العنوان فتاوى المجتمع (1160)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995
مشاهدات 78
نشر في العدد 1160
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 01-أغسطس-1995
الوقوع في الحرام لا يترتب عليه تحريم
الحلال
السؤال:
رجل زنى بامرأة -والعياذ بالله- ثم تاب إلى الله توبة نصوحًا وبعد سنوات تقدم
لخطبة ابنة هذه المرأة، وتزوجها، وتم الدخول فما حكم هذا الزواج، هل هو صحيح أم
باطل؟
الجواب:
مما هو معلوم من الدين بالضرورة: حرمة الزنى، وأنه من كبائر الذنوب، فمن وقع فيه
وقع في أمر عظيم ووجبت عليه العقوبة في الدنيا والآخرة وتجب عليه التوبة إلى الله
توبة نصوحًا، عسى الله أن يتقبل توبته.
ولقد
اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة، وأراد أن يتزوج ابنتها، فالحنفية والحنابلة ذهبوا
إلى القول بحرمة ذلك، فمن زنى بامرأة حرمت على أصوله وفروعه، فلا تحل لأبيه ولا
لابنه، وحرم على الزاني أصولها وفروعها، فلا يحلُّ له أن يتزوج بنتها، سواء كانت
من مائه أو من غيره، وكذا بنت بنتها، وإن نزلت كما يحرم عليه أن يتزوج أمَّها
وجدتها وهكذا، لكن له أن يتزوج أختها، وتحل أصولها وفروعها لأصول الزاني وفروعه،
فيجوز لابنه أن يتزوجَ بنتها بشرط ألا تكون من ماء زنى أبيه ولا راضعة من لبنه
الناشئ بسببه، واستندوا في هذا إلى قوله تعالى:﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَابَآؤُكُم﴾: (النساء: ٢٢).
والوطء يسمي نكاحا، ولو كان حراما، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها»، وروى قوله صلوات الله وسلامه عليه: «ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها»، وقالوا أيضا: إن النكاح عقد يفسده الوطء إذا كان بشبهة فكذلك يفسده الوطء الحرام» (المغني ۷/117).
وذهب
المالكية في المعتمد والشافعية إلى أنَّ من زنى بامرأة لم يحرم عليه نكاح الأم أو
ابنتها، ولا تحرم هي على ابنه ولا على أبيه.
واستندوا
إلى قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُم﴾ (النساء: ٢٤)، ومما روي
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زني بامرأة، فأراد أن يتزوجها أو
ابنتها، فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح» (أخرجه البيهقي
وضعفه)، ومما روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً من المسلمين استأذن رسول صلى الله
عليه وسلم في الزواج من امرأة يقال لها: أم مهزول كانت تسافح، فقرأ عليه النبي صلى
الله عليه وسلم: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)
(النور: 3)، رواه أحمد وغيره)، ورجال أحمد ثقات، ففهم من قول النبي صلى الله عليه
وسلم أن الزاني يجوز له أن يتزوج المزنيّ بها، أو ابنتها المجموع (١٥/ ٣٧٥)،
وتفسير القرطبي( ١٢/ ١٦٧) وبداية المجتهد لابن رشد (2/34).
ولعل
الراجح قول المالكية والشافعية، ومن معهم في عدم حرمة الزواج من المزنيّ بها أو
ابنتها، فأدلتهم عندنا ظاهرة القوة، ولعل أقوى الأدلة مما يمكن أن يستدل به
لمذهبهم، فهم الدلالة الشرعية من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ
آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ٢٢)، فمراعاة الدلالة اللغوية للفظ نكح،
تعني مطلق الوطء، الحلال أو الزني، وأمَّا الدلالة الشرعية فتخص الحلال؛ لأنه
المقصود الشرعي من الحفظ، وقد تقرر في علم أصول الفقه أن اللفظ إذا دار بين المعنى
اللغوي والشرعي، ولم توجد قرينة تعين المراد منهما وجب حمل اللفظ على المعنى
الشرعي عند جمهور الفقهاء؛ لأنَّ غالب عادة الشرع استعمال الألفاظ في معانيها
الشرعية، وإن كان يطلقها أحيانًا على ما وضعت له في اللغة.
ومن
أدلتهم القوية أيضا أن وطء الزني لا يثبت به النسب ولا التوارث، وهذا متفق عليه،
فلا صلة يحرمها الزني كما يحرم النسب أو الرضاع، وترجيح مذهب المالكية والشافعية
لا يعني إباحة الزواج من بنت المزنيّ بها إذا ترجح أنها من ماء هذا الرجل، فهي
بنته من الزني ونسبها، وإن لم يثبت له، إلا أنه يحرم الزواج منها في هذه الحال عند
الحنفية والمالكية في المعتمد والحنابلة، وعند الشافعي يكره الزواج بها، فإن
تزوجها لم يفسخ العقد.
تجرد الزوجين أحدهما للآخر من الثياب
السؤال:
هل يجوز أن يتجرد الزوجان من ثيابهما، وينظر كل واحد منهما للآخر أم أنَّ أدب
الإسلام يمنع من ذلك، وما قولكم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم
أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد العيرين» - أي: البعيرين.
الجواب:
اتفق الفقهاء على أن للزوجين أن يتجردا من ثيابهما، وأن ينظر أحدهما إلى أي جزء في
الآخر، وذلك لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا
عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مَلُومِينَ) (المؤمنون: ٥ – ٦).
ولحديث
بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما
نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» (الترمذي 5/110).
وأما
حديث: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر»، فهو حديث ضعيف.
وعلى
هذا فيجوز النظر مطلقا ولأي جزء، والجواز لا يمنع أن يكون لذوق الزوجين مدخل، فإذا
كره الزوجان نظرًا خاصًا فلهما تركه، وإن لم يكرهاه واستحسناه، فلهما النظر.
الأخ غير المسلم يُعتبر محرماً لأخته
المسلمة
السؤال:
رجل غير مسلم وهو من أهل الكتاب، وأخته تريد السفر وهي مسلمة، هل يكون محرمًا لها،
وإذا كان محرمًا لها فما يجوز أن يراه منها.
الجواب:
يعتبر هذا الرجل غير المسلم محرمًا لأخته، ودليل ذلك أن أبا سفيان حينما أتى
المدينة، وكان على شركه ودخل على ابنته أم حبيبة، وقامت فطوت فراش النبي صلى الله
عليه وسلم؛ لئلا يجلس عليه، لم تحتجب منه، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم
بالاحتجاب عنه.
وأما
ما يجوز أن ينظر منها فنرجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من أن عورة المرأة
بالنسبة لمحرمها هو ما عدا الوجه والرأس واليدين، فيجوز أن يرى منها ذلك وما عداه
فهو حرام، ولو كان أباها.
ومذهب
الحنفية والشافعية - في الجملة أن عورتها هي ما بين السرة والركبة، وما عداه فيجوز
النظر إليه.
وهذا
الحكم يشمل المحرم بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة.
خروج المني بعد الاغتسال لا يوجب
الغسل، ولكنه يوجب الوضوء
السؤال:
ما حكم الشخص الذي يغتسل بعد الجنابة، وبعد فترة قصيرة خرج منه مني، هل يعيد الغسل
مرة ثانية؟
الجواب:
اختلف الفقهاء في هذا الموضوع، فمنهم من قال: إنه لا يغتسل إذا طالت المدة بعد
غسله الأول كأن ينام أو يمشي كثيرًا، ثم يخرج منه شيء، وإن قربت المدة فإنه يغتسل
ثانية، ولعل أرجح الأقوال هو ما قاله الحنابلة وهو عدم الغسل ثانية.
واستندوا
إلى بعض الأخبار عن الصحابة فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الجنب
يخرج منه الشيء بعد الغسل، قال: يتوضأ، وروي مثله عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، وقالوا أيضا: إنه مني واحد فأوجب غسلًا واحدًا كما لو خرج دفعة واحدة، ولأنه
خارج لغير شهوة، فأشبه الخارج لبرد أو غيره.
العمل في مؤسسات لها تعاملات ربوية
يوقع في محظورات
السؤال:
ما هو الحكم الشرعي بالنسبة للأشخاص المسؤولين عن المؤسسات أو الشركات الحكومية
المستقلة، وهم بحكم منصبهم يقومون بالتالي:
أولاً:
التوقيع على المعاملات البنكية والودائع المالية لدى البنوك، وما يدخل في ذلك من
فوائد بنكية ربوية.
ثانيا:
تحصيل الفوائد البنكية وإنفاقها على الأعمال في هذه المؤسسات علمًا بأن جميع
المؤسسات الحكومية المستقلة تتعامل بهذه الصيغة، وإن سد هذا الباب وتحريمه سيبعد
نخبة من أهل الصلاح عن مسؤولية إدارة هذه المؤسسات والشركات الحكومية المستقلة.
الجواب:
مما لا شك فيه، بل مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن الربا حرام ومعدود من
الكبائر، وحرمته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى(وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، وقال عز وجل: (الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: 275)، وقال صلوات الله وسلامه عليه:
«اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: یا رسول الله وما هن؟، قال: «الشرك بالله
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم والفرار
يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (البخاري 5/393، ومسلم 1/92)، وأشد
آية نزلت في كتاب الله آية الربا، قال تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا
بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: ٢٧٩)، ولم يؤذن ويتوعد الله عاصيًا
أو غيره بحربٍ منه ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى آكل الربا.
وإذا
كان أصل الفعل محرمًا لذاته، فلا يجوز شرعا اتخاذ أية وسيلة تؤدي إليه، أو تعين
على تحصيله ووجوده؛ لما تقرر عند علماء الأصول أن مقدمة المحرم محرمة، وإن ما كان
ذريعة إلى فساد فهو محرم والوسائل تأخذ حكم المقاصد.
فلا
تجوز الإعانة على الربا بأية صورة كانت؛ لأنها إما مشاركة فعلية، أو تسهيل
للمشاركة، أو تقوية لصروح الرياء، أو مجرد إعانة، ولو كان فراشًا يحمل شيكات من
الربا من غرفة إلى أخرى، وهو يعلم ما بها، فيخشى أن يكون فعله هذا محرمًا.
ويشير
صراحة إلى حرمة كل عمل له صلة بالربا ما رواه مســـلم عن جابر بن عبد الله رضي
الله عنه قال:« لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله، وكاتبه
وشاهديه»، وقال: «هم سواء» (مسلم:3/ 1219)، ودلالة الحديث صريحة في حرمة أصل الربا
ووسائله، ومن أعان عليه، وعلى هذا، فإن مما لا شكَّ فيه عندي أنَّ الأشخاص
المسؤولين عن المؤسسات أو الشركات المستقلة الحكومية أو غير الحكومية الذين يقومون
بحكم مناصبهم بالتوقيع على المعاملات البنكية الربوية أو يحصلون الفوائد البنكية،
يلحقهم الإثم على عملهم هذا، وإن لم يكن أصل تعامل ونشاط هذه المؤسسات والشركات
ربويًّا، بل خدميَّا أو علميَّا أو تجاريَّا أو غير ذلك.
ويشمل
إثم الربا من يأمرهم بهذا، ومن ينفذ أمرهم في هذا الشأن بخصوصه عالمًا بالحرمة،
ومن ابتلي بهذا العمل فعليه أن يتجنبه، ويأخذ من الأعمال ما لا يدخل في دائرة الربا،
وواجبه النصح أو التغيير إن كان ذلك في وسعه، فإن لم يمكنه ووجد عملاً يرتزق منه
غير هذه الجهات، فيجب الانتقال، فإن كان مصدره الوحيد، ولا يجد إلا هذا العمل بحيث
يلحقه الضرر البليغ أو من يعولهم إن تركه، فيستمر إلى أن يجد عملًا، ويجتهد في
الحصول على العمل غاية وسعه، ويطبق على هذه الحالة حكم الضرورة التي إن لم يفعلها
يلحق الضرر نفسه أو من يعولهم: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2-3)، وتقوى الله أن لا يُدخل
بيته درهمًا أو فلس ربا، ولا يطعمه أهله، وله في الحلال مندوحة وسعة، وأما المصالح
المذكورة في السؤال من ابتعاد أهل الصلاح وخلافه، فهي مصالح ملغاة شرعًا؛ لأن دفع
مفسدة الربا أعظم وأهم من تحقيق هذه المصالح، وتطبق هنا قاعدة: «درء المفاسد مقدم
على جلب المصالح».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل