; نقوش على جدار الدعوة- عقبات التحول إلى الجماهيرية «٢من ٢» | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة- عقبات التحول إلى الجماهيرية «٢من ٢»

الكاتب جاسم بن محمد مهلهل

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

في الحقيقة إن أي شيء من هذا القبيل هو بعد عن الإسلام نفسه- إلا إذا كان من قبيل الظروف القاهرة- وعند ظهور الحركة الإسلامية كحركة نخبة وصفوة غير جماهيرية، فإن ذلك يقلل من تواجدها الدعوي العام، وقد يكون السبب في التركيز النخبوي في فترة من الفترات هو الواقع الذي تعيشه الحركة، ويشير إلى ذلك الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- بقوله: «وقد قتل البنا، وعبد القادر عودة، وسيد قطب، وهناك عشرات من الإخوان الذين قتلوا في صمت، ورميت جثثهم في رحاب السجون، أو سلمت لأهلهم مع الاحتقار المناسب، والغريب أن الذين فعلوا ذلك لم يوجه إليهم اللوم»([1])، فلم تعرف الحركة في تلك المرحلة إلا التنكيل والسجن، وملاحقة المشتبه بهم، وهذا ما أدى إلى ضمور النشاط العام، بل والخاص للحركة.

فعصر المحنة هذا أثر على نمو الحركة الإسلامية، التي باتت تتصل بالجماهير بحذر مخافة الملاحقات والمضايقات التي واكبت نموها تاريخيًا، ولم يزل حتى الآن، وهذا ما يفسر لنا وضع الحركة الإسلامية العارمة نهاية السبعينيات، بعد أن تنفست الحركة الإسلامية الصعداء قليلًا، وانطلقت بعدها لتتعدى أماكن حضور الجو الإسلامي العام، كالأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والمجمعات الفقهية في المملكة العربية السعودية.. تعدت كل ذلك إلى عمق المجتمع على مستوى الحوار الفكري، والبعد الاجتماعي، والمشاركة السياسية، والبناء التربوي، حتى أصبحت الحركة الإسلامية تعيش حالة الجماهيرية شبه المطبقة، وذلك إيمانًا منها بأن «الابتعاد عن الجماهير فيه تقصير في مفهوم التكليف ومناطه، وعن طبيعة الخطاب القرآني وتوجيهاته، فالقرآن العظيم خطاب للناس جميعًا، وللغافلين ليتنبهوا، وللضالين ليهتدوا، والكافرين ليزدادوا إيمانًا»([2])، واهتمت الحركة بالبعد الاجتماعي كأساس للاستقطاب الجماهيري، فعملت من خلال وحي الإسلام على رعاية المستضعفين، ومساعدة الفقراء والأيتام، ونشر العادات الاجتماعية الإسلامية، من صلة رحم، وذوي القربى، والتسامح، والمحبة بين جميع الناس، ذلك أن مفكري الحركة الإسلامية ونقادها أيقنوا بأنه «إذا أرادت الصحوة الإسلامية أن تحتفظ بجماهيرها العريضة، فعليها أن تتنبه مستقبلاً إلى أهمية تأكيد البعد الاجتماعي للإسلام، وما يترتب عليه من وجوب الانحياز الدائم للجماهير المستضعفة المظلومة في أرجاء العالم الإسلامي»([3]).

إن الاهتمام بالشأن الاجتماعي يحقق- بلا شك- مشاركة واسعة من الجماهير العريضة للأمة، وهو ما نحتاجه لإبراز مزايا الإسلام بهذا الأسلوب الأقرب لتعطش الناس، حيث يكون الخطاب الميداني أبلغ وأعم من الطرح النظري، ولا يخفى علينا أنه في حقبة زمنية منصرمة كان اليسار الشيوعي يستأثر تقريبًا بقيادة الحركة الشعبية، بينما كانت الحركة الإسلامية برموزها وكوادرها في غياهب السجون في بعض الدول، وملاحقة في دول أخرى، وهذا ما يستدعي استنهاض وتكوين أدبيات جديدة بعيدة عن فترة الملاحقة والسجون، ولو أن هذه الفترة لا تزال مستمرة، إلا أن الفارق يتجلى في كون المد الإسلامي كبيرًا وكبيرًا جدًا، وإن الحركة الإسلامية تحولت إلى تيارات شعبية، لم يعد بإمكان أي نظام أن يضع يده عليها أو يستأصل جذورها، والحركة الإسلامية رغم الظروف الصعبة المضيقة عليها، فهي تمتد من البعد الاجتماعي لجهة البعد السياسي الأكثر تأثيرًا، فالعمل السياسي بطبيعته أكثر اتصالاً مع الجماهير، وأقدر في الوقوف على آرائهم وانطباعاتهم والتأثير عليهم، وهو بدوره يسعى لمعالجة أوضاع الناس، أضف إلى ذلك تحول العمل السياسي إلى عمل خدماتي في العديد من مراحله، وما لذلك من أهمية وقابلية عند الجماهير، فالعمل السياسي مهم جدًا للحركة الإسلامية للإمساك بالصحوة، وفرض قدرها في المجتمع والمعادلات السياسية، «إن الصحوة الإسلامية لكي تحقق أكبر قدر ممكن من الفاعلية في المستقبل، عليها أن تتأصل وتتأهب وتتجذر سياسيًا، ولا يمكن أن يكون للصحوة الإسلامية أي مكانة فعلية لدى أصحاب القرار السياسي من دون انخراطها في العمل السياسي والتحرك في ساحته»([4])..

([1]) محمد الغزالي، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، ۱۹۸۷م، ص ۱۰۰.

([2]) طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا– الولايات المتحدة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض ط٢، ۱۹۹۲م، ص ٧٥.

([3]) عبد الله النفيسي، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ص ۳۲۷، ۳۲۸.

([4]) عبد الله النفيسي، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ص ۳۲۷، ۳۲۸.

الرابط المختصر :