; فلسطين بين تآمر اليسار واليمين | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين بين تآمر اليسار واليمين

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

مشاهدات 76

نشر في العدد 639

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

• العرب الذين فرحوا لانتصار الحلفاء الصليبيين على دولة الخلافة الإسلامية لم يكونوا يعلمون...!

نحن لا نتجنى على «اليسار» حين نتهمه بالتآمر على فلسطين، كما أننا لا نبرئ «اليمين» من التآمر على فلسطين، فهو الأسبق والأدهى تجربة في هذا المضمار.

ونحن حين نقرر هذه الحقائق، نعتمد في ذلك على مجموعة من الأسس النظرية والعملية لكل من اليمين واليسار، لا يستطيعون هم بأي حال من الأحوال إنكارها وإن حاولوا تبريرها وتغليفها بشتى المبررات والأغلفة.

 ولما كانت «الكلمة» مسؤولية، ولما كان الوعي هو المقدمة الأولى للعمل الصحيح، فإننا مسؤولون عما نقول «والساكت عن الحق شيطان أخرس» كما أن توعية جيلنا الحاضر وخاصة الناشئين منهم أمانة في أعناقنا نُسأل عنها يوم يكون الحساب.

قضية فلسطين قضية إسلامية 

لقد قلنا أكثر من مرة إن قضية فلسطين قضية إسلامية، وإن تحرير فلسطين مسؤولية المسلمين جميعًا، وإن من يحاول أن يعمل من أجل فلسطين بمعزل عن الإسلام فعمله لا طائل من ورائه، وإن من يحاول عامدًا متعمدًا عزل قضية فلسطين عن قضية الإسلام -نعني قضية تطبيق الإسلام وإقامة الكيان الإسلامي- فهو متآمر على فلسطين والإسلام معًا. كما أن كل من يتبنى قضية الإسلام دون اعتبار قضية فلسطين جزءًا منها، وجزءًا مهمًّا قد يصل إلى مرتبة الجوهر من المظهر، فإن عمله مردود عليه، وخير له أن يستريح ويريح.

هذه الحقائق يحاول اليمين العالمي واليسار العالمي تغييبها عن أذهان المسلمين بوجه عام والفلسطينيين بوجه خاص؛ لهدف خبيث وبالغ الخطورة وهو بقاء «إسرائيل» إلى الأبد وتوسعها على حساب العرب والمسلمين، ثم إقامة دول للطوائف في ديار العرب والمسلمين تكون عاملًا مقويًا لهذه الإسرائيل، وعاملًا محبطًا لكل جهد بنَّاء من أجل إقامة الكيان الإسلامي الموحد وتحرير فلسطين.

هذه الحقائق يعلمها الكبار قبل الصغار من أعداء الإسلام أعداء فلسطين، ولذلك فهم ربما يختلفون على كل شيء إلا على هذا الأمر، وهو ضرورة عزل فلسطين عن الإسلام وعزل الإسلام عن فلسطين.

من التاريخ

حينما غزا الصليبيون بلاد الشام عمومًا وفلسطين خصوصًا لم يجدوا لهم شعارًا يقنعون به النصارى لمحاربة المسلمين غير الصليب، وكانوا يعلمون أن احتلال فلسطين هو تدمير للكيان الإسلامي.

وعندما أراد الصهاينة استعمار فلسطين رفعوا شعار إعادة بناء هيكل سليمان والعودة إلى «أرض الميعاد»؛ وذلك لإقناع اليهود بالمغامرة من أجل إقامة دولة «إسرائيل» على أنقاض فلسطين. ولكنهم وجدوا من المستحيل تحقيق أهدافهم ما دام هناك كيان إسلامي هو «الخلافة»، فعملوا أولًا على تقويض هذه الخلافة توطئة لاستعمار فلسطين وهكذا كان، وقصة زعيم اليهود هرتزل مع السلطان عبد الحميد معروفة تمامًا.

وعندما دخل الجنرال «غورو» القدس بعد هزيمة دولة الخلافة التي تسمى في بعض كتبنا المدرسية «الاستعمار التركي» قال: «الآن انتهت الحروب الصليبية». فكشفت هذه العبارة عن حقد صليبي دفين، وعن تعاون يهودي نصراني لعين، وعن جهل عربي مشين.

هذا الحقد الصليبي ظهر مرة أخرى على لسان «غورو» عندما وصل إلى دمشق فركل قبر صلاح الدين وقال: «ها قد عدنا يا صلاح الدين». ولكن العرب الجهلاء الذين فرحوا لانتصار الحلفاء على الأتراك لم يكونوا يعلمون وهم يقاتلون في صفوف الصليبيين ضد المسلمين أنهم يرتكبون جريمة شنعاء في حق دينهم ووطنهم وأنفسهم.

 وبدأت الأمور بعد ذلك تتكشف حين تدفق اليهود على فلسطين في ظل الانتداب الصليبي البريطاني، وقامت دولة الصليبيين الكتائبيين في لبنان في ظل الاحتلال الفرنسي أول مرة، وفي ظل الاحتلال الصهيوني ثاني مرة، وفي ظل القوات الصليبية متعددة الجنسيات هذه الأيام.

ولما كان بقاء إسرائيل وغياب الإسلام عن واقع الحياة أمرين متلازمين، فقد حرص اليمين العالمي على عزل الإسلام عن المسلمين، فأنشأ الأحزاب العلمانية لتقوم بالدور نيابة عنه بعد أن ترحل جيوشه وهكذا كان.

نشأت أحزاب في ديار العرب والمسلمين في ظل الاحتلال الإنجليزي والفرنسي لتقوم بالمهمة إياها بعد أن يرحل الإنجليز والفرنسيون، ولا مانع من أن ترفع هذه الأحزاب شعارات «ثورية»، ولا مانع من أن يتبنى بعض الحكام العرب والمسلمين شعارات يرددها الدهماء والغوغاء والمنتفعون والمنحلون والمخدوعون، تنادي بالوحدة العربية مرة والوحدة الوطنية مرة أخرى، وبتحرير فلسطين مرة وبتصفية آثار العدوان مرة أخرى، وبالعدالة الاجتماعية والاشتراكية إلى آخر هذه المعزوفة التي لحنها اليمين وعزفها اليسار وتغنى بها البُلهاء والعملاء وأعداء الإسلام، أعداء فلسطين.

تحالفات وزيارات سرية

وعُقدت التحالفات السرية بين الكبار وانعكس هذا على الصغار وصرنا نسمع عمن يزور موسكو علنًا وواشنطن سرًّا أو العكس. وتعودنا على ضرب كل تحرك إسلامي حقيقي لدى الجماهير يعقبه غزو إسرائيلي «ناجح». حدث هذا في مصر عبد الناصر مرتين، كانت الأولى قبل «العدوان الثلاثي» عام ١٩٥٦م وكانت الثانية قبل «النكسة» عام ١٩٦٧م. ثم كانت الضربة الثالثة للإسلاميين في مصر في عهد السادات، ليتم بعد ذلك «الصلح مع إسرائيل» الذي يسمى السلام!

 لبس «الرئيس المؤمن محمد أنور السادات» رداء الدين للحصول على الشعبية اللازمة، واصطحب شيخًا من مشايخ الأزهر للتوقيع على معاهدة الصلح مع اليهود في كامب ديفيد، ثم أعلن بعد ذلك أن «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين» وذلك عندما تحركت الجماهير في مصر لإقامة دولة الإسلام والقضاء على الكيان اليهودي الدخيل.

وإذا كانت المسحة الدينية الخادعة هي التي مكنت للسادات في مصر فإن معاداته للإسلام والمسلمين هي التي قتلته. وليس سرًّا بعد ذلك أن شارون ذهب إلى القاهرة في نفس اليوم الذي أعدم فيه الشهيد خالد الإسلامبولي ورفاقه؛ ليطمئن الصهيوني المجرم على أعدام رمز الإسلام الذي هو رمز العداء للصهيونية.

وليس صدفة أن يكون غزو اليهود للبنان بعد ضرب الإسلاميين في سوريا، كما أن ضرب الفلسطينيين الآن في لبنان يعني أن على الإسلاميين أن يستعدوا لمعركة شرسة مع أولئك الذين يطاردون الفلسطينيين ويحاولون تجريدهم من السلاح.

ولقد سبق أن قلنا إن هناك اتفاقًا مع الأمريكان على الانتهاء من تصفية الثورة الفلسطينية في مدة أقصاها شهر أيلول «سبتمبر» الحالي، مقابل المساعدة في القضاء على المعارضة الإسلامية العنيدة في سوريا وتثبيت الحكم الطائفي المعادي للإسلام، ولما كان هذا هدفًا مشتركًا بين اليمين الدولي واليسار الدولي فقد أصبح هذا هدفًا مشتركًا أيضًا بين اليمين المحلي واليسار المحلي باعتبارهما معاديين للإسلام ولفلسطين معًا.

تحالف اليسار واليمين

وهكذا انقضت شرذمة من اليسار الفلسطيني المغامر على حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»؛ باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية مدعومة بمن يأخذ السلاح من موسكو والمال من واشنطن، ولم يكن في مقدورها أن تفعل شيئًا بمعزل عن الدعم الثنائي!

وفي نفس الوقت نجد اليسار الفلسطيني في أرضنا المحتلة يتحالف مع الصليب اليميني ضد الإسلاميين باسم «الجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة» التي تضم أعدادًا من الشيوعيين والنصارى والمنحلين من أتباع أمريكا، والنفعيين والعلمانيين الذين يزعمون أنهم أنصار منظمة التحرير الفلسطينية. ونحن نعرف أسماء هذا التجمع اللاإسلامي واللافلسطيني معًا. إذ كيف يتفق أن يكون الصليبي والشيوعي والأمريكي والعلماني متآمرًا على الثورة الفلسطينية في لبنان ونصيرًا لهذه الثورة في فلسطين؟ كيف يحاول القضاء على هذه الثورة في الخارج، ويحاول القضاء على التيار الإسلامي في الداخل، ويزعم بعد ذلك أنه معادٍ لإسرائيل وهو لم يقذف على جنود العدو غير منشورات ساقطة وصحف حمراء تعلم إسرائيل حق العلم أنها تخدم أهدافها، وإلا فلماذا لا تصادرها وتعتقل من يوزعها؟

هل هؤلاء إسلاميون؟!

والأمر الملفت للنظر أن حفنة من الأفراد في الأرض المحتلة -نحجم عن ذكر أسمائهم- يزعمون أنهم جماعة إسلامية «ثورية» وهم معجبون بالثورة الإيرانية، وفي نفس الوقت يتحالفون مع الصليبيين والشيوعيين والعلمانيين؛ هؤلاء الذين ضربوا في إيران بعد الثورة، فكيف يستقيم ذلك؟ كيف يتحالف إسلامي مع أعداء الإسلام ضد الإسلاميين؟! ويزعم هؤلاء أنهم أنصار منظمة التحرير، تمامًا مثل جماعة أبو موسى الذين كانوا حصان طروادة لذبح العمل الفلسطيني باسم الغيرة عليه، ولتدميره باسم تصحيحه، والشواهد على ذلك ماثلة للعيان في بقاع لبنان والهرمل وطرابلس، وما هو مبيت أخطر مما هو واقع.

تساؤلات

أليس غريبًا أن يضرب الإسلاميون في فلسطين المحتلة جذورهم في الأرض عميقة ومتشعبة رغم كل محاولات الفساد والإفساد، ولا يستطيع الإسلاميون ذلك في كثير من ديار العرب والمسلمين؟

أليس غريبًا أن يستطيع الإسلامي في دول الغرب الصليبي أن يتنفس ريح الإسلام صافية رغم رياح السموم والفجور والانحلال، ولا يستطيع ذلك في كثير من ديار العرب والمسلمين؟ أمَا آن لهذه الأمة أن ترعوي، حكامًا ومحكومين أفرادًا وجماعات؟

أما آن للعمل الفلسطيني أن يترسم خطى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وأن ينهج نهج خالد وقطز وصلاح الدين وعز الدين القسام؟ 

أما آن للعمل الإسلامي أن يصل إلى مرتبة الجهاد لإقامة دولة الإسلام في الأرض وتحرير فلسطين من براثن اليهودية العالمية؟

الحل

لماذا يدرك أعداء الإسلام هذه الحقائق ويظل المسلمون غافلين عنها؟ إننا نقول بكل وضوح وصراحة:

• لا بد من إسلامية العمل الفلسطيني.

• لا بد من جهادية العمل الإسلامي.

• لا بد من سرية العمل الفلسطيني الإسلامي.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل