; فرنسا: الضغط في اتجاه فرض إسلام علماني فارغ المحتوي | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا: الضغط في اتجاه فرض إسلام علماني فارغ المحتوي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 97

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 40

السبت 13-سبتمبر-2003

تتضح يومًا بعد يوم حقيقة الحقد الذي تكنه جهات عديدة في فرنسا غاظها أن يتوصل المسلمون هنا إلى تحقيق حلم طال انتظاره، وهو تكوين هيئة تمثلهم في بلد يضم أكبر جاليتين مسلمة ويهودية في أوروبا، ويتميز بخصوصيات سياسية وثقافية من حيث كونه أحد الأقطاب السياسية الثلاثة الكبرى في أوروبا، وله علاقات تاريخية مع المنطقة العربية - الإسلامية. ويصل تأثيره الثقافي والأيديولوجي «أفكار ما يسمى بعصر الأنوار ومبادئ الثورة الفرنسية» إلى مختلف مناطق العالم لهذه العوامل، فإن كل تطور في الملف الإسلامي في الاتجاه الإيجابي الذي يخدم قضايا المسلمين ومصالحهم يقض مضاجع الجهات الراغبة في بقاء المسلمين في وضع التهميش داخل المجتمع. ومما زاد غيظ هؤلاء الحاقدين، بروز الإسلام بطابعه السمح المعتدل على عكس ما كما يروج له من صور سلبية، فقد ثبت أن كل المؤسسات الممثلة في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تتبنى الخطاب المعتدل وليس لها علاقة بما يشاع خطأ أو قصدًا عن الإسلام وأهله، تزامن ذلك مع بروز مظاهر الصحوة الإسلامية مثل الالتزام بالحجاب والإقبال على المساجد وعودة الشباب المسلم إلى التدين.

سياسة فرق تسد

إزاء هذا الحال المعطل لاستراتيجية تهميش الإسلام وإقصائه من المجتمعات الغربية، لم تبق أمام الجهات الحاقدة سوى سياسة «فرق تسد»، ظانة أن الخلافات بين مختلف مكونات الجالية المسلمة ستكون سببًا للفشل الدائم في التوصل إلى حل. وللتذكير فإن الأطراف الرئيسة في عملية الاستشارة لتمثيل المسلمين هي: مسجد باريس الكبير وعميده دليل بو بكر، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا برئاسة التهامي إبريز، والفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا برئاسة محمد البشاري، تضاف إليها تجمعات لا تقل وزنًا وحجمًا وتأثيرًا مثل الأتراك والأفارقة والدعوة والتبليغ. وقد حرص القائمون على المؤسسات الإسلامية أو على الأقل بعض الأطراف داخل هذه التركيبة على توظيف هذا التنوع ليكون مصدرًا للإثراء والقوة التأثير والفعل. وبهذه الخلفية، تم تذليل العديد من العراقيل وعمليات الشد والجذب وتجاوز الخلافات في العديد من المناسبات تجنبًا لانقسام الصف. 

لكن المتربصين بالإسلام وبالمسلمين شرًّا يبحثون عن الثغرات من أجل تعميق الشقة وعرقلة مشروع تصالح المجتمع الفرنسي مع الإسلام، وقطع الطريق أمام وصول رسالته نقية ناصعة لا غبار عليها إلى الرأي العام الفرنسي، ومن ورائه الرأي العام في أوروبا والغرب عمومًا. فكان أسلوب إثارة الشكوك والتخويف من الأطراف الإسلامية المخلصة العاملة في الساحة والتضييق عليها بكل الوسائل، وهي نفس الأطراف التي تعمل على إصلاح ذات البين داخل الصف الإسلامي.

حملة مركزة على الاتحاد

وتركزت الحملة على اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الطرف الذي يمثل التيار الإسلامي المعتدل، ويقدم رسالة الإسلام الوسطية بفكر معاصر متلائم مع طبيعة المجتمعات الغربية، وهو الطرف الإسلامي الذي يضم في صفوفه نسبة عالية من المثقفين والجامعيين الذين وفدوا من البلاد العربية أو نشؤوا في أحضان المؤسسات التعليمية الفرنسية، ولكنهم حافظوا على هويتهم وانخرطوا في العمل الإسلامي، إضافة إلى كونهم متشبعين بفكر الصحوة الإسلامية ويعملون على توطين الإسلام في الديار الغربية بعقلية منفتحة على الواقع. ولعل هذه القدرة على التأقلم مع الواقع الجديد في مجتمعات غير مسلمة من الأسباب الرئيسة التي جعلت الأسهم تصوّب إلى الاتحاد، ونعته بكل الأوصاف من التطرف والأصولية.

وقد استاءت الجهات الحاقدة كثيرًا لتعامل وزير الداخلية نيكولا ساركوزي مع الاتحاد بندية في عملية الاستشارة لتمثيل المسلمين مع أطراف أخرى يجمع بينها القاسم المشترك القائم على الانتماء لبلد معين «خاصة الجزائر والمغرب وتركيا»، إضافة إلى كونها مدفوعة بمصالح هذه البلاد في مراقبة جالياتها عبر المؤسسات الإسلامية «مساجد ومراكز». وزاد استياؤها لحضور وزير الداخلية في المؤتمر العشرين لمسلمي فرنسا الذي يشرف عليه الاتحاد، واعتبرت ذلك تزكية للتيار المتطرف وتراجعًا عن العلمانية التي تقوم على الفصل بين الدين والسياسة.

إسلام فرنسي

في هذه الأجواء، تحركت الآلة العلمانية «اللائكية» لإدخال الاضطراب داخل الصف الإسلامي، وللتأكيد على مقولة «إسلام فرنسي» من باب تحويل الإسلام إلى مجرد معطى ثقافي، ومن باب العمل على انصهار المسلمين وذوبانهم في المنظومة الفكرية الحداثية السائدة.

وجاءت هذه التحركات من داخل مجلس الديانة الإسلامية الفرنسي، وبالتحديد من بين العناصر التي رشحتها الجهات الرسمية ونصبتها في عضوية المكتب التنفيذي للمجلس. كما جاءت من خارج المجلس من طرف من يسمون أنفسهم «مسلمون لائكيون» ويعتبرون أنفسهم جزءًا من تركيبة الجالية المسلمة. وقد بقيت تحركاتهم إلى اليوم هامشية لأنه من الصعب إقناع عموم المسلمين بدمج الصفتين الإسلامية والعلمانية. وقد تأسست «حركة المسلمين اللائكيين بفرنسا» بعد النداء الصادر بمجلة ماريان يوم 5 مايو الماضي من أجل «تجديد الإسلام»، وتعد هذه الحركة لاجتماع وطني حول العلمانية في شهر نوفمبر القادم، وهي تعتبر المجلس غير ممثل لكل مسلمي فرنسا. وهذه القناعة ليست جديدة، بل هي موجودة لدى الأطراف المشاركة في الاستشارة، ذلك أن المقياس الذي تم اعتماده منذ البداية في عملية تمثيل مسلمي فرنسا هو المقياس الديني بمعنى التعبد وليس المقياس الثقافي - الأيديولوجي. كما اتفق على مقياس المؤسسات وليس الأفراد في عملية التمثيل، حيث شارکت الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في المسار الانتخابي، على عكس ما حصل في بلجيكا؛ حيث شاركت الجالية المسلمة في التصويت المباشر، ولم يتم اعتماد التجربة البلجيكية لأن الدلائل تشير إلى أنها لم تحقق الهدف المنشود حسب تقييمات العديد من الأطراف، وبناء عليه فإن تمثيل المسلمين في فرنسا تم على أساس ديني وليس ثقافي.

استراتيجية وزير الداخلية

والسؤال الذي يُطرح هنا: أين تقف الجهات الرسمية إزاء هذه المخططات التي تستهدف مشروع الاعتراف الرسمي والقبول الشعبي بالإسلام؟ لم يكن نجاح وزير الداخلية ساركوزي في التوصل إلى إحداث هيئة تمثل المسلمين في فرنسا مسألة صدفة، وإنما هو ثمرة استراتيجية هذا الوزير منذ وصوله إلى الحكومة. ويشير العديد من المحللين إلى أن ساركوزي بنى مستقبله السياسي على نجاحه في ثلاثة ملفات: الأمن الداخلي، وتمثيل المسلمين، وملف جزيرة كورسيكا. وقد نجح إلى حد كبير في الملفين الأولين، على عكس الملف الثالث الذي انتهى بفشل غير منتظر بعد الاستفتاء حول الوضع الإداري للجزيرة. وفيما يتعلق بالملف الإسلامي، كان ساركوزي يكرر عبارة «ضرورة إخراج الإسلام من تحت الأرض»، ويقصد بذلك أماكن الصلاة في الأقبية المنتشرة، كما يؤكد ضرورة ضمان كامل حقوق المواطنة للمسلمين مثلهم مثل بقية الفرنسيين من أصحاب الديانات الأخرى. ونزل بكل ثقله وبشخصه في العديد من المحطات واللقاءات الخاصة بعملية الاستشارة لتمثيل المسلمين. 

وقد وصف البعض تصديه للملف الإسلامي بهذه القوة بالجرأة والشجاعة الأدبية بالنظر للأجواء الضاغطة والصورة السلبية السائدة عن المسلمين، في حين اعتبر البعض الآخر أن الضجة التي صحبت عملية الاستشارة هدفها تغطية تأخر فرنسا الكبير في تسوية ملف تمثيل المسلمين مقارنة ببلدان أوروبية أخرى. وفي حين ربط البعض انخراط وزير الداخلية الكامل في ملف تمثيل المسلمين بتحقيق مصالح ومكاسب سياسية لفائدة اليمين الديجولي -الشيراكي وإبراز تفوقه، حيث فشل خصمه الاشتراكي. ويعتبر البعض الآخر أن انخراط الوزير يهدف أولًا لتحقيق مصالح سياسية شخصية عبر توظيف الصوت المسلم واستخدام هذه الورقة الانتخابية لتحقيق طموحاته السياسية المستقبلية.

مواجهة العقليات

والوزير يدرك جيدًا أن الملف الإسلامي مليء بالألغام، وأن العقلية الرسمية والشعبية لا تقبل بسهولة فكرة التعددية الدينية والثقافية، وأن أطرافًا عديدة تريد أن تتحرك في الساحة بلا منافس، خاصة إذا كان الطرف المنافس هو الإسلام وأن التقريب بين مختلف مكونات النسيج الجمعياتي الإسلامي مسألة معقدة، وأن الضغوط الخارجية شديدة من قبل السلطات التي تريد مراقبة جالياتها عبر ملف التدين والنشاط المسجدي والدعوي، وينطبق هذا الأمر خاصة على الجاليات المغربية والجزائرية والتركية، وأن فرنسا تحرج بملف تمثيل المسلمين بعض الأنظمة «الصديقة» في المغرب العربي، التي لم تتخل عن عرقلة مظاهر الصحوة الإسلامية وتواصل سياسة الإقصاء للتيارات الإسلامية.

 كما يدرك الوزير أن استراتيجيته لتمثيل المسلمين ليست محل إجماع الطبقة السياسية، بل وجدت معارضة حتى من داخل الحكومة مثل كاتبة الدولة للتنمية الدائمة، وهي من أصل جزائري، فهناك من يوافق على مسار تمثيل المسلمين، ولكن بدون الاتحاد. ثم إن الأحزاب اليسارية -الاشتراكية والشيوعية- في المعارضة لا تنظر بعين الرضا إلى النجاحات التي حققها ساركوزي ومن ورائه حكومته اليمينية، فقامت بتحريك عناصر تنتمي ثقافةً إلى الإسلام، لكنها تتبنى الفكر العلماني المتجذر لإحداث بلبلة، ومحاولة تقويض مشروع تمثيل المسلمين وهو في المهد أو في مرحلة جنينية، مقابل بث فكرة إسلام فرنسي علماني فارغ المحتوى.

حسابات سياسية

لكن ساركوزي الرجل السياسي لم يشأ أن يضع كل البيض في سلة واحدة وحتى لا يفهم أن ما قام به هو بمثابة صك أبيض للمسلمين، فقد قرن نجاحه في إقامة مجلس يمثل المسلمين بوضع هذا المجلس أمام التحدي عبر بعض الإشارات والتلميحات في قضايا دقيقة مثل التعليم وتكوين أئمة المساجد والحجاب. فقد دعا خلال المؤتمر الرابع للأئمة بفرنسا إلى ضرورة توفير الظروف لتأسيس معهد لتكوين الأئمة، بدل استجلاب أئمة لا يتكلمون الفرنسية وتلقوا تكوينهم في بلدان أجنبية. وهناك توجه يروج له العديد من «المثقفين المسلمين» مثل إيريك جيوفروا، وهو فرنسي مسلم ينتمي لتيار الصوفية ومعين من الإدارة الفرنسية في مجلس الديانة الإسلامية وتنبني الفكرة الأساس لهذا التوجه على أن يمر تكوين إمام المسجد بمرحلتين: تعليم ديني في مدارس خاصة، وتعليم جامعي عام في معهد للدراسات الإسلامية يقترح أن يؤسس بمدينة مرسيليا بإشراف الأستاذ الفرنسي المتخصص في القضايا الإسلامية برينو إيتيان ظاهريًّا، فإن المبرر لهذا التعليم الجامعي المكمل للتعليم الخاص هو اختلاط المرشح للإمامة مع طلبة آخرين ومعرفة اختصاصات أخرى، ومنع الانغلاق في تكوين معين، أما الخلفية غير المصرح بها فتتمثل في سحب البساط من معهد تكوين الأئمة الموجود حاليًا بفرعيه في شاتوشينون وباريس تحت إشراف اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا الذي ينتمي إليه اتحاد فرنسا، وإعادة صياغة تفكير المرشح للإمامة على ضوء العقلية الفرنسية العلمانية التي تختزل الدين في الدائرة الخاصة الضيقة وتطبعه بطابع ثقافي قابل للقولية كلّ حسب هواه.

من ناحية أخرى تعمد الوزير إثارة مسألة الحجاب على السطح، عندما أكد في خطاب مباشر أمام جمع غفير من المسلمين الحاضرين في المؤتمر العشرين لمسلمي فرنسا على ضرورة أن تلتزم المرأة المسلمة مثل غيرها من المواطنات بتقديم صور عارية الرأس لوضعها على بطاقة الهوية، ومنذ أبريل الماضي لم تهدأ الحملة الإعلامية على الحجاب وتضخم الموضوع ليصل إلى قضية سياسية بين موافق ورافض لإصدار قانون يمنع الحجاب في المؤسسات العامة في التعليم والعمل، وتمحورت النقاشات حول علاقة الحجاب بالعلمانية التي اعتبر البعض أنها في خطر. وتطور الأمر ليأخذ بعدًا جديدًا بعد أن تدخل الرئيس جاك شيراك ليعين لجنة التفكير حول تطبيق مبدأ العلمانية برئاسة برنارد ستازي، وهو وزير سابق مسيحي معتدل صاحب كتاب «الهجرة فرصة إيجابية لفرنسا». كما أعرب وزير الداخلية عن مساندته لحركة المسلمين اللائكيين بفرنسا في لقاء مع المسؤولين عنها. فهل كانت استراتيجية الوزير في الملف الإسلامي ضمن لعبة سياسية تأخذ بيد ما تعطي باليد الأخرى؟ وهل الغاية من عملية التمثيل إيجاد هيكل غير قادر على الاتفاق والقرار بين شد المخلصين العاملين لمصلحة الإسلام والمسلمين وجذب العلمانيين الذين تتقاذفهم أمواج الحداثة وتوجههم لمجموعات الضاغطة «لوبيات» نحو أهدافها الرامية إلى إفراغ الإسلام من كل مضمون حضاري؟ أم أن ما حصل يندرج ضمن تداعيات طبيعية لملف بالغ التعقيد في بيئة صعبة المراس مع كل ما يتصل بالمقدس والأديان، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالإسلام الذي له قصة طويلة مع بلاد الإفرنج؟

الرابط المختصر :