; فقه الموازنات «تطبيقات دعوية» (1 من 3) بين الكم والكيف | مجلة المجتمع

العنوان فقه الموازنات «تطبيقات دعوية» (1 من 3) بين الكم والكيف

الكاتب عصام عبدالمحسن الحميدان

تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002

مشاهدات 82

نشر في العدد 1515

نشر في الصفحة 66

السبت 24-أغسطس-2002

هذه مقالات، الهدف منها توجيه المسلم إلى المنهج السني الوسط بين الغلو والتفلت، فإن الدين الحق وسط «بين الغالي فيه، والجافي عنه»، كما قال شيخ الإسلام ابن تميمة – رحمة الله – وهو يستند في هذا التقرير إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَٰكُم أُمَّة وَسَطا﴾ (البقرة: 143)، وقوله سبحانه : ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَم يُسرِفُواْ وَلَم يَقتُرُواْ وَكَانَ بَينَ ذَٰلِكَ قَوَاما﴾. (الفرقان: 67).

الناظر في سلوكيات وأدبيات عموم المسلمين وخواصهم يجدهم تحت جذب تيارين أو مدرستين: مدرسة الكم، ومدرسة الكيف، فلتق نظرة على خصائص المدرستين: 

مدرسة الكم: 

أظهر خصائصها أنها تهتم بالعدد والمقدار، فالكثير هو الجيد والقليل هو الرديء، فالمهم عندها هو عدد الأفراد وكثرتهم، وعدد الركعات التي يصليها الفرد. وعدد الختمات التي يقرؤها ... وهكذا.

وتعتمد في هذا السلوك على بعض الأحاديث النبوية مثل قوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن من قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» (رواه أبوداود وإسناده حسن).

وقول الصحابة- رضي الله عنهم - «إذا نكثر» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله أكثر» وتمنيه صلى الله عليه وسلم كثرة عدد أفراد أمته يوم القيامة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَىٰ﴾ (الضحى: 5) (رواه الحاكم وصححه ووافقه ابن كثير في تفسيره) وما ورد عن السلف الصالح من التنافس في الإكثار من العبادة.

ومن خصائصها: السرعة في الأداء ولو على حساب الإتقان، وذلك لاكتساب أكبر عدد ممكن في أقصر وقت فالمهم عندها أن يدخل الناس في الدين بسرعة، وفي أقرب وقت، وأن تنجز الدراسات والأبحاث بسرعة، وأن يصلح المجتمع بسرعة. 

وتعتمد في هذا السلوك على اغتنام الزمان قبل أن ينقضي أو يحل الأجل، وهو ما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال... هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو موتًا مجهزًا، أو هرمًا مفندًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» (رواه الترمذي والنسائي).

ومن خصائصها: الأسلوب الدعائي والاستقطاب الجماهيري، لأن الوسائل لا بد أن تسخر كلها للكثرة العددية، فالمهم عندها أن تنشر الفكرة والمشروع بشكل كبير، وأن تغزو أفكارها جميع الوسائل الإعلامية، وأن تستحوذ على جميع المؤسسات والهيئات. وتعتمد في هذا على بعض الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه مسلم في صحيحه). 

مدرسة الكيف: 

وأظهر خصائصها: أنها تهتم بالكيف والتعليل والعناية في الأداء، فالمتقن هو الجيد، وغير المتقن هو الرديء، فالمهم عندها نوعية الأفراد، وكيفية أداء الصلاة والخشوع في تلاوة القرآن ... وهكذا. 

وهي تعتمد في هذا على مثل قوله سبحانه ﴿وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيـٔا﴾ (التوبة: ٢٥)، وقوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَة قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَة كَثِيرَةَ بِإِذنِ ٱللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩)، وقوله تعالى: ﴿قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون:1-2)، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تهدوه - القرآن - هد الشعر، ولا تنثروه  نثر الدقل -التمر الجاف- .. قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة»، وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل لينصرف من صلاته لم يكتب له إلا ربعها، أو خمسها إلا سدسها حتى قال إلا عشرها» (رواه أبو داود وإسناده صحيح). 

ومن خصائصها: البطء في التنفيذ، لأن الإتقان يحتاج إلى عامل الزمن، وتعتمد في هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم عنه قضى في مكة ثلاث عشرة سنة يؤسس العقيدة الإسلامية ولم تفرض أكثر التشريعات إلا في المدينة، وذلك ليتأكد من البناء الإيماني لأتباعه. 

والقرآن الكريم حكى قصة موسى -عليه السلام- مع قومه، وأنه لما عجل في القدوم على ربه سبحانه، ثم رجع إليهم وجدهم يعبدون العجل من دون الله. 

ومن خصائصها: قلة الأفراد، فالتربية المتقنة لا يصبر عليها إلا الأشداء من الرجال، وينقشع أكثر الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم «تجدون الناس كإبل مائة لا يوجد فيه راحلة» (رواه البخاري ومسلم)، والراحلة كناية عن الذي يصلح للحمل ويقوى على طول الطريق.

تقييم وموازنة:

من خلال العرض المتقدم، نجد أن مدرسة الكيف تتميز على مدرسة الكم بأنها أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية التي تأمر بالأناة والإتقان، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله تعالى يحب الأناة في قوله لأشج عبد القيس -واسمه المنذر بن عائذ: «إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» (رواه مسلم في صحيحه)

وبين أن الله تعالى يحب الإتقان في قوله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (رواه البيهقي في الشُّعب وإسناده حسن).

 فحسبك أمران يحبهما الله سبحانه.

 وأما الأحاديث التي استدلت بها مدرسة الكم فتحمل على أحوال خاصة لا على أصل المنهج، وبعض الأحاديث يمكن أن يجمع بينها وبين الكيف، فتكون الصلوات كثيرة وخاشعة والقراءة طويلة وواعية. 

(*) جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران.

الرابط المختصر :