد السوفيتي بينما كان في زيارة لموسكو.
ولما جاء السادات كان يعلم مدى تغلغل الإسلام في نفوس الشعب المصري، فأراد أن يكسب الشعب بإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، فلما تحقق له ذلك وهم بالصلح مع إسرائيل أعاد الإسلاميين وغيرهم من المعارضين إلى السجون، فكانت خاتمته على يد المجاهد الشهيد خالد الإسلامبولي ورفاقه، رحمهم الله.
ثم جاء النظام الحالي الذي سار على طريق السادات منهجًا وعف عن الشتائم لسانًا، وحاول بعض السطحيين الإيحاء بأنه من فصيلة عبد الناصر على اعتبار أن عبد الناصر كان بطلًا!
والحقيقة أن رموز النظام المصري منذ ما سمي بثورة يوليو 1952 وحتى الآن هم من طينة واحدة وإن اختلفت ألوانها، فمعاداة الإسلاميين ما زالت قائمة، والولاء للدول الكبرى ما زال قائمًا، وصرف النظر عن تحرير فلسطين ما زال قائمًا، والاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين خرج من حيز النفوس إلى حيز الواقع الرسمي المحسوس.
لقد كان عبد الناصر ينكر أن تكون عنده خطة لتحرير فلسطين، وكان يطارد رجال العاصفة ويحاول احتواء حركة الشعب الفلسطيني باستدعاء الشقيري لإنشاء المنظمة، أو بدعم القوميين العرب للعمل تحت شعار «فوق الصفر وتحت التوريط» كما قال بسام أبو شريف مؤخرًا في مكتب منظمة التحرير بالكويت، ثم أعلن عن قبوله لمبادرة «روجرز» المتضمنة اعترافًا بإسرائيل، واستبعادًا للحل العسكري، وإسقاطًا للكيان الفلسطيني.
ولقد سار السادات «على طريق جمال» كما كان يقول وإن اختلف عنه في الأسلوب فوقع اتفاقية «كامب ديفيد»، وكان الشق المصري فيها ثمنًا للشق الفلسطيني؛ أي كان انسحاب إسرائيل من سيناء باستثناء «طابا» ثمنًا لما يسمى بالحكم الذاتي «الإداري» للسكان في الضفة والقطاع بحيث تكون «الأرض» جزءًا من «أرض إسرائيل». لقد وقع السادات على ذلك وهو لا يملك حق التنازل عن أرض فلسطين لليهود.
وجاء النظام الحالي الذي توج حكمه بإعدام الإسلامبولي ورفاقه تحت نظر «شارون» وسمعه. نعم، لقد حضر وزير الدفاع الإسرائيلي آنئذ «أرييل شارون» إلى مصر في نفس اليوم الذي أعلن فيه عن تنفيذ حكم الإعدام في قتلة السادات، فلماذا حضر هذا الشرير إلى مصر؟ أليس للاطمئنان على إعدام هؤلاء المجاهدين المسلمين فعلًا؟ هؤلاء الذين ما انفكوا من وراء القضبان يهتفون لفلسطين ويتوعدون اليهود ومن والاهم بالهلاك!
قمة بغداد
ولقد صدر عن قمة بغداد قرار بمقاطعة «مصر كامب ديفيد» حتى تعود عن هذا الكامب، وتمت المقاطعة رسميًّا؛ ولكن من الناحية الواقعية هل كانت هنالك مقاطعة؟ أم أن العلاقات في بعض الأحيان أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل؟
ثم خرجت دعوات بعودة مصر إلى العرب، أو عودة العرب إلى مصر، فهل تخلصت مصر من أوزار كامب ديفيد، أم أن العرب غيروا نظرتهم تجاه كامب ديفيد؟
يقول حسني مبارك في لقائه مع الصحفيين الكويتيين مؤخرًا: «يا جماعة، ربنا عرفوه بالعقل، كامب ديفيد فين؟» موحيًا بأن هذا الكامب أصبح في خبر كان من الناحية العملية، وحين يطلب منه إلغاء اتفاقيات كامب ديفيد والعودة إلى العرب يعتبر أن إلغاء هذه الاتفاقيات هو بمثابة العودة إلى «حالة الحرب» مع إسرائيل، وهذا أمر لا يمكن أن يطاق! بل هذا ما يريده اليهود في نظر مبارك! وهو يطالب عرفات بحكومة في المنفى، ثم يذكر أن الظروف التي لا تسمح بقيام هذه الحكومة في مصر، وهذه إشارة ضمنية إلى أن اتفاقيات كامب ديفيد لا تسمح بذلك، هذه الاتفاقيات التي يصر دائمًا على التمسك بها وأنه لا يمكن أن يلغيها إلا بناء على استفتاء الشعب المصري، والشعب المصري في نظره متمسك بهذه الاتفاقيات، فكيف يمكن لمصر حاليًا أن تسهم في حل القضية الفلسطينية؟
يقول مبارك: إن قرارات «فاس» لا يمكن تنفيذها، وأما مبادرة ريغان ففيها عناصر إيجابية وعلينا أن نتمسك بها، ثم يطلب من عرفات التنسيق مع الأردن وإيجاد حل للأوضاع العسكرية الفلسطينية، وهذه إشارة من طرف خفي إلى عدم جدوى الكفاح المسلح، وإلى عدم التمسك بالدولة الفلسطينية، وإلى حل منظمة التحرير الفلسطينية التي لا ترضى أمريكا ولا إسرائيل بها لا اسمًا ولا مضمونًا، والاقتصار على المساعي السياسية والدبلوماسية بالتعاون مع مصر والأردن وبمباركة أمريكية.
وبالطبع فإن الروس وبعض دول «الصمود» لا يرضيهم هذا في الظاهر؛ وإن كانوا قد أسهموا عمليًّا في الوصول إلى هذا في الباطن والواقع.
موسم الحصاد!
يقول ياسر عرفات: «إن هنالك مؤامرة دولية تشترك فيها بعض الأطراف العربية لإنشاء دول طوائف لصالح إسرائيل». ثم يقول: «إن معركة طرابلس كانت المعركة الأخيرة لتأكيد الممثل الشرعي والوحيد... إنني متفائل للغاية للمرحلة المقبلة. إنني أعلم ما أريد وما أفعل وما هو الذي سنأخذه». ويقول عرفات أيضًا: «إنني أرى القدس، أرى نهاية النفق المظلم، أرى موسم الحصاد قد حل.. أرى الآن وأنتظر الولادة الصعبة والتي بالطبع ستكون لنا نحن الشعب الفلسطيني.. أرى أننا سنحصد ما زرعناه طوال سنوات الحرمان، لقد بدأت المعركة السياسية وستكون أكثر شراسة وشدة».
قال هذا الكلام عشية خروجه من طرابلس، وكانت أول معاركه السياسية التقاءه بحسني مبارك واجتماعه به على انفراد لمدة ساعتين، فماذا دار في هذا الاجتماع؟ وماذا يمكن لمصر أن تقدم لعرفات وللقضية الفلسطينية في نهاية النفق المظلم الذي يتحدث عنه عرفات؟ وهل في إمكان مصر حسني مبارك أن تجبر إسرائيل بالتعاون مع أمريكا على الخروج من الضفة والقطاع وعلى إنشاء كيان فلسطيني مرتبط كونفدراليًّا مع الأردن كما يرغب عرفات؟ وإذا حصل هذا فهل تخلو الضفة ويخلو القطاع من المستوطنات والمستوطنين الصهاينة؟ وكيف يحصل هذا دون أن يوقع الفلسطينيون على صك الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن حقهم في بقية فلسطين لليهود؟ وهل يملك فرد أو منظمة أو جيل من الأجيال أن يوقع على صك كهذا؟ هل يمكن أن تتحقق نبوءة السادات بأن «قرار الحرب يخرج من مصر، وقرار السلام يخرج منها أيضًا»؟ هل يمكن أن تكون مصر أول من وقع اتفاقية الهدنة مع اليهود في رودس وأول من وقع اتفاقية الصلح مع اليهود في كامب ديفيد، وأول من استقبل عرفات بعد حرب الإبادة العربية في طرابلس بواجهة فلسطينية، ثم تكون أول من يسدل الستار على القضية الفلسطينية بأيدي فلسطينية وأنتم أيها المسلمون تنظرون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل