; فلسطين والإسلام | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين والإسلام

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1985

مشاهدات 100

نشر في العدد 710

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-مارس-1985

الحقيقة التي يجهلها كثير من الناس كما يقول أحد المراقبين الفلسطينيين المخضرمين هي أن الإسلام كعقيدة وفكرة كان المحرك والدافع لجميع الانتفاضات والثورات التي قام بها الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني منذ الربع الأول من هذا القرن وحتى هزيمة عام ١٩٦٧، فالثوار كانوا «مجاهدين» والثورة الكبرى عام ١٩٣٦ كانت ثورة «البراق» وكان العلماء وأئمة المساجد هم الذين يقودون المعارك أو يحرضون الناس على الجهاد، ولعل أوضح مثال على ذلك حركة الشيخ عز الدين القسام وإخوانه والحقيقة الأخرى التي غفل عنها الناس فيما بعد أو تغافلوا عنها هي أن إبعاد الإسلام عن ساحة المعركة في فلسطين كان الوسيلة الفعالة في مخططات العدو الصهيوني وأعوانه لتحقيق المشروع الصهيوني الاستيطاني في أرض فلسطين المقدسة.

خبث يهودي

وإذا كان الخبث اليهودي قد ارتأى أن يصور المعركة بيننا وبينهم على أنها صراع بين يهود وعرب، بين يهود لهم حق تاريخي في فلسطين كما يزعمون وبين عرب غير متحضرين، فإنه من المؤسف حقًا أن ينطلي هذا الخبث على بعضنا الأمر الذي سهل على اليهود وبعض أنظمة الحكم العربية إفراغ القضية من محتواها العقدي وبعدها الإسلامي وما يدعو أكثر للأسف أن الذين تولوا الثورة الفلسطينية فيما بعد ١٩٦٥ حرصوا هم كذلك على إبعاد الإسلام عن التربية والتوجيه والتعبئة الجماهيرية، بل وقام بعضهم بمحاربة التيار الإسلامي في صفوف الثورة.

ونحن لا نريد في هذا المقال أن ندخل في مناقشات غير ذات فائدة كما كان يحدث من قبل، فنحن نؤمن إيمانا قاطعًا أن الإسلام هو طريق فلسطين. ومصدر إيماننا هذا من ناحيتين:

الناحية الأولى: نابعة من إيماننا بديننا وسمو تعاليمه التي تعتبر الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام. 

والناحية الثانية: نابعة من فهمنا لتاريخ الصراع مع اليهود في العصر الحديث، وارتباط المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين بما عرف بالمسألة الشرقية، أي تفتيت العالم الإسلامي ونزع فتيل إيمان المسلمين بسمو رسالتهم تمهيدًا لاستعارة واقتسام خيراته من قبل قوى الاستعمار.

العدو يدرك الحقيقة

ولكن الذي نريد أن ننبه إليه هنا بشكل خاص، أن العدو الصهيوني ومن يقف وراءه من القوى الدولية يدركون هذه الحقيقة تمامًا وما زالوا يعملون على طمسها، لكن خوفهم منها يدفعهم للإفصاح عنها بين فترة وأخرى خاصة عندما تظهر بادرة على قوة الإسلام والمسلمين.

فلقد أعرب اليهود بشكل خاص عن تخوفهم من رفع راية الإسلام في وقت مبكر عبروا عنه بعد قيام دولة العدوان عندما كان الفدائيون يقومون بهجماتهم تحت شعار الله أكبر وعبروا عنه في معارك صور باهر والتبة الكبرى وغيرها. وعندها قال مسؤول كبير فيهم إن الفدائيين «وكانوا من المتطوعين من الإخوان المسلمين» أحرص على الموت منا على النجاة!

وبعد هزيمة عام ١٩٦٧ قال موشي دايان على غداء فقي قرية طوباس: «سيأتي يوم يقضى فيه على إسرائيل على أيدي المسلمين، ولكن ليسوا كمثلكم- وكان يوجه كلامه للحاضرين- نعم هذا صحيح ومكتوب في كتبنا المقدسة»

وفي شهر أغسطس ۱۹۸۱ قال أحد مدراء مخابرات إسرائيل السابقين لمجلة النيوزويك «لا أعتقد أن العرب بأوضاعهم الحالية يستطيعون أن يزيلوا إسرائيل من الوجود حتمًا مع وجود أسلحة جديدة ومتطورة، ولكن الأمر قد يصبح أكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل في المستقبل إذا نجح المسلمون المتعصبون في تغيير الأوضاع في الأقطار العربية لصالحهم، ولكننا نأمل أن أصدقاءنا الكثيرين سينجحون في القضاء على خطر المتعصبين المسلمين في الوقت المناسب»!!

ونظن أن أمر الرئيس كارتر بدراسة تعاظم خطر الحركة الإسلامية ووضعها قيد المراقبة ودفاع بيغن عن السادات عندما اعتقل المعارضة الإسلامية بشكل خاص، واستجابة النظام المصري لذلك، لهي أبلغ دليل على عظم الكيد ضد الإسلام والمسلمين.

الحكام أيضا يعلمون

والملفت للنظر أن الخوف من انتشار الوعي الإسلامي وتأصل الفكر السياسي الإسلامي والتعبير عن ذلك من قبل القوى المعادية لم يعد قاصرا على الأحداث الساخنة التي يشارك فيها المسلمون، بل أصبح وكما شاهدنا مؤخرا. مسوغًا للتعجيل في الاستجابة لمطالب أنظمة الحكم العربية المتهالكة على الحل السياسي والتفاوض مع الكيان الصهيوني، والملفت للنظر أيضًا أن التخوف من ظاهرة الصحوة الإسلامية التي يطلق عليها الإعلام المعادي «التطرف» أو التزمت أو التعصب الإسلامي لم يعد قاصرًا على الكيان الصهيوني والمعسكر الرأسمالي الغربي فحسب، بل أصبح هذا التخوف ورقة معلنة في أيدي معسكر «الاعتدال العربي» المتهالك على التسوية مع العدو اليهودي. 

فقد حذر الرئيس المصري حسني مبارك من أن عدم استجابة إدارة ريغان لمبادرته سيفتح الباب أمام الإرهاب من جديد، وأوضح لصحيفة الأوبزيرفر البريطانية قائلا: «لقد اختفى الفلسطينيون من هناك- لبنان- وبرز إلى حيز الوجود عامل جديد أكثر خطورة، فالظروف مواتية لأن يتعاون الفلسطينيون مع المسلمين المتطرفين».

وقريبًا من هذا قال وزير الخارجية الأردني طاهر المصري لليونايتدبرس أثناء زيارته لواشنطن في الأسبوع الماضي: «في غياب السلام فإن العنف يولد العنف مثلما يجري في لبنان».

مؤشرات خطيرة

ولكن هل هذا التخوف المشترك سيدفع الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية إلى الاستجابة لمطالب معسكر الاعتدال؟

مع أن الإجابة على هذا السؤال صعبة وغير واضحة في ضوء نتيجة زيارة مبارك لواشنطن الأسبوع قبل الماضي إلا أن هنالك مؤشرات تجعل المراقب يميل إلى أن هذه الأطراف ربما تلجأ إلى الإسراع في إجراء تسوية سياسية، لكنها ستكون بالتأكيد لصالح المطالب الصهيونية سواء في شكل التسوية أو حمل الزعماء العرب على معالجة ما يسمونه بالتزمت الإسلامي. 

من هذه المؤشرات ما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست كما نشر في جريدة السياسة الكويتية يوم ٦/٢/١٩٨٥، تقول الصحيفة «ويبدو الآن أن ركيزة السياسة الأميركية تعتمد على مفاهيم أصدق، فرجالها أخذوا يرون ويلمسون ارتباط التطرف الإسلامي والنزاع العربي الإسرائيلي وقضية فلسطين» وأن الخطر الناجم عن هذا الارتباط هو أن كلًا منهما يتفاعل مع الآخر.

وأضافت الصحيفة «أما عدم حل القضية الفلسطينية فلن يجعلها قنبلة موقوتة لتجديد النزاعات العربية الإسرائيلية فحسب، بل ومن شأنه أيضا أن يوقد نيران الأصولية الإسلامية عبر البلاد العربية كلها».

وفي معرض جس النبض عن مدى هذا الخطر سألت النيوزويك في عددها يوم ١١/٣/٨٤ حسني مبارك عن «مدى الخطر الذي يمثله انتشار التطرف الإسلامي» وعندما زار واشنطن سئل في نادي الصحافة الأميركية عن نفس الموضوع.

وذكرت بهذا الخطر صحيفة ريفوليسبون الفرنسية عندما نشرت ما وصفه مراسلها في جنوب لبنان من أن كلمة السر في المستوطنات اليهودية بجنوب لبنان كانت عبارة «أنهم المسلمون بسياراتهم الانتحارية». 

وعن المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان قالت صحيفة الفايننشال تايمز «إنه يعتبر عنصر مفاجأة وإنذار لإسرائيل، ولبعض الزعماء العرب المعتدلين، إذ اعتبر كمثال من الممكن أن يحتذي به الفلسطينيون في الضفة وقطاع غزة».

وإسرائيل تخشى هذا النوع من المقاومة الذي سماه رابين عندما زار صيدا «العدو الذي لديه استعداد كامل لتفجير نفسه وكأنه قنبلة بشرية، إذ إن تطرف هؤلاء لايعرف حدودًا».

ومما يزيد مخاوف الكيان الصهيوني هو الربط بين نوعية المقاومة في جنوب لبنان وظاهرة انتشار الأصولية الإسلامية في جميع أنحاء فلسطين المحتلة، خاصة وأن سلطات العدو قد اكتشفت عام ۱۹۸۰ خلايا أسرة الجهاد، كما حاكمت قبل شهرين عددًا من الشباب المتدينين في غزة بتهمة حيازة أسلحة ممنوعة على رأسهم الشيخ أحمد ياسين رئيس المجمع الإسلامي في غزة. 

ولا يخفى أن لفظة التطرف هي من ابتداع الإعلام الغربي المعادي الذي أملتها لتشويه ظاهرة الصحوة الإسلامية وقطع الطريق عليها، بتأليب أنظمة الحكم لضربها. والتطرف الذي يقصدونه ليس الغلو في الدين الذي وقعت فيه بعض الجماعات الإسلامية في مصر، وإنما المقصود به معارضة النفوذ الأميركي والصهيوني والمطالبة بالكيان السياسي الإسلامي.

الإسلام هو الطريق

ومن خلال عرض هذه الشواهد التي صاحبت الحركة المحمومة لمعسكر الاستسلام العربي نتأكد حقيقة أن الصراع بيننا وبين الكيان الصهيوني ومن ورائه من القوى الدولية إنما هي معركة وجود إسلامي، وأن الطريق لفلسطين هو الإسلام عقيدة وجهاد وحضارة.

فهل ندرك ذلك أم أن العد التنازلي الذي حكم نظرتنا إلى هذه المسألة سيظل مستمرًا؟

إن طريق فلسطين ليست في تقويض أحد أو مشاركة أحد بالاستسلام، وأن مغاليق قضية فلسطين لا تعالج بغير مفاتيحها وأن هذه المفاتيح لن تكون شيئا غير الإسلام في يوم عسى أن يكون قريبًا. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل