العنوان فتاوى المجتمع (1151)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 77
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 30-مايو-1995
الطبيب لا يكشف سر المريض إلا إذا كان
في الكتمان مفسدة
السؤال:
هل يجوز للطبيب أن يكشف بعض خصوصيات وأسرار مرضاه مثل العقم إذا اكتشف الطبيب أن
الرجل عقيم، ثم اكتشف أن زوجته حامل، والزوج لا يعلم أنه عقيم، كيف يتصرف الطبيب؟
الجواب:
الأصل في الشرع هو الستر وكتم الأسرار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ
أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور:
١٩)، وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: «من ستر على مسلم ستره الله في
الدنيا والآخرة» رواه الشيخان، وكان من دعائه صلوات الله وسلامه عليه «اللهم استر
عوراتنا، وأمن روعاتنا»، وقال صلوات الله وسلامه عليه في قصة ماعز وقد اعترف
بالزنا، فأقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم الحد، فجاء رجل يقال له هزال فقال:
أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا هزال لو سترته
لكان خيرًا لك». (صحيح الإسناد - تخريج أحاديث الإحياء ٩٩٩ للعراقي).
والسر
إنما يكون أمرًا مستقبحًا يكره صاحبه إظهاره، فهو في حكم العورة التي يجب سترها،
وعدم إظهارها.
وكشف
السر قد يكون فيه إيذاء نفسي كبير، وقد يترتب عليه ضرر بدني بإقامة حد أو إنزال
عقوبة، وقد يكون في كشف السر خيانة للأمانة مثل أن يكشف الزوج أو الزوجة سر الآخر،
لما روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه،
ثم ينشر سرها».
وإذا
استأمن شخص آخر على سره؛ فلا يجوز أن يقضي به إلى الغير، وإلا كان خائنًا لأمانة
استودعها.
ولكن
هذا الأصل يجوز الخروج عنه، وقد يجب في حالات كثيرة أهمها أن يؤدي كتمان السر إلى
ضرر يلحق بفرد أو يلحق بمجموعة، كما في كتمان الشهادة من ضياع حق مظلوم والستر على
الظالم، أو كان في كشف السر إنقاذ حياة إنسان، أو كان فيه دفع ضرر عن فرد أو
جماعة، أو كان في الستر شيوع الفاحشة.
ولا
شك أن مهنة الطب من أكثر المهن أسرارًا حيث يطلع فيها الطبيب على أسرار مريضه مما
قد يكتشفه أثناء تشخيصه وعلاجه أو يبوح به المريض للوصول إلى تدرج المرض وأسبابه،
فالطبيب مستودع أسرار المريض.
أما
إذا اكتشف الطبيب أن الزوج عقيم وتبين ذلك بالوسائل العلمية القاطعة، أو الراجحة
رجحانًا كبيرًا ثم فحص الزوجة فوجدها حاملاً، فالحكم الشرعي أنه يجب هنا أنه لا
يجوز للطبيب أن يخبر الزوج مدعيًا زني زوجته؛ فيكتفي بإعلامه أنه عقيم، ومسئولية
الزوج بعد ذلك أن ينفي نسب الوليد باللعان لأن الأصل أن الولد للفراش -أي فراش
الزوجية- وللعاهر الحجر.
كما
ورد في الحديث وهو خبر ابن وليدة زمعة أو يقيم الدليل على زناها بأربعة شهود.
ويرى
بعض الفقهاء أنه في هذه الحالة لا يثبت نسب الوليد منه وينتفي عنه دون لعان.
موقف الطبيب إذا لجأ إليه الخاطبان
للاستشارة الطبية
السؤال:
ما هو حكم الشرع إذا تقدم خاطبان للكشف الطبي لمعرفة ما إذا كان هناك انسجام بين
دميهما، فتبين أنه لا انسجام بينهما وأن الذرية ربما تكون مشوهة؛ فماذا يكون موقف
الطبيب؟
الجواب:
إذا عرض الخطيبان نفسيهما على الطبيب للكشف على سلامتهما، أو وجود ما يحول دون
انسجام دميهما، فتبين من الكشف أنه لا انسجام بينهما، وأن ما يكتب الله لهما من
ذرية قد يصاب بتشوهات معينة فيجب هنا على الطبيب أن يبين حقيقة الأمر، لأن الغرض
من حضورهما معرفة سر كل منهما الآخر.
وهذا
مبني على جواز إفشاء السر في الخطبة، فإذا سئل شخص عن آخر تقدم للخطبة، فعليه أن
يذكر ما يعرفه عنه من حسن خلقه، أو سوء خلقه، كقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت
قيس لما جاءته تطلب رأيه في خاطبيها معاوية وأبي جهم بن حذيفة، فقال: النبي صلى
الله عليه وسلم لها أما معاوية فصعلوك لا
مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه، لكن إذا رضي الطرفان ببعضهما رغم علمهما بما
قد يترتب على زواجهما من أضرار، فالذي نراه أن ما بأحدهما من مرض إن كان معديًا
ينشر المرض في ذريتهما، ويعود بالضرر على المجتمع فلولي الأمر منع هذا الزواج إذا
رجحت المفسدة على المصلحة، إلا إذا أخذا احتیاطهما في منع الحمل .
الأجرة المجهولة على البيع تفسده
السؤال:
ما حكم الاتفاق التالي: شخص قال لصديق له خذ هذه السيارة وبعها، فإذا بعتها بألفي
دينار، فما زاد عن الألفين فهو حلال لك، فهل هذا الاتفاق جائز؟
الجواب:
هذا الاتفاق لا يصح، لأنه من باب الجعالة، ويشترط لصحة عقد الجعالة أن يكون الجعل
أو الأجرة معلومة، وقوله ما زاد عن كذا فهو لك، فهذا جهالة في الجعل وغرر.
وكذلك
لا يصح العقد لو قال له بع هذه السيارة ولك في كل مائة دينار عشرة دنانير أو في كل
ألف دينار خمسون دينارًا، فلا يصح لأنه لم يحدد له ثمنًا يبيع به فتكون الأجرة
مجهولة، نص على ذلك المالكية.
الصلاة لا يقطعها مرور شيء أمام
المصلي
السؤال:
هل صحيح أن الصلاة تقطع إذا مر أمام المصلي المرأة أو الكلب أو الحمار وما هي
الحكمة في أن هؤلاء يقطعون الصلاة؟
الجواب:
ما ذكر في السؤال من قطع الصلاة إذا مرت المرأة أو الكلب أو الحمار غير صحيح،
فالصلاة لا يقطعها شيء مما ذكر.
ودليل
ذلك حديث عائشة رضي الله عنها فقد «ذكر عندها ما يقطع الصلاة -الكلب والحمار
والمرأة- فقالت شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي
النبي صلى الله عليه وسلم، فأنسل من عند رجليه» (البخاري ١/٥٨٨ حديث رقم ٥١٤،
ومسلم، كتاب الصلاة رقم ٢٦٥ و ٢٥٥، وأبو داود – كتاب الصلاة رقم ١٠)
وقد
ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصلاة لا يقطعها شيء لما روى أبو سعيد
الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الصلاة شيء» (رواه أبو
داود)، ولحديث عائشة السابق، وحديث ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان،
والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فمررت على بعض الصف، ونزلت فأرسلت الآتان ترتع
فدخلت في الصف فلم ينكر على أحد»، (متفق عليه)، وقال الإمام أحمد يقطع الصلاة
الكلب الأسود، لورود حديث خص به الكلب الأسود (المغني ٢/١٨٣).
جواز دفع الزكاة للدائن عن المدين
الغارم
السؤال:
رجل مدين بمبلغ من المال وهو عاجز عن الدفع، فهل يجوز دفع الزكاة لدائنه، لأن
الزكاة لو دفعت للمدين فهو بحاجة لها ولن يسدد دينه، ولكن الرجل المزكي سيخبر
المدين أنه دفع عنه دينه؟
الجواب:
لا مانع من ذلك لأن القصد من دفع الزكاة رفع الغرم وهو الدين الذي بسببه وصف
المدين بالغارم فلا فرق في دفعها للدائن أو المدين، فإن دفعها للمدين ملكه إياها
مباشرة، وإن دفعها للدائن، فكأن الغارم وكل المزكي في دفع الدين عنه، خاصة وأنه
سيخبره بأنه سيدفع عنه دينه ولوجود سبب وهو خوف المزكي من عدم دفع الغارم الزكاة
سدادًا لدينه.
دخول غبار الطحين إلى جوف الصائم
المحترز لا يفسد الصوم
السؤال:
ما حكم صوم الشخص الذي يعمل في شركة لمطاحن الدقيق ويتعرض لغبار الطحين بكثافة، هل
يؤدي ذلك إلى فطره؟
الجواب:
وجود غبار الطحين أمر لا بد منه ويغلب وجوده في مثل هذه الأعمال، وهو داخل في عموم
الاضطرار، فإن أمكن التحرز منه وإلا فهو مما يضطر إليه، فلا شيء على العامل مادام
هذا عمله، شريطة ألا يتعمد إدخاله جوفه، وأن يحترز بقدر استطاعته بوضع كمام أو
التلثم إن لم يعقه ذلك عن العمل.
تأخير قضاء رمضان عن صيام التطوع
السؤال:
ما معنى أن صيام ست من شوال مثل صيام الدهر؟ وهل يشترط أن يكون صيامها متتابعًا
وما حكم المرأة أو الرجل الذي لا يتمكن من صيام الأيام الستة في شوال هل يمكن أن
يصومها بعد شوال؟ وما حكم المرأة التي تصوم الأيام الستة وعليها أيام من رمضان
أفطرتها؟
الجواب:
صوم ستة أيام من شوال سنة لما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» (مسلم
(٢/٢٢)، ويدل على أن المراد من الدهر السنة أو العام كله، ما رواه ثوبان رضي الله
عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام
بعدهن بشهرين فذلك تمام السنة»، (الدارمي ٢/٢١، وإسناده صحيح)، وفهم ذلك باعتبار
أن الحسنة بعشر أمثالها الشهر بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يومًا مجموعه عام كامل.
وأما
عن تتابع الأيام الستة بعد رمضان، فهذا هو الأفضل، ولا بأس بتفريق أيامها في أيام
شوال حسب الاستطاعة.
وأما
صيامها بعد شوال، فإن جمهور الفقهاء مع ظاهر النص وهو أن أفضليتها في شهر شوال وهي
خاصة به، وليس لغيرها في غير شوال مثل أجرها .
ولكن
المالكية وحدهم قالوا بجواز صيام الأيام الست في غير شوال، بل قالوا إنه أفضل من
صيامها في شوال وعللوا لذلك بأن تخصيصها في أيام شوال ذكرت في الحديث من باب
التخفيف لأن الصائم اعتاد الصيام في رمضان، فيسهل عليه المتابعة بعده، فإذا فعلها
في غير شوال جاز وأفضل أيام أدائها عشر من ذي الحجة.
وأما
الرجل أو المرأة التي تصوم الأيام الستة من شوال وعليها دين من رمضان، فإن الأولى
هو أن تبادر إلى قضاء الدين لأنه واجب، ولأن المرء لا يأمن الأمراض أو الوفاة، وهو
مسئول عن الدين إن أمكنه أداؤه ولم يصمه، ولا يسأل عن التطوع.
فإن
صامت الأيام الستة وأخرت قضاء دينها من رمضان ففعلها مقبول صحيح مع الكراهة، نص
على ذلك المالكية والشافعية وأما الحنابلة فحرموا التطوع قبل قضاء الدين، وقالوا
بعدم صحة التطوع حينئذ واستدلوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام
تطوعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه»، وقال الحنفية
بجواز التقديم وقولهم وجيه وأوجه منه ما ذهب إليه المالكية والشافعية، وهو الراجح
لضعف مستند الحنابلة، فقد أخرج الحديث الإمام أحمد ٢/٣٥٢، وفي علل الحديث لأبي
حاتم الرازي نص على اضطرابه ١/٢٥٩)، ولأن قضاء دين رمضان لا يجب على الفور، وغاية
تقديم التطوع، أنه تأخير لما يجب أداؤه معجلاً على غيره ولما قد يصيب المرء من مرض
أو وفاة فيكون مقصرًا تقصير ترك الواجب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل