; فتنة التسوية: هل يضيع الوطن في طريق البحث عن الدولة؟ | مجلة المجتمع

العنوان فتنة التسوية: هل يضيع الوطن في طريق البحث عن الدولة؟

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1636

نشر في الصفحة 28

السبت 22-يناير-2005

في إطار الجهود الغربية لتفكيك الصراع العربي-الصهيوني من مكوناته الأساسية وعزله عن محضنه الإستراتيجي، جهدت هذه الأطراف لنزعه من فضاءاته الحضارية والدينية، وحتى النزعة الإقليمية لفضائه السياسي لم تسلم من التفكيك. ليتحول في نهاية المطاف إلى ملف سياسي مضغوط بالشأن الفلسطيني. على إثر تولي أمريكا الدور الإمبريالي وبداية نفوذها في المنطقة العربية عقب الحرب العالمية الثانية؛ عملت جاهدة ومنذ قرار التقسيم رقم ۱۸۱ لعام ١٩٤٧م على فرض«إسرائيل»، كأمر واقع.
ولأن فضاء الشرق الأوسط ضم مصلحتين هامتين للأمن القومي الأمريكي: هما«إسرائيل»، والنفط، فقد تبنى الرئيس الأمريكي روزفلت سياسة تقوم على التضاد والتوازن لانقسام المصالح الأمريكية بين ضفتي الصراع تضمنت قواعدها وعودًا سرية لليهود وأخرى علنية للعرب. أما السرية فهي الواجبة التنفيذ باعتبارها تخص المشروع الصهيوني الوليد؛رأس الحربة للحملة الإمبريالية آنذاك.
وضمن هذه الرؤية عملت السياسية الأمريكية على تكريس منظور التفكيك والتجزئة، إذ اعتبرت أن أصل الصراع نزاعات حدودية بين أطراف إقليمية متنازعة على جغرافية الإقليم، ومعظم مشاريعها السياسية في تلك الفترة اتجهت لمعالجة مفردات تتفرع من الصراع مثل توزيع المياه وتوطين اللاجئين ورسم الحدود وتمويل مشاريع التنمية، وعلى رأسها تمويل السد العالي، إذ عمل دالاس على تسويق صفقة مضمونها شراء الصلح«لإسرائيل» مقابل تمويل السد العالي، إلا أن المحاولة وصلت إلى نهايتها الفاشلة في مارس من عام ١٩٥٦م، أعقبها سحب الولايات المتحدة مشاركتها في تمويل السد العالي.
عقب الانكسار العربي الذي أفرزته هزيمة حزيران ١٩٦٧م، وقبول عبد الناصر بمبادرة روجرز والاعتراف بالقرار الأممي ٢٤٢ تدشنت حقبة التسوية الشاملة، وهي الخطوة الأولى في مسلسل الانهيارات السياسية في الموقف العربي، إلا أن المزاج الشعبي العربي وانعدام رغبة «إسرائيل»في التسوية: مترافقًا معها عدم جدية واشنطن: خلق حالة من الجمود السياسي.
وفي مرحلة لاحقة وعقب حرب ۱۹۷۳م التحريكية انطلقت حقبة التسوية الجزئية على يد مهندس سياسة الخطوة خطوة«كيسنجر»، وتمخضت المرحلة عن اتفاقيتي فك الاشتباك مع مصر وسوريا، وفي المحطة الأخيرة وصلت قاطرة التسوية كامب ديفيد عام ١٩٧٩م. وبذلك تمكنت«إسرائيل» وأمريكا من نزع مصر بثقلها الاستراتيجي من حلبة الصراع، أعقبها الاجتياح«الإسرائيلي» للبنان عام ۱۹۸۳م وطرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى المنافي، وبذلك تدشنت المداميك الأولى لحالة الشرذمة العربية،وهي الحالة التي تبتغيها القوى الغربية وعلى وجه الخصوص أمريكا فضلًا عن«إسرائيل» لفرض التسوية وفق الأجندة الصهيونية.
التسوية في العقل الفلسطيني وفتنة المرحلية:الوطن والدولة والسيادة والاستقلال مفردات وطنية فتنت العقل السياسي الفلسطيني، لكن تفاعله معها لم يجر تاريخيًا على نسق واحد. ففي البدايات كان المشروع الوطني الفلسطيني متكتلًا حول فكرة الوطن. ومعظم خطابه يتسق مع استراتيجية التحرير متناغمًا مع روح الميثاق الوطني الفلسطيني، لكن المتغيرات السياسية بالمنطقة ومنذ الاعتراف بالقرار الأممي ٢٤٢ ورديفه ۳۳۸ خلقت تحولًا في الذهنية السياسية الفلسطينية باتجاه موضوعات أخرى هي الدولة ومرادفها الاستقلال.
هذا التحول السياسي الفلسطيني بدأ يؤسس لفكرة التمرحل في فترة ارتبطت فيها السياسة الفلسطينية بشكل أكثر بالسياسة العربية التي اعتنقت مفهوم التسوية، وعبر عن هذا الالتصاق بين السياستين الفلسطينية والعربية إقرار مؤتمر قمة الرباط عام ١٩٧٤م رسميًا بأن منظمة التحرير هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وهو إقرار يستبطن في مضمونه قبولًا فلسطينيًا بمحددات السياسة العربية وعلى رأسها التسوية السياسية.
لم تكن فكرة التسوية غائبة عن العقل السياسي الفلسطيني حتى اللحظة المذكورة:بل راودت الفكرة عقول بعض القادة الكبار في فتح بعد فتنة أيلول في الأردن عام ١٩٧٠م. لكنهم لم يجرؤوا على البوح بها آنذاك.
حرب ۱۹۷۳ م وما أعقبها من زيارة السادات للقدس خلقت مناخًا سياسيًا مغايرًا في الفضاء العربي، ومن إفرازاتها تحرك اليسار الفلسطيني باتجاه الدعوة لفكرة المرحلية وبشكل علني، إذ طرح برنامج النقاط العشر من قبل الجبهة الديمقراطية، وتبعته جهود حثيثة من قبل الجبهة الشعبية وأطراف عديدة لإنتاج برنامج وطني فلسطيني يقوم على أساس المرحلية.
نتيجة لتلك الجهود في ذلك المناخ السياسي السائد أقر المجلس الوطني عام ١٩٧٤م البرنامج الوطني المرحلي وبشكل رسمي سارت قاطرة المرحلية باتجاه الدولة الفلسطينية وبدأت فكرة الدولة تطغى على فكرة الوطن وأخذت مفردات مثل الاستقلال الوطني والسيادة تطغى في الخطاب السياسي الفلسطيني على مفردات التحرير والوطن وما شاكلها.. المتغيران الأساسيان اللذان هزًا موضوع المرحلية وفككاها لإعادة إنتاجها بصياغة جديدة هما الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان ۱۹۸۳م وحرب الخليج عام ١٩٩٠م، فعلى إثر هاتين الهزتين السياسيتين تحولت الواقعية الثورية إلى واقعية برجماتية وقد استعرت المفردات الأخيرة من المفكر المغربي الدكتور عبد الإله بلقزيز،هذا الاختلال والتحوير الذي طرأ على مفهوم المرحلية أصاب الثوابت بعطب شديد وخاصة موضوع الوطن ونتج جراء هذا الاختلاط الجارف بين الموقف التكتيكي والاستراتيجي غياب المعيارية السياسية المنضبطة التي تميز بين ما هو تكتيكي وماهو إستراتيجي.
التعبير السياسي الكبير لهذا الخطاب السياسي هو أوسلو، إذ إن مجمل الاتفاقات المتعلقة بهذه المرحلة، بل مجمل الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي وما زال يؤكد أن المرحلية لا توصل للوطن الكبير، بل لشيء اسمه الاستقلال على كانتونات فيما تبقى من فلسطين عام ١٩٦٧م. أما الوطن الفلسطيني الكبير فغدا شيئًا من اليوتوبيا السياسية.

التيار الوطني الإسلامي الفلسطيني
طوال الفترة من عقد الخمسينيات وحتى أواسط عقد الثمانينيات من القرن الماضي تسيدت الحركة الوطنية الفلسطينية بطيقها العلماني ساحة العمل الوطني الفلسطيني وغاب التيار الإسلامي لظروف تتعلق بذات المشروع الإسلامي، وأخرى أهم تتعلق بالساحة الإقليمية التي كان يتسيدها المد القومي وما يرافق ذلك من بيئة دولية مرادفة غير مواتية. في الثلث الأخير من عقد الثمانينيات من القرن الماضي بدأ بروز التيار الإسلامي، وانطلق بشكل لافت بعد حرب الخليج عام ١٩٩٠م. وقد خلق بروز هذا التيار حالة من التعادل مع الخطاب الفلسطيني السائد المنغمس بالتسوية باعتبار أن خطابه السياسي مؤسس على موضوع الوطن. ورغم أنه جزء من الظاهرة الإسلامية التي تتحسس منها الأطراف الدولية والإقليمية إلا أنه استطاع أن يبطىء من دولاب التسوية، ومن خلال أدائه المقاوم تمكن من خلق حالة إفاقة من غيبوبة التسوية التي اعترت العقل السياسي الفلسطيني. عملت انتفاضة الأقصى على تعظيم دور التيار الإسلامي، وغدا جزءًا أساسيًا من المعادلة السياسية الفلسطينية. وقد أكدت الانتخابات المحلية الأخيرة على أنه يحتل مكانة الشريك وليس المعارض الثانوي.

مأزق التسوية
في دراسته الصادرة عن مركز القدس للشؤون العامة-يميني التوجه- بعنوان«إخفاق الإدراك والخداع الذاتي المسعى الإسرائيلي للسلام في سياق الارتباط بالحالات التاريخية» يقول الباحث الصهيوني جوئيل فيشمان واصفاً حالة رابين عندما اتجه نحو أوسلو بأنه كان يظن أن أوسلو مجرد مخاطرة محدودة من أجل السلام، وأن انهيار اتفاقياتها سيأتي على إسرائيل بأخطار على أقل حد. أي أن أوسلو وفق ذهنية يسار الوسط الصهيوني الذي يمثله العمل آنذاك ما هي إلا مغامرة وعتبة في طريق استراتيجية احتواء المعضلة الفلسطينية.
ويؤكد هذا التوجه أستاذ الاقتصاد بالجامعة العبرية ياكير بليسنير في أطروحتة النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين: تحليل منطقي إذ يصل إلى استنتاج في أطروحته المذكورة مفاده أن«إسرائيل» تحتاج أن تفرض على عرفات ثمنًا عاليًا جدًا بحيث يدرك أن الثمن السياسي الداخلي (الفلسطيني) أقل شأنًا بالمقارنة. وبطبيعة الحال فإن هذا التكتيك عجز عن إخضاع عرفات المتطلبات التسوية الصهيونية. التمثيل السياسي الدقيق المأزق التسوية صورة قاطرة التسوية عندما اصطدمت بجدار الحقيقة في محطة كامب ديفيد الثانية. وتفجرت على إثر هذا الاصطدام انتفاضة الأقصى التي كانت بمثابة زلزال سياسي هز طرفي الصراع وأخرجهما من غيبوبة حلم التسوية.
كيسنجر عراب التسوية الأول وفي مقال له في التربيون يعترف قائلًا: لقد وصلنا إلى نهاية طريق الخطوة خطوة في المسيرة، ولم يتبق أي من المواضيع الهامشية التي من الممكن أن تؤثر على الأطراف ولو بشكل جزئي،والرسالة مفادها أن مادة المناورة انتهت ولم يتبق إلا ملفات تشكل جوهر الصراع.
وعلى ضفتي الصراع في الوقت الراهن لا يوجد من يجرؤ على الاقتراب من هذه الملفات بشكل جدي لأنها تحرق من يلعب بها نظرًا لاكتظاظ الملف الفلسطيني بالمقدس والإشارات المتعلقة بالهوية الحضارية.
الحل المعروض في السوق السياسي هو بضاعة شارون حل نهائي مؤقت على نسق أوسلو ولكن بتصرف وعلى قاعدة تأجيل الملفات الجوهرية لعقود قادمة.
احتمال آخر يرجحه البعض يتضمن جهوداً فعلية لإنجاز تسوية من نوع ما لاغتنام الفرصة التاريخية كما أشار شارون في مؤتمر هرتزيليا الأخير، لكنها إن نجحت حتى نهايتها فستكون مجزرة هائلة للحقوق الفلسطينية، بسبب المناخ السائد في البيئتين الدولية والإقليمية، فضلًا عن الطرف الرسمي المهادن الذي يقف على الضفة الفلسطينية.
دروب التسوية أبعدت المشروع الوطني الفلسطيني كثيرًا عن الوطن بحثًا عن الدولة،وإذا لم يفق أهل التسوية فإن الوطن سوف يضيع في طريق البحث عن الدولة!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل