; فقه الحسبة | مجلة المجتمع

العنوان فقه الحسبة

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978

مشاهدات 45

نشر في العدد 411

نشر في الصفحة 46

الأحد 10-سبتمبر-1978

 

سبق أن ذكرنا في الجزء الأول ثلاثة شروط تلزم القائم بالحسبة وهي محل اتفاق بين العلماء وهناك شرطان جاء فيهما الخلاف، وهما على التفصيل:

1– العدالة وتعد شرطًا رابعًا للمحتسب أو المسلم الناصح ويرى بعض العلماء بأنه لا بد للآمر بالمعروف أن يكون عدلًا غير فاسق، وبرهانهم قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 44) .... الآية، الا أن الرأي الراجح لدى الفقهاء: أن للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنه لا يشترط في الناصح أن يكون معصومًا عن المعاصي كلها لأن في اشتراطه سدًّا لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال سعيد بن جبير إن لم يأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء.

 ٢– الإذن ويُعد شرطًا خاصًّا للناصح ويشترط بعض الفقهاء فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يأذن له ولاة الأمر وحجتهم أن الإمام أو الحاكم يستطيع اختيار من يحسن القيام بهذه الوظيفة –أي الحسبة– 

لكن جمهرة الفقهاء على خلاف هذا الرأي أو لا يشترط إذن شخص أو هيئة، وإن تخصيص أناس من قبل الإمام لأداء هذه الوظيفة لا يمنع غيرهم باعتبار أن التناصح أمر عام بين المسلمين وهذا هو الرأي الراجح، والذين يشترطون الإذن يقصدون تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تحريمه على من لم يؤذن له.

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 وليس للأمر بالمعروف شروط خاصة ولا أوقات خاصة لأن الأمر بالمعروف نصيحة وإرشاد، وكل ذلك جائز في كل وقت وفي كل مناسبة، أما النهي عن المنكر فله شروط خاصة يجب توافرها لجواز النهي أو التغيير وهي حسب الترتيب التالي:

 1– وجود منكر بمعنى أن يكون معلومًا وهو كل معصية حرمتها الشريعة ولا شرط أن يكون فاعل المنكر مكلفًا أو غير مكلف، فمن رأی صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه منعه.

٢- أن يكون موجودًا في الحال: بمعنى أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشرًا لها وقت النهي أو التغيير كشربه الخمر، فإذا فرغ من المعصية فليس ثمة مكان للنهي عن المنكر، وإنما هناك محل للعقاب وهو شأن السلطات العامة وليس للأفراد، وإذا كانت المعصية متوقعة الحصول كمن يعد المجلس لشرب الخمر فليس على مثله إلا الوعظ والنصح.

٣- أن يكون ظاهرًا دون تجسس أو تفتيش: إذا يشترط لتغيير المنكر أن يكون ظاهرًا بغير تجسس فإذا لم يكن إلا به سقط وجوب النهي؛ لأن الله حرم التجسس في قوله سبحانه: ولا تجسسوا ... الآية، ولأن للبيوت والأشخاص حرمة لا يجوز انتهاكها وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بقوله: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم..» الحديث– وهناك روايات عن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- تبين بوضوح النهي عن التجسس.

٤- وقع المنكر بأيسر ما يندفع به: وهذا يعني اتخاذ الوسائل المناسبة للدفع بحيث إذا كان يدفع باللسان فلا حاجة الى اليد وهذا الأمر يختلف من شخص لآخر.

وسائل دفع المنكر 

وحصرها بعض الفقهاء في سبع وسائل وهي:

 1– التعريف: قد يقدم الشخص على المنكر، وهو لا يعرفه فالوسيلة الصالحة هي تعريفه ونصحه.

 ٢– النهى بالوعظ والنصح: ويوجه إلى من يقوم على المنكر وهو عالم به لكنه لو نصح بلطف يتوب.

 ٣- التعنيف: وذلك إذا لم ينفع اللين واللطف ويوجه إلى المستهزئ ويشترط فيه أن يكون التوجيه عنيفًا إلا عند الضرورة أي بالعجز أن تكون النصيحة بلطف.. وثانيًا أن يكون التوجيه العنيف صادقًا ولا يسترسل الناصح فيه إلا بقدر الحاجة. 

٤- التغيير باليد: نحو كسر الملاهي وخلع الحرير من رأس العاصي وعن بدنه ويكون في المعاصي ذات الطابع المادي أما معاصي اللسان والقلب فتغير بالنصح.

5- التهديد بالضرب والقتل: وينبغي أن يسبق بالضرب كلما أمكن ويشترط في التهديد أن يكون ممكن التحقيق والا كان كذبًا إذ يجوز له أن يهدد بقوله: لأجلدنك ، لأكسرن رأسك وما أشبه .

6- الضرب والقتل: ويجوز عند الضرورة، وأن لا يزيد على مقدار الحاجة في الضرب فإذا لم يندفع فله أن يشهر عليه السلاح مثلًا لو قبض فاسق على امرأة وبينه وبين الدافع - الناصح المحتسب- نهر حائل، فيشهر عليه السلاح ويقول له خلّ عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرمي وينبغي أن لا يقصد القتل بل الساق والفخذ وما أشبه.

7- الاستعانة بالغير: وهو حال عجزه فلا مانع من الاستعانة بأعوان يدفعون عنه المنكر..

 تلك الوسائل السابقة تستعمل في حق الكافة عدا أشخاص لا يجوز أن تستعمل معهم وإن جاء استعمال بعضها وهؤلاء هم: الوالدون والزوج والحاكم، فوسائل رد المنكر معهم لا يكون إلا بالنصح والوعظ والتعريف:

آداب المحتسب: تلك الآداب عبارة عن موازين لشخصية المسلم في مجال قيامه بدعوة الخير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تلك الآداب الحميدة:

١– أن يكون من شيمته العمل بعلمه ولا يكون ممن قال الله تعالى فيهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا..الآية.

 ٢- يكون حسن الخلق رحب الصدر، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159)

وهكذا يكون رفيقا في نصحه وأمره ونهيه.

٣- أن يقصد بقوله وفعله وجه الله سبحانه، فلا يبالي بسخط الناس أو رضائهم عليه، أو إعجابهم به.

4 – أن يتحلى بالصبر على ما يصيبه من الأذى.

 5- أن يكون مواظبًا على سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر ونظافة الثياب.. إلخ، وعلى الجملة، متحليًا بالمستحبات الشرعية.

 الحسبة في واقع اليوم: ما ذكرناه يعتبر خطوطًا عريضة في هذا الموضوع الواسع العميق وقد تم التركيز على الأساس في موضوع الحسبة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأفادنا في أهميته البالغة في الحياة والآخرة لما له من ثمرة الأجر والثواب وانه عماد الأمن في المجتمع حيث يسير في درب الإسلام الصحيح وطاعة الله سبحانه في كافة تصرفاته ومعاملاته المادية والمعنوية السلوكية، فإذا ما نظرنا له في واقعنا الحاضر نجد له أثرًا من البقاء في الوظائف التي يكون من واجباتها مراقبة السلع والأغذية واللحوم سوى أننا نفتقده في كثير من المعاملات.. وعليه فلا أقل من أن- فهو واجب كل مسلم -أن يتحرى المسلم أمور دينه ويدعو على بصيرة- اتباعًا لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، ويسترشد مع أهل الخير في دفع الباطل. فالكتل الجبلية لا تواجه بحصى متناثر وإنما تحتاج الى رادع أقوى منها وهذا ما يجب أن يعيه المسلم متحليًا بصفات المحتسب الداعي إلى الله سبحانه.. وبالله التوفيق والسداد.

الرابط المختصر :