العنوان فقة الاعتراض
الكاتب عابدة المؤيد العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
جعل ديننا لكل أمر آدابًا معينة، وهي مفصلة في الكتب، منها ما علمنا إياها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر، ومنها ما استنبطه العلماء الأجلاء من القرآن والسنة ومن هدي الصحابة.. أفلا يكون للاعتراض أيضًا آداب خاصة؟
إليكم بعض الآداب التي جمعتها من هنا وهناك:
۱ - للعلماء في الإسلام هيبة ومكانة واحترام؛ ولذلك ينبغي ألا يكون الاعتراض على أقوالهم إلا بأدب وتواضع، وألا يكون إلا برفق ولين.
٢ - وينبغي أن يعطي المتلقي الذي يريد الاعتراض سمعه للفقيه، وأن يفهم كلامه جيدًا قبل أن يعترض عليه، وأن يكون حاضر القلب منصتًا تمام الإنصات، فلعل الفقيه قد جعل لفتواه شروطًا، أو قدم لها دليلاً قويًّا.
3 - والمفروض أن يكون «الاعتراض» للسؤال والاستفسار، أو للمناقشة المتزنة التي تسعى إلى تمحيص النصوص، ولمعرفة الدليل الأقوى. والمتوقع أن يكون الهدف النهائي من «الاعتراض» الوصول إلى الحق لا المراء والجدال، ولكن هذا لا يبدو اليوم في مناقشة المعترضين، فهم يتكلمون ليقنعوا الفقيه بالرأي الذي ارتاحوا له وعملوا به لا ليسمعوا اجتهاده ويعرفوا دليله.
4 - وينبغي أن يدرك من يريد الاعتراض أن عقوبة التحريم شديدة، وأن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام، ومن أجل هذا يجب عليه أن يعرف ما معنى «حرام»، وما هو الحرام، يقول جدي علي الطنطاوي - يرحمه الله -: «الحرام عند الحنفية هو الأمر الذي ثبت النهي عنه بدليل قطعي الورود قطعي الدلالة، وهو الآية المحكمة التي تدل على النهي دلالة محققة، والحديث المتواتر أو الذي تلقته الأمة بالقبول، وكانت دلالته على التحريم محققة، وما أجمع المسلمون الإجماع الصحيح على تحريمه، وما ثبتت حرمته بالقياس الصحيح[1]
فالمحرمات بهذا التعريف قليلة محدودة، وفقهاء المذاهب والسلف الصالح- رغم اختلافهم- اتفقوا على ثلة من الأحكام، فأجمعوا على حرمتها، وهذه المحرمات المجمع عليها لم يتعرض لها علماء الأمة الميسِّرون - وحاشاهم أن يفعلوا - لأن الإجماع كما نعلم هو المصدر الثالث للتشريع، فلا يصح إذن الإنكار على الفقهاء الميسرين إلا إذا مسوا المسائل المجمع على حرمتها بغير وجه حق.
5 - كما لا يصح أن يستند المعترض إلى دليل واحد حفظه ولم يدر ما سبب نزوله، ولم يدرك المعنى المراد منه، ولم يتأكد حتى من صحته... فهلا تكرم المعترضون بقراءة شيء من أقوال الفقهاء والعلماء عن الموضوع المطروح قبل أن يدلوا باعتراضاتهم، وهلا تكرموا بقراءة تفسير الآية التي يودون الاستشهاد بها قبل التصريح بها، أو سألوا عن مناسبة الحديث قبل الاحتجاج به؟ لأننا - بصراحة - قد لمسنا تسرعًا من بعض المعترضين، كما تبين لنا جهل بعضهم بجانب مهم من أمور هذا الدين، من مثل القاعدة الشرعية التي تقول: «تتغير الأحكام بتغيير الأزمان» ولذلك قد يتغير بعض الفتاوى لأن الفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف يقبل التغير والتطور بحسب البيئات والحاجات.
٦- ولا يستحب أيضًا أن يصر المعترض على بحث الأمور الخلافية ومناقشتها للوصول إلى رأي واحد، لأن الصواب يتعدد، ولأجل ذلك اختلف الفقهاء في أحكام كثيرة، فبعض النصوص قطعي الثبوت، ظني الدلالة ... والفقه له أصول وقواعد ينبغي دراستها قبل إصدار الأحكام، من ناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيد .... والاجتهاد يستند أيضًا إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيره مما يعلمه أهل الإفتاء، والمعترضون يجهلون هذه التفاصيل، فمن أجل ذلك يرون الأمر بسيطًا. وهم يريدون أن يلغوا الاختلاف، وأن يجعلوا الناس أمة واحدة ... ولماذا يريدون هذا وقد تقبلوا من قبل المذاهب الأربعة، وتقبلوا الفوارق بينها، ورضوا أن يتبع كل مسلم ما ينشرح له صدره من مذاهب الأئمة.
7- يقول الشيخ علي الطنطاوي - يرحمه الله .. : «الذي لم يتعلم ولم يدخل المدرسة واشتغل بصناعة من الصناعات... هذا إن قرأ الآية أو الحديث هل يفهم معناها؟، والمراد منها وما يترتب عليها من أحكام، وهل يعتبر مثل العالم الذي قضى ثلاثين عامًا يقرأ ويتفقه؟ طبعًا لا. فهذا يعتبر عاميًّا في الفقه، ولو كان أشهر طبيب، والمحامي المشهور الناجح يعتبر عاميًّا في هندسة السيارات إن لم يدرس الميكانيكا .. فكل أمر من أمور الدنيا يوجد له ناس مختصون، والغريب عن هذا العلم يسألهم ويستفتيهم[2]، فالإنسان مهما قرأ وتثقف ونجح واشتهر، فإنه لا يمكنه أن يلم بكل العلوم، ولا يمكنه لأجل ذلك أن ينافس أهل العلم الذي لم يتبحر هو فيه، ولا ينبغي له أن يتعدى على اختصاصهم ويتطاول على علمهم.
فمن أراد مناقشة الفقهاء بعمق، فعليه دراسة ما درسوه وقراءة ما قرأوه قبل منازلتهم، ومحاولة ثنيهم عن آرائهم.. وإلا فلا يعقل ولا يستساغ اليوم، ونحن نعيش في عصر العلم والاختصاص أن يعترض كل مسلم على أقوال العلماء الفقهاء، ويتعدى على تخصصهم ومهنتهم دون تفقه في الدين، ودون تعلم التأويل.
ومع ذلك، ليس عيبًا اليوم أن يتبع الفقيه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «يسِّروا ولا تعسِّروا ......» فالنبي أمر بالتيسير على الأمة، وقد اتبع بعض مشايخنا هذا، وجعل تحبيب الدين إلى الناس منهجه، والتيسير لهم فيما يسِّره الله عليهم مبدأه. وقد كان جدي - علي الطنطاوي يرحمه الله - من العلماء الذين يسِّروا على الناس ورفعوا الحديث السابق شعارًا وساروا على هديه، فاعترض الناس عليه بشدة، إذ فهم بعضهم تيسيره تساهلاً، وهنا مكمن الخطأ، فالتيسير لا يعني إهمال الدليل الأقوى والحكم الأصوب، وإنما يعني القبول بالرخص، «وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه».
(1) فتاوى علي الطنطاوي ص ۱۰۷.
(2) من برنامجه الإذاعي «مسائل ومشكلات»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل